السؤال الأول:
مضى على الدعوة لدراسة الغرب (الاستغراب) فترة زمنية معتبرة، وما زالت الاستجابة نسبية وفردية في غالبها، وحتى بعض المراكز والهيئات التي نهضت بذلك إمّا أنها تسير بخطى بطيئة أو برؤية محدودة، وإمّا أنها وقعت في “الاستغراب المقلوب”.
فإلى ماذا ترجعون ضعف الاستجابة؟ وما السبيل للتدارك وتفعيل المسيرة؟
يؤسفني أن أقول إن الذين بيدهم اتخاذ قرار إنشاء الدراسات الغربية لا يعرفون قيمة دراسة الشعوب الأخرى ومعرفتها، لو أردت أن أكون قاسياً لقلت إنه الجهل المُطبق بأهمية معرفة الشعوب والأمم الأخرى الذي أمرنا الله به في قوله سبحانه (لتعارفوا) فكيف نتعارف بلا دراسات وبحوث. ألا يمكن أن ننظر إلى كيف تدعم الأمم الأخرى دراسات المناطق والشعوب والأديان ففي بريطانيا وفي القرن العشرين ألّفت الحكومة عدة لجان أذكر منها سكاربورو 1947 وهيتر 1961 وباركر 1985 وعدّت بريطانياً الإسلام موضوعاً استراتيجياً عام 2009م؟
أما السبيل لتدارك الأمر فهو أن تتوحد الجهود الجامعية لإنشاء هذه الدراسات وعلى أصحاب الأموال العقلاء والواعين أن يدعموا نشأة هذه الدراسات.
السؤال الثاني:
البعض يرى أنه حتى لو قُدِّرَ للاستغراب أن يمضي بعيدا على المستوى البحثي فإنه يظل دون جدوى عملية؛ ما دام صناع القرار والنخب السياسية عندنا لا يولون لمخرجات هذه الأبحاث بالا، ولا ينضبطون بنتائجها في تعاطيهم مع الآخر الغربي.
فما رأيكم؟
قبل أربعين سنة أصدر الأستاذ أحمد بهاء الدين كتاباً بعنوان (شرعية السلطة في البلاد العربية) تناول فيه مجمل الأوضاع ومعايير شرعية أي حكومة وأبدع رحمه الله فيه. فحكوماتنا بما أنها غير شرعية فتسعى لفرض وجودها بقوة الحديد والنار. فلا أمل لحكومة تحكم بالحديد والنار أن تستمع لأصوات العقلاء والحكماء والمثقفين. ولكن هذا لا ينبغي أن يصل بالعلماء والمفكرين لحالة القنوط فعليهم الاستمرار في البحث وفي نشر أبحاثهم وعرضها في وسائل الإعلام ما استطاعوا لذلك سبيلا، فكثرة الطرق تليّن الحديد ونقطة ماء تذيب الصخر.
السؤال الثالث:
في رأيكم ما هي الضوابط البحثية والمنهجية التي ينبغي أن تؤطر البحث الاستغرابي؟ أو بمعنى آخر ما هي المحددات التي على الباحث في شؤون الاستغراب أن يصدر عنها وينضبط بها؟
من يبحث في الاستغراب عليه قبل الولوج في هذا الباب أن يتعرف لأساسيات الإسلام، أن يكون مطمئناً لحقيقته وأن العالم بحاجة إليه حتى إذا درس الغرب كان في يده الميزان ليحكم على حياتهم وسلوكهم في المجالات كافة وليعلم حقيقة (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) أما الضوابط البحثية الأخرى فأولها امتلاك الأدوات البحثية اللازمة من لغة وقواعد المنهج العلمي وأن يتحلى بالخلق الإسلامي ٍ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
أما المحدد الثاني فهو إتقان اللغات الأوروبية واحدة أو أكثر وحبذا لو عاش فترة من الزمن في إحدى البلاد الغربية ففي مركز الدراسات البريطانية في ألمانيا يلزم الطالب في مرحلة الماجستير أن يختار مجالاً من المجالات {الطب، الهندسة، الإعلام، الاقتصاد، السياسة: برلمان أو حكومة أو حزب من الأحزاب} ويعمل فيها مدة ستة أشهر – دراسة الماجستير-ويكتب تقريراً وافياً عن تلك المرحلة.
دراسة الغرب يجب أن تكون متخصصة فليس هناك دراسة للغرب عموماً ولكن عليه أن يتخصص في التاريخ أو الجغرافيا أو الفلسفة أو الأديان أو غيرها.
السؤال الرابع:
تعتبر عقبة المنهج من أصعب العقبات التي تقف في طريق عِلْمِيَّةِ الاستغراب أي صيرورته علما مستقلا له معالمه وتوجهاته وقسماته الواضحة والخاصة، ولكن ألا ترون أن الأمر مبالغ فيه، فمشكلة المنهج هي مشكلة جميع العلوم الإنسانية التي أريد لها أن تتخلى عن خصوصياتها لتطابق العلوم الدقيقة والتجريبية، كما أن هذه المشكلة لم تَحُلْ دون بروز العلوم الإنسانية التي تشيع بيننا مع أن مشكلة المنهج بالنسبة إليها لم تُحَلّ نهائيا وإن كانت قد خطت خطوات عملاقة؟
المنهج مسألة واضحة وبسيطة إن أردناها ومعقدة وصعبة إن أردناها، فالمنهج هو الطريق الذي نسلكه لتحقيق هدف معين وقد قال أحدهم إن أمي إن أرادت أن تعجن للخبز أو لأي هدف آخر فإن لها منهج تسلكه لتحقيق الهدف. والبحث في الشؤون الاجتماعية يختلف عن البحث في الفيزياء والكيمياء والرياضيات في أن المسألة ليست جامدة وتتبع قوانين محددة ولكن في العلوم الاجتماعية تحكم الباحث سلسلة من القواعد والأفكار ترتبط بالحكم على سلوك الأفراد والمؤسسات وقد اختار الله للبشر الإسلام وهو دين العدل والحق وهو الذي قال {ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألّا تعدلوا ، اعدلوا} فمنهجنا في دراسة الغرب هو معرفة الحقيقة كما هي وبيان الحق الذي جاء به الإسلام هداية للبشرية وإصلاحاً وليس كمناهجهم التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة والاستغلال وتحقير الشعوب الأخرى.
