س: كيف انطلقت فكرة الموقع وكيف تبلورت إلى واقع؟ وما هي الأسباب التي دعتكم إلى ذلك؟
ج: بدأتُ قبل أكثر من ستة أشهر أُعِدُّ بحثاً عن مراكز البحوث والمعاهد المتخصصة في الدراسات العربية الإسلامية في واشنطن العاصمة الأمريكية واحتجت أن أحصل على بعض المادة العلمية من الإنترنت فوجدت أن مواقع مراكز البحوث تقدم مادة علمية جيدة كما اطلعت على بعض المواقع المتخصصة في الاستشراق. فمثلاً لو أدخلت كلمة استشراق للبحث باللغة الإنجليزية لوجدت آلاف المواقع المتخصصة في هذا الأمر، هذا مع العلم أن الغرب تخلى عن كلمة استشراق رسمياً لكنه في الواقع ما زال يستعملها والدليل على ذلك كثرة المواقع التي تستخدم هذا المصطلح للتعريف بنفسها. أما محركات البحث العربية فإن بحثت فيها عن الاستشراق فلن تجد إلاّ أسماء بعض الكتب في (أين). أما مواقع عربية متخصصة في الاستشراق فلم أعثر على موقع واحد. وفي الوقت نفسه وجدت بعض المسلمين في الغرب باللغة الإنجليزية تناولوا الاستشراق في عدة مواقع متخصصة في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه، ولكنها ليست متخصصة في الاستشراق.
وكنت أقدم نتائج بحثي في الإنترنت في محاضرة في منتدى خاص بالمدينة المنورة فذكرت أن من المناسب أن أقوم بإعداد موقع متخصص في الاستشراق باللغة العربية. ووعد بعض الاخوة بدعم الفكرة.
وبدأت الاتصالات ببعض الاخوة المتخصصين في الحاسوب ولديهم معرفة بالإنترنت ولكن ما أكثر الدعم الكلامي أما في العمل فالكل مشغول حتى تعرفت إلى شخص يعمل مع شركة متخصصة في إعداد المواقع بالمدينة المنورة وبدأت اللقاءات بيننا للإعداد لهذا الموقع المتخصص فعرضت عليه ما لدي من كتب ومن كتابات وبدأنا نضع التصور الأولي للموقع. وأود أن أذكر عبارته أنه تعجب من وجود هذا الكم من المادة العلمية لدى أستاذ جامعي، وأحمد الله أن معظم المادة العلمية كانت موجودة في جهاز الكمبيوتر لدي. فأعطيته عدداً من الأسطوانات وبدأ العمل الفعلي.
س: ما الأهداف التي تسعون إلى تحقيقها؟ وكم عمر موقعكم؟ وكيف تقيمون تجربتكم في عمرها الزمني القصير؟
إن الهدف الأول الذي يسعى هذا الموقع تحقيقه اتباع أمر الله عز وجل في قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) وقوله تعالى (قل هذه سبيلي أدع إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) وامتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها فرب مبلَّغ أوعى من سامع)
والهدف الثاني هو الدفاع عن الإسلام في مواجهة الشبهات التي تراكمت على مدى مئات السنين في الغرب وتأثر بها كثير من أبناء المسلمين على مدى القرنين الماضيين. وفي ضل الهجمة الجديدة لما يسمى بالعولمة فلا بد أن تتوفر الوسائل للرد على الشبهات والشكوك.
وثالث الأهداف أن يكون مثل هذا الموقع مثالاً لما يمكن للأستاذ الجامعي أن يقوم به لخدمة دينه وأمته فلا يكفي أن ينحصر علمه ونشاطه في قاعات المحاضرات فلا بد أن ننطلق إلى عالم الثورة المعلوماتية الواسعة والوصول إلى كل أنحاء العالم.
والموقع انطلق بحمد الله في منصف شهر رمضان المبارك عام 1420 فهو لم يتجاوز الثلاثة أشهر إلاّ قليلاً.
