إن دراسة الشعوب الأخرى وفهمها من خلال إنشاء الأقسام العلمية أمر أخذت به الأمم الأخرى، فهذه أوروبا وأمريكا قد أنشأت مئات إن لم يكن آلاف الأقسام والمعاهد ومراكز البحث المتخصصة في شؤون العالم العربي والإسلامي تحت اسم دراسات” الشرق الأوسط” أو ” الأدنى” بالإضافة إلى اهتمام الجامعات الأوروبية والأمريكية بدراسة الشعوب كافة فهناك أقسام الدراسات الصينية والهندية واليابانية والأفريقية. كما أن الدول الأخرى غير الأوروبية أنشأت أقساماً لدراسات الشعوب الأخرى. فعلى سبيل المثال هناك سبعة معاهد في الصين لدارسات الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن في بريطانياً أكثر من قسم أو معهد علمي لدراسة الولايات المتحدة.
أعلن منتدى أصيلة منذ أكثر منذ سنوات عن إنشاء مركز الدراسات الأمريكية، وقرر الاستعانة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفرد الأمريكية في وضع مناهج المركز وخططه، وحتى الآن لم يتم شيء كما أعلنت جامعة الأزهر بجمهورية مصر العربية عن نيتها إنشاء مركز الدراسات الاستشراقية، ورغم مرور عدة سنوات على هذا الإعلان فلم يتم إنشاء هذا المركز. ولكن بعض الجامعات المصرية لديها مراكز لدراسات الشعوب الأخرى مثل معهد الدراسات الأسيوية بجامعة القاهرة، ومركز الدراسات الشرقية بالجامعة نفسها وكذلك كلية الدراسات الشرقية بجامعة عين شمس، ولكنها كلها لا ترقى إلى أقسام دراسات الشرق الأوسط أو الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأوروبية والأمريكية وإن كانت خطوة طيبة في هذا المجال.
واليوم والحملة الغربية تشتد ضد الإسلام والمسلمين في الغرب وإن حمل كبرها الإعلام الغربي لكنه ينهل من الدراسات الاستشراقية كما يشارك عدد من المستشرقين في هذه الكتابات. بل بلغ الأمر ببعض المستشرقين أن كان لهم دور في صناعة القرار السياسي المحرض ضد الدول العربية والإسلامية ومقللاً من شأنها ومكانتها.
وعلى ضوء هذه المعطيات فإن كثيراً من علماء الأمة ومفكريها طالما كتبوا وحاضروا يطالبون بهذا الأمر حتى إن أحد المستشرقين وهو المسترق رودي بارت في كتابه (تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية) تعجب من تأخر المسلمين في دراسة الشعوب الأخرى وكان هذا في لقاء جمع بعض العلماء المسلمين والمستشرقين في الخمسينيات من القرن الماضي. وظل هذا الأمر موضوع حديث العلماء من هذه الأمة ومن ذلك ما قاله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ( وزير خارجية الجزائر سابقاً) والدكتور جون اسبوزيتو (مدير معهد التفاهم الإسلامي النصراني) بجامعة جورجتاون بواشنطن العاصمة الأمريكية) في محاضرتيهما في الندوات الثقافية لمهرجان الجنادرية للتراث والثقافة الثامن عشر الذي عقد في الرياض في الأسبوع الماضي فكان مما قاله الإبراهيمي في محاضرته ما نصه: “فإن الحوار مع الطرف الآخر يفترض معرفته وأقترح بتوجيه الطلبة إلى الدراسات الغربية، فنؤسس في جامعاتنا كراس “للاستغراب” حتى نتعلم لغات الغرب ونُلمّ بأحواله ماضياً وحاضراً” بل إن الإبراهيمي أضاف بأنه يتمنى لو أنه لم يخرج من محاضرته إلاّ بأن يقتنع شاب سعودي واحد بضرورة دراسة الغرب لكان هذا نجاحاً بالنسبة له.
أما الدكتور جون اسبوزيتو فقد قال في معرض الرد على بعض الأسئلة حول تناوله للإسلام والمسلمين بأنه يتساءل أين المسلمون الذين تخصصوا في دراسة النصرانية أو اليهودية أو الشعوب الغربية ليكون الحوار معهم، بدلاً من أن يظل الغرب هو الذي يدرس الشعوب الأخرى، وضرب المثال بنفسه حيث كتب عشرات الكتب حول الإسلام والمسلمين.
وهنا يأتي هذا الاقتراح بأن تنظر الجامعة في بإنشاء وحدة للدراسات الأوروبية والأمريكية (الاستغراب) في عمادة البحث العملي تمهيداً لإنشاء قسم الدراسات الأوروبية والأمريكية فنحن بحاجة ماسة لدراسة الغرب من جميع جوانبه العقدية والتاريخية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. إن المعرفة الحقيقية بالغرب هي التي يمكن أن تساعدنا في الرد على الحملات المعادية لنا هناك كما أنها تمكننا من معرفة جذور هذه الحملات وأهدافها الحقيقية ونستطيع أن نرد عليهم من خلال معرفتنا بهم وبتاريخهم وحضارتهم.
ويمكننا أن نبدأ بتكوين الوحدة من بعض الأساتذة المتخصصين في اللغات الأوروبية وعلم الاجتماع وعلم التاريخ وبعض الأساتذة المتخصصين في الدراسات الشرعية الذين درسوا في الغرب ليعملوا في هذه الوحدة.
0 تعليق