السؤال الخامس:
متابعة لحديث المنهج في ميدان الاستغراب، ما رأيكم في الرأي الذي يرى أن الحل المبدئي هو في الاستفادة من المناهج الموجودة مع ممارسة النقد ومراعاة الخصوصية؛ أي خصوصية هذه المناهج الغربية من جهة، وخصوصية واقعنا وبيئتنا من جهة أخرى، مع العمل على بلورة مناهجنا البحثية الخاصة في ميدان الاستغراب تدريجيا، فموضوعات الاستغراب ستفرض مناهجها لا محالة في النهاية، والمنهج هو وليد البحث والتصحيح والاستدراك المستمرين؟
نريد رأيكم في هذا الرأي؟ أو أيّ رؤية أخرى ترونها؟
من الطبيعي أن نفيد من مناهج القوم في البحوث الاجتماعية والإنثروبولوجية ولكن علينا أن نتجنب العيوب المنهجية التي ارتكبها الغرب خلال القرون الماضية في دراساته وهي كثيرة ومن بينها البعد عن الموضوعية والانطلاق في البحث من آراء مسبقة ألا يكفينا أن القرآن الكريم نبه إلى هذه المسألة في الجدال مع المخالف في العقيدة (وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) أو المنهج الإسقاطي أو اتخاذ نقطة الانطلاق من الحياة الغربية والمجتمع الغربي وجعله المقياس والمعيار
السؤال السادس:
الكثير من النخب السياسية عندنا لا تملك خطابا واضحا تجاه الآخر الغربي؛ بسبب ضبابية فهمها لهذا الآخر، علما أن هذه النخب بعضها وصل إلى الحكم، وبعضها يشارك فيه، والبعض الآخر شارف على الوصول إليه.
فما مدى مسؤولية هذه النخب السياسية عن الدفع بالبحث الاستغرابي والمشاركة في مواضيعه؛ بما يسهم في بلورة خطاب واضح لها تجاه الغرب يبدد مخاوفه ويمدّ الجسور معه ويدفعه إلى مراجعة رؤاه ومواقفه نحونا؟
النخب السياسية نوعان أو أكثر ولكن أهم نوعين: نوع متمسك بهُوُيته ومحافظ عليها وعناصر الهوية التمسك بالإسلام وباللغة القومية وهي العربية في العالم العربي وهذا التمسك يجعله بمأمن من الانخلاع من هُوُيته أو أن يكون شوكة في ظهر أمته أو إمّعة يقلد الغرب والشرق كالغراب أراد تقليد مِشية الحمامة فأضاع مشيته ولم يتعلم مِشية الحمامة.
والمتمسكون بالإسلام لا يرون العالم كلّه إلّا موضع دعوة ويشفقون عليه ويرغبون له الهداية كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقف لجنازة اليهودي وأسف أنه لم يستطع هدايته. ونحن مع الغرب نعمل بقول الله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم} وانظر ما يقول المفسرون في معنى كلمة البر؟
أما النخب المتغربة فهي لا أمل في أن تنطلق الدراسات الغربية الجادة على يديها فهي تلميذة وفية للغرب تراه الأستاذ والسيد المطاع تذوب فيه وتتفانى في حبه. فكيف تدرسه بحياد وينطبق عليها “حبّك الشيء يُعمي ويصم” وأيضاً “وعين الرضا عن كل عيب كليلة وعين السخط تبدي المساويا. ألا تذرك كلمات طه حسين رحمه الله أننا يجب أن نقلد أو نتبع الغرب ونأخذ منه كل شيء الصالح والطالح.
السؤال السابع:
ما المستقبل الذي تستشرفونه للدعوة لدراسة الغرب (الاستغراب)؟
مما تعلمته من السيرة درس التفاؤل ولذلك سأظل متفائلاً أن تنشأ دراسات للغرب وللعالم أجمع ونحقق قوله تعالى (لتكونوا شهداء على الناس) وقوله تعالى (لتعارفوا) فالأمل أن يتنبه حاكم مسلم مخلص لأهمية قيام هذه الدراسات، وما هذه الجائزة إلّا مؤشر على أن الخير قادم
السؤال الثامن:
في ختام هذا الحوار هل من إضافات تودون التنبيه عليها وترونها أساسية فيما يتعلق بالشأن الاستغرابي؟
أسئلتك جميلة ويبقى أن أكرر أن الحاكم الواعي هو الذي يدرك أهمية هذه الدراسات ولا يعتمد على الدراسات المعلّبة الجاهزة ويقرب المخلصين الناصحين ليقدموا زبدة أفكارهم والأمل أن يحدث هذا يوماً ما
0 تعليق