أما تقويمي للتجربة رغم قصر عمرها فأقول إنني أحمد الله أن الموقع لم يمر عليه أيام ولم يكتمل إعداده حتى بدأت تصلني الرسائل من شتى أنحاء العالم فمن نيوزلندا إلى أمريكا إلى كندا إلى بريطانيا تؤكد على أهمية إنشاء مثل هذا الموقع ومدى الإفادة من المادة العلمية المتوفرة فيه. كما أن الرسائل الأولى كانت عظيمة في التنبيه إلى قضايا مهمة في تصميم الموقع وما زالت الرسائل الغيورة تصل فهذا الأخ المهندس على عبد الله الزيد من المدينة المنورة يقترح إضافة بعض وسائل الجذب حيث إن الإنترنت تختلف عن المطبوعات والكتب. وأرجو أن ننفذ بعض اقتراحاته قريباً بإذن الله.
وأضيف إلى تقويم التجربة بالشكوى من أن العلماء وأساتذة الجامعات مازالوا بعيدين عن الإنترنت والتفاعل معها فكم وددت أن يتقدم لي بعض الأساتذة بمقالاتهم وبحوثهم لإضافتها في الموقع، بل وجدت أن مواقع بعض الجامعات (أو معظمها) لا يتم تحديثه ومعلوماته قديمة ولا يقدم الخدمة المرجوة من الإنترنت.
س: ما الموضوعات التي تقدم في الموقع؟ حبذا شرح موجز لكل منها؟
ج: أول الموضوعات هو الاستشراق من حيث تعريفه ونشأته وتاريخه ومجالاته وأعلامه. ففي الموقع مادة يصل حجمها إلى أكثر من أربعين صفحة كتبت لموسوعة ستصدر في الرياض قريباً إن شاء الله. كما أن في هذا القسم مقالات موجزة تعرف بالاستشراق (مقالة كتبتها لمجلة أهلاً وسهلاً) ومقالة عن علم الاستغراب. كما يضم هذا القسم أيضاً مادة قدمتها في دورة مدتها أسبوع في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بالمدينة المنورة حول الاستشراق والدراسات الإسلامية. وهي تعريف موجز بكتابات المستشرقين حول القرآن الكريم والحديث والسيرة والتاريخ والفقه.
وهناك فقرة أعرض فيها سيرتي العلمية بصفتي صاحب الموقع وبهدف التعريف بنشاطاتي العلمية المختلفة وهناك فقرة بعنوان الإنتاج العلمي وفيها تعريف موجز بكتبي وبحوثي ومقالاتي.
وهناك قسم للمرأة والطفل يضم عدداً من المقالات التي كتبتها حول قضايا المرأة حيث إن التأثير الاستشراقي كبير في هذا المجال فيضم الموقع ثلاثين مقالة في هذا المجال.
وهناك أسئلة وأجوبة حول الاستشراق حيث إن المثقف العادي تمر في ذهنه أسئلة كثيرة حول هذا الأمر وقد أجبت في مقابلات صحفية عديدة عن أسئلة في هذا المجال وقد قسمت إلى خمس مجموعات تناولت الاستشراق والدراسات العربية والإسلامية في الغرب بصفة عامة.
وفي الموقع فقرة بعنوان الإسلام والغرب تتناول العلاقات بين الإسلام والغرب وفيها العديد من المقالات التي تتناول هذا الجانب. وما زالت هذه الفقرة تحتاج إلى جهد كبير لإثرائها بالمادة العلمية وهي متوفرة بحمد الله
وفي الموقع فقرة تعرف ببعض الكتب والرسائل الجامعية في مجال الاستشراق حيث تقدم مقدمة الكتاب أو الرسالة وفهرس المحتويات. وأرجو أن يستمر تحديث هذه الفقرة باستمرار والمادة والحمد لله متوفرة.
وفي الموقع نشرة شهرية تتكون من تسع أبواب ثابتة منها تعريف بعلم إسلامي اهتم بالاستشراق والفكر الغربي وشخصية استشراقية وقضية العدد وكتاب العدد ورسائل الزوار وغير ذلك من الموضوعات. وقد صدر منها عددان حتى الآن.
وفي الموقع جانب باللغة الإنجليزية يتضمن مقالات حول تعريف الاستشراق أعده مسلم أمريكي أو بريطاني حصلت عليه من الشبكة وأشرت إلى صاحب البحث والمكان الذي أخذته منه. وتعريف برسالتي للدكتوراه وبعض البحوث التي كتبتها في هذا الجانب. وأرجو أن يتم تزويد هذا القسم بالمزيد من المقالات والبحوث في القريب إن شاء الله.
س: كم عدد العاملين في هذا الموقع؟ وبكم لغة تقدم؟
ج: عدد العاملين واحد من الناحية الفكرية وشخص واحد في الناحية الفنية وإن كنت أطمع أن يشترك معي آخرون في تسيير شؤون الموقع ولكن كما قلت ما زال الكثيرون يتهيبون من عالم الإنترنت بل إن كثيراً من أساتذة الجامعات لا يعرفون التعامل مع جهاز الكمبيوتر بعد.
س: كم عدد الزوار والمشتركين حتى الآن؟
ج: عدد الزوار بلغ منذ إنشاء الموقع في منتصف رمضان حتى منتصف ذي الحجة خمسة آلاف زائر أما المشتركين في النشرة الشهرية فزاد عن المائتين وستين مشتركاً.
س: كيف يتم تمويل الموقع؟ وما هو دور جامعة الإمام في تعاونها لإنجاح الموقع؟
ج: تفضل بعض الأحباب بتقديم مساهمة في إنشاء الموقع بعد تردد وقد لا يلاموا على ذلك فإن فكرة الإنفاق في مجال الإنترنت ما تزال جديدة علينا. وأرجو أن أجد الجهة التي تستعد لرعاية الموقع فإن العمل كبير وأعتقد أن المادة العلمية التي يمكن تقديمها في الموقع تستحق أن يكون من أكبر المواقع العربية في الشبكة بإذن الله.
أما جامعة الإمام فإني ما أزال أنتظر زيارة مدير الجامعة للموقع منذ شهرين تقريباً وأرجو أن يجد الوقت لذلك قريباً فالموقع يعترف للجامعة بالفضل بعد الله عز وجل في إنشاء قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة عام 1403هـ ووحدة بحوث الاستشراق والتنصير في عمادة البحث العلمي بالرياض عام 1401هـ. ويعترف بالفضل للجامعة أن يسرت للباحث أن يحصل على أول درجة دكتوراه في هذا المجال وأن يحضر العديد من المؤتمرات والندوات في أوروبا وأمريكا. وأتوقع بعد أن يتفضل مدير الجامعة بزيارة الموقع أن يأمر بتوفير ملخصات الرسائل الجامعية في قسم الاستشراق وفي الثقافة الإسلامية ذات العلاقة. ولعل دعم معالي مدير الجامعة يكون أكبر مما أتصور ولذلك أترك هذا الأمر لتقدير معاليه.
س: هل زارك في الموقع مستشرقون واستفسروا عن المواد التي تطرح؟
ج: لقد كتبت إلى بعض مراكز البحوث في الغرب وبخاصة في أمريكا أن يطلعوا على الموقع وقد أفادني جون اسبوزيتو بأنه لم يستطع الدخول للموقع ولكن لم أسمع منه بعد ذلك. كما أن عدد زوار القسم الإنجليزي وصل إلى أربعمائة زائر فلا بد أن يكون بينهم مستشرقون ولكن لم يحدث التفاعل حتى الآن وأرجو ذلك مستقبلاً.
س: ما الخطط المستقبلية والمواد الجديدة للموقع والأفكار التي تسعون من خلالها تطوير الموقع؟
ج: أرجو أولاً أن تتكون لجنة للإشراف على الموقع وأرجو أن يصبح الموقع مركزاً على أرض الواقع يحظى بدعم جهة ما. أما المواد فهي كثيرة والحمد لله في كل قسم من أقسام الموقع الآن وربما أضفنا أقساماً جديدة مستقبلاً بإذن الله. أرجو مثلاً أن أضيف بعض المحاضرات والأشرطة السمعية والسمعية البصرية للموقع حيث إن لدي عدداً من المحاضرات التي قدمتها وقدمها غيري تستحق أن تكون في الموقع وربما أضفنا أيضاً تعريفاً أكثر حيوية بمراكز الاستشراق في الغرب من ناحية الصورة والصوت. وغير ذلك من الأفكار.
س: هل هناك تعريف جديد للاستشراق بصفتكم أحد المتخصصين في هذا المجال؟
ج: ليست القضية قضية تعريف جديد للاستشراق فالغرب تخلى عن هذا المصطلح منذ عام 1973 في مؤتمر المستشرقين الدولي الذي عقد في باريس، وتوزعت دراسات المستشرقين بين مختلف التخصصات. لقد ذهب الاسم وبقي المسمى. فبدلا من أن تتم دراسة الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخا واجتماعا وسياسة واقتصادا ضمن كلية واحدة أو قسم علمي واحد، أصبح من الممكن للمتخصصين في كلياتهم المختلفة أن يدرسوا العالم الإسلامي. وبالرغم من رفض الغرب لهذا المصطلح فإن كتاب أدوار سعيد “الاستشراق” أعادهم رغما عنهم لاستخدامه، وقد قدم سعيد عدة تعريفات للاستشراق في هذا الكتاب أوضح فيها طبيعة هذه الدراسات من استعلاء ورغبة في السيطرة والاستغلال وكذلك التشويه والفهم الخاطئ. ولكن الدكتور أحمد عبد الحميد غراب في كتابه” رؤية إسلامية للاستشراق أضاف إلى تعريفات إدوارد سعيد بأن ربط التعريف بأحقاد الغرب الصليبي ضد الإسلام والمسلمين.
وقد كتب الدكتور علي بن إبراهيم النملة حول تعريف الاستشراق فحاول أن يجعل الاستشراق يضم الباحثين الشرقيين من يابانيين وسواهم ممن تلتقي نظرتهم مع الاستشراق الغربي، وتساءل الدكتور النملة أيضا عن إمكانية إضافة نصارى العرب من مارونيين وأقباط وغيرهم للمستشرقين.
ومع كل هذا فتعريف الاستشراق لا ينبغي أن يتضمن حكما مسبقا على هذه الدراسات وأهدافها أو إطلاق حكم عام عليها بإلغائها أو نفيها بحيث ننفر المسلمين من معرفتها والتفاعل معها. إن الغرب حريص كل الحرص على معرفتنا وهذا في حد ذاته إيجابية يجب أن نفيد منها لأنه حين يناقش قضايانا يكون أكثر حيادية منه، كما إنهم قد يناقشون أمورا نتجاهلها أو لا نجرؤ على الحديث عنها. ولكن لا بد أن أضيف أنه آن الأوان لنبدأ نحن بجد بدراسة الغرب كما يدرسنا لنصل إلى معرفة عميقة بتاريخه وحضارته.
وان كان لابد من تعريف للاستشراق فأقول بأن الاستشراق هو كل ما صدر و يصدر عن الغربيين من أوروبيين أو أمريكيين من دراسات أكاديمية تتناول قضايا المسلمين في العقيدة أو الشريعة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة أو الفكر أو الفن وغير ذلك ، كما يلحق بالاستشراق ما تبثه وسائل الإعلام الغربية سواء كان بلغاتهم أو باللغة العربية من إذاعات أو تلفاز أو أفلام سينمائية أو رسوم متحركة أو قنوات فضائية أو ما تنشره صحفهم أو مجلاتهم من كتابات تتناول المسلمين، لأن وسائل الإعلام الغربية يشترك فيها المتخصصون في الدراسات العربية والإسلامية بأقلامهم أو عن طريق كتاباتهم التي تعد المصدر الذي يستقي منه الإعلاميون معلوماتهم. كما إن من الاستشراق ما يخفى علينا مما يقرره الباحثون الغربيون والسياسيون في ندواتهم التي يعقدونها ويبقون بحوثها ونتائجه وتوصياته سراً قاصراً عليهم. ويمكن أن نلحق بالاستشراق أيضا نصارى العرب من مارونيين وأقباط وغيرهم ممن ينظر إلى الإسلام النظرة الغربية ويتعاطف مع الغرب كما حدث في بداية ظهور الموجة القومية. ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء الباحثين من شرق آسيا وجنوب شرقها ممن تلقى المعرفة بالإسلام عن طريق الجامعات الغربية. أما تلاميذ المستشرقين المخلصين للنظرة الاستشراقية فتجب دراستهم عن أنهم أتباع للاستشراق.
س: لماذا ركز الاستشراق على دراسة الشرق الإسلامي؟
هذا ليس صحيحا تماما فقد تخصص المستشرقون الأوروبيون والأمريكيون في دراسة شتى البلاد الإسلامية ، بل ظهرت دراسات جديدة للمسلمين الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا ، كما أن هناك دراسات للأقليات المسلمة في أنحاء العالم.والدليل على اهتمام الاستشراق ببلاد المسلمين كافة تخصص عدد من المستشرقين الهولنديين وغيرهم بدراسة الإسلام والمسلمين في إندونيسيا ومن هؤلاء المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه الذي أعد رسالته للدكتوراه حول الحج إلى مكة ، ثم جاء إلى مكة متظاهرا بالإسلام ومتسميا ب( الحاج عبد الغفار ) وتعرف إلى أهالي إندونيسيا في مكة تمهيدا لانتقاله إلى هناك للعمل في خدمة الاحتلال الهولندي.
واهتم الإنجليز بشبه القارة الهندية لاستمرار احتلالهم لها عدة قرون، وقد أنشأوا العديد من المراكز العلمية والجمعيات ومراكز البحوث في الهند لدراستها. وكذلك اهتم الاستشراق الفرنسي بشمال أفريقيا بخاصة حيث كان احتلالهم للجزائر استيطانيا فولد العديد من المستشرقين الفرنسيين في بلاد المغرب العربي. وما زال المغرب العربي ينال اهتماما واسعا في الدراسات الاستشراقية الفرنسية، ويؤكد ذلك وجود العديد من مراكز البحوث المتخصصة في دراسة المغرب العربي ومجتمعاته. بل إنهم اهتموا بإثارة النزاعات العرقية والطائفية المفتعلة ومن ذلك إنشاء مراكز بحوث خاصة بالدراسات البربرية.
والآن بعد أن دخل الأمريكيون إلى ساحة الدراسات الاستشراقية أضافوا ما أسموه دراسة المناطق حيث يهتم عالم الاجتماع ببلد عربي مسلم واحد أو منطقة جغرافية محددة يدرس مجتمعاتها دراسة علمية دقيقة كما فعل مورو بيرجر في كتابه (العالم العربي اليوم) . فليست القضية اهتمام الاستشراق بالشرق الإسلامي بقدر ما هي التركيز على المجتمعات الإسلامية والحضارة الإسلامية لأنها تمثل الند الحقيقي للغرب وحضارته بعقيدتها وقيمها رغم تفوق الغرب المادي حاليا.
س: ما رأيك في التوسع في دراسة الاستشراق والفكر الغرب على جميع مستويات التعليم؟
ج: مادام أن فكر الغرب وثقافته قد دخلا إلى عالمنا العربي الإسلامي من خلال الإعلام ومن خلال المناهج الدراسية كدراسة علم الاجتماع وغيره من المواد الدراسية ومن خلال وسائل الإعلام كأفلام الكرتون وغيره فلماذا لا نعرف هذا الغرب؟ وحتى لو يكن ذلك من خلال مواد علمية خاصة ولكن يجب تقديم دورات للمعلمين في المراحل المختلفة لعرض الإسلام وعرض الغرب وكما قيل وبضدها تتميز الأشياء فكما يعرض القرآن الكريم عقائد المشركين وصفات اليهود والنصارى والمنافقين فإذاً علينا أن نعرف الغرب بطريقة ما. ولكن كيف يتم ذلك هذا ما ينبغي أن تتم دراسته. وينبغي التركيز على الجانب الإيجابي فيما ينبغي على المسلمين أن يقوموا به لمعرفة هذا الدين وجعله الحاكم على سلوكنا وأخلاقنا وحياتنا الاجتماعية والفكرية والسياسية والأخلاقية.
– كيف نثمّن جهود المستشرقين في خدمة التراث الإسلامي ،خروجاً من وهم العدائية ووصولاً إلى غاية معرفية إنسانية؟
ج: اهتمت الدراسات الاستشراقية في إحدى مراحلها
بجمع المخطوطات الإسلامية ونقلها إلى الغـرب والقيام بحفظها وفهرستها وأحياناً
تحقيق بعضها ونشره. وهي جهود بلا شك تستحق الشكر والثناء، فالمرحلة التي جاب
المستشرقون والرحالة الغربيون الديار الإسلامية بحثاً عن المخطوطات كان الكثير من
هذه المخطوطات عرضة للضياع والإهمال وحتى الامتهان حيث كان الجهل والتخلف متفشيين
في البلاد العربية الإسلامية. ولكننا حين نريد تقويم جهود المستشرقين يجب علينا
أن لا نكتفي بالظاهر بل علينا أن ندرس المخطوطات التي حققوها ونشروها؛ هل كان
تحقيقهم مبنياً على أسس علمية، وما المخطوطات التي قاموا بتحقيقها؟ هل اهتموا بتحقيق
ما يظهر تفوق المسلمين ونبوغهم وعبقريتهم أو حققوا من المخطوطات ما يخدم أغراضهم؟
كانت بعض المخطوطات التي أخرجها المستشرقون من المصادر الأساسية في التاريخ
الإسلامي وفي العقيدة الإسلامية فهذا مما يشكر لهم ولكن بعضهم وأذكر مثالاً واحداُ
فقط وهو المستشرق آرثر جيفري الذي اهتم بالمخطوطات المتعلقة بالقرآن الكريم كـانت
له أخطاؤه الفادحة في هذا المجال. وأود أن أشير إلى بحث تكميلي أعده الزميل الأستاذ
طلال ملوش في تقويم منهج هذا المستشرق في تحقيق كتاب (مقدمتان في علوم القرآن
لابن عطية ومؤلف مجهول). وقد أشار الدكتور عبد العزيز قارئ في كتاب له عن المستشرقين
والقرآن الكريم لأخطاء المستشرقين في هذا المجال. ومع ذلك فينبغي الوقوف عند
بعض جهودهم البارزة في خدمة التراث الإسلامي فها هو المعجم المفهرس لألفاظ الحديث
النبوي الشريف الذي لا تكاد تخلو منه مكتبة إسلامية ولا يستغني عنه المشتغلون
بالدراسات الإسلامية مع وجود العديد من الكتب التي اهتمت بفهرسة الحديث النبوي
الشريـف. وينبغي الإشادة بجهود المستشرق كارل بروكلمان في كتابه (تاريخ الآداب
العربية) الذي قدم فيه جهداً واضحاً في تتبع المخطوطات العربية. إن إدراكنا لأخطاء
المستشرقين وأهدافهم المشبوهة لا يمنعنا من الاعتراف لهم بالجهود التي بذلوها
في المحافظة على كثير من المخطوطات التي كان من الممكن أن تضيع لولا هذه الجهود.
وهم إن خدموا أهداف بلادهم فهذا أمر طبيعي أن يخدم المرء أهداف بلاده ويدافع
عنها.
س: ما هي المجالات التي يمكن أن يعمل فيها خريجو قسم الاستشراق، وما هي الجهات التي تعتقد أنها يمكن أن تفيد من هذا القسم وخريجيه؟
ج: كنت أقرأ في بعض النشرات الصادرة من مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك وجامعة هارفارد فوجدت أنهم يهتمون بالناحية العملية وقد أدخلوا بعض الدراسات ضمن دراسات قسم الشرق الأوسط لتكون مناسبة للخريجين ليعملوا في بعض الجهات، فجامعة نيويورك مثلاً أضافت إلى دراسة الشرق الأدنى دراسة الصحافة فيكون الطالب قادراً بعد تخرجه على العمل في مجال الإعلام الخارجي كمراسل في الشرق الأوسط. وقد أضافت جامعة هارفارد دراسـة مواد في علم الاجتماع وعلم الإنسان ليستطيع المتخرج العمل في بعض الجهات التي تحتاج هذه الكفاءة. ونحن حين أنشأنا قسم الاستشراق لا بد أنه كان في ذهن الأساتذة الأفاضل وعلى رأسهم معالي الدكتور عبد الله التركي -وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد- ما يمكن لخريجي هذا القسم أن يعملوه وما الجهات التي يمكن أن تفيد من هؤلاء الخريجين. وإن كنـت قد التحقت بالقسم بعد نشأته بعدة سنوات ولكنّي علمت أن القسم كان يفكر في التنسيق مع معهد الدراسات الدبلوماسية وغيره من الجهات.
وأود أن أضيف بأن أقسام دراسات الشرق الأوسط في الغرب قد وضع في مخططاتها أن تقدم خريجيها إلى وزارات الخارجية في الدول الغربية ووزارات الاقتصاد والتجارة والثقافة والإعلام لأن هذه الجهات بحاجة إلى من يعرف العالم الإسلامي. كما أن الشركات العالمية أو المتعددة الجنسيات تحتاج إلى الخبراء في الشرق الأوسط. ونحن في العالم الإسلامي بحاجة في هذه الجهات إلى من يعـرف الغرب معرفة وثيقة ولا بد أن نطور مناهج هذا القسم وننشئ الأقسام العلمية التي تساعد على تكوين كوادر قادرة على فهم الغرب فهماً علمياً دقيقاً مع التمكن من العلوم الشرعية لأن علاقتنا بالغرب يجب أن تكون خاضعة للمعايير الإسلامية.
ولعل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تنظر في هذا القسم الذي يعرفه معالي الدكتور التركي معرفة وثيقة وتنظر في إمكانية الإفادة من الخريجين وبخاصة أن الخريجين بحاجة إلى إتقان اللغات الأوروبية ليتمكنوا من التعمق في معرفة الغرب. واعتقد أيضاً أن خريج قسم الاستشراق يمـكنه أن يقوم بتدريس مادة الثقافة الإسلامية في الثانوية أو في الجامعات وذلك لأن الهجمة الغربية الثقـافية تحتاج إلى من يكون على اطلاع بالفكر الغربي والصراع الثقافي الحضاري فهو بالتالي معد لهذا العمل بإذن الله، والله الموفق.
س: الاستشراق كتخصص علمي في جامعاتنا ما تقييمك له، وما مستقبله؟
ج: تدرس مادة الاستشراق ضمن مواد الدراسات الإسلامية في ساعتين أو وحدتين دراسيتين في أكثر من جامعة منها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك عبد العزيز بجدة وبكلية التربيـة بالمدينة المنورة. لكن جامعة الإمام خطت خطوة متقدمة فافتتحت قسماً متخصصاً لدراسة الاستشراق ومدارسه ومناهجه وأعلامه ودراسة التنصير. ويتضمن هذا دراسة جذور الحضارة الغربية وفكر الغرب وفلسفته.
وقد قرأت مؤخراً عن عدة مؤتمرات تناولت موضوع الاستشراق وتناول بعضها التوجه لدراسة الغرب ومعرفته معرفة علمية مبنية على الحقائق وكانت ندوة أصيلة بالمغرب من الندوات التي نادت بتأسيس معهد للدراسات الأمريكية. وقد أعلن فضيلة رئيس جامعة الأزهر عن عزم الأزهر إنشاء مركز للدراسات الاستشراقية ومتابعة كتابات المستشرقين عن الإسلام والمسلمين. والمؤمل أن تبدأ دراسة الاستشراق في المرحلة الجامعية كتخصص فرعي مع الدراسات الإسلامية أو الدراسات الاجتماعية مع الاهتمام بدراسة اللغات الأجنبية ومن ثم يستطيع الطالب إتمام دراسة الاستشراق في مرحلة الدراسات العليا.
س: لكلية الدعوة بالمدينة المنورة تجربة رائدة في افتتاح قسم للدراسات العليا في الاستشراق، ما واقع هذا القسم وهل يؤدي رسالته على الوجه المطلوب.
ج: أولاً إن شهادتي في هذا القسم مجروحة لأنني أحد المنتسبين إليه وحصلت منه على أول درجة دكتـوراه يمنحها القسم. لا شك أن القسم أدى جزءاً كبيراً من رسالته حيث تخرج فيه عدد كبير من الباحثين في مجال الاستشراق وقام القسم بابتعاث عدد من المحاضرين للدراسة في الغرب وبخاصة بريطانيا وأمريكا وواصل هؤلاء دراساتهم في هذا المجال الحيوي. كما أن عدداً من الخريجين قاموا بالدراسة في الجامعات البريطانية وحصلوا على الدكتوراه بعد حصولهم على الماجستير من القسم. والقسم في حاجة ماسة إلى أعداد من الطلاب الذين يتقنون اللغات الأجنبية حتى يتمكنوا من معرفة الاستشراق معرفة عميقة.
س: الدارسون في قسم الاستشراق سواء من حصل منهم على الماجستير أو الدكتوراه لم نر لهم نشاط أو مساهمة علمية وخاصة في مجال الصحافة ما سبب ذلك؟
ج: إن عدد الذين درسوا في هذا القسم كبير ومن الصعب أن نطلق مثل هذا التعميم بأنه ليس لهـم نشاط علمي فقد يكون ثمة نشاط ولكن لا نعلمه. أما بخصوص النشاط الصحافي فينبغي على الذي يمارس النشاط الصحافي أن يكون لديه الاستعداد لهذا النشاط. فكتابة المقالة الصحافية تختلف كثيراً عن كتابة البحث العلمي أو المقالة العلمية.
ولما كنت أعرف أن الحديث عن النفس ثقيل فلن أطيل على القارئ الكريم في ذلك فأنا من المهتمين بالكتابة الصحافية منذ أكثر من ثلاثين سنة حيث التحقت بجريدة المدينة المنورة مدة أسبـوعين عام1393 مترجماً وكتبت أول مقالة لي في تلك الأسبوعين. ثم انطلقت للكتابة في مجلة “المجتمع” الكويتية وكانت بعنوان “مشاهدات عائد من أمريك”. وواصلت الكتابة الصحفية ولكن لم أحترف الكتابة الصحافية إلاّ منذ عدة سنوات. ولذلك فليس كل أكاديمي قادر على الكتابة الصحافية بالإضافة إلى أنها عملية متعبة تحتاج إلى قدرات خاصة.
س: للاستشراق بصماته الواضحة في الفكر والأدب العربي المعاصر، فهل أخذ ذلك الموضوع حقه من الدراسة والبحث وما مدى خطورته؟
ج:ما زلت أذكر كتاب الدكتور محمد محمد حسين بعنوان حصوننا مهدده من داخلها أو في وكر الهدامين وكتابه الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي الحديث وكتابه الإسلام والحضارة الغربية وكتاب مصطفى الخالدي وعمر فروخ الاستعمار والتبشير في البلاد العربية وكتب الشيخ محمود شاكر وبخاصة كتابه عن المتنبي ومقدمته التي عنونها ونشرت منفصلة رسالة في الطريق إلى ثقافتنا وكتاب الشيخ عوض القرني الحداثة في ميزان الإسلام وكتب الدكتور عدنان النحوي عن الحداثة والأدب الإسلامي، وكتب الشيخ أنور الجندي الكثيرة في هذا المجال وكتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وغيرهم كثير.
وهكذا فالإنتاج الفكري حول أثر الاستشراق في الفكر والأدب ليس قليلاً ولكن النشاط الفكري والأدبي للمتأثرين بالاستشراق قوي ومنظم ويحتاج إلى متابعة ورصد ولا بد من الحوار والنقاش حول هذه القضايا ولكن أولئك المتأثرين بالاستشراق والتيارات الفكرية الغربية لا يسمحون بهذا النقاش فهم إذا ما امتلكوا منبراً من المنابر جعلوه خاصاً بهم ولم يسمحوا لغيرهم مع أنهم ينادون دائماً بضرورة الحوار والانفتاح على الآخر ولكنهم ربما يقصدون الآخر الغربي. وتشهد بذلك ندواتهم ومؤتمراتهم وغير ذلك من النشاطات.
يذكر بعض الدارسين أمثال أنور الجندي أن الأدب العربي تعرض إلى تشويه من المستشرقين، إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا التصور صحيحا؟
إن
الأدب العربي ليس وحده الذي تعرض إلى تشويه متعمد من المستشرقين والأستاذ
أنور الجندي محق تماما في هذا الشأن ومن أبرز من يشاركه في هذا الرأي الأستاذ
الجليل محمود شاكر في مقدمة كتابه: المتنبي التي نشرت منفصلة بعنوان رسالة
في الطريق إلى ثقافتنا حيث أكد
على إفساد المستشرقين وتلاميذهم لما أسماه ب “الذائقة
الأدبية “. وقد يكون في آراء الأستاذ محمود شاكر – رحمه الله تعالى-
شيء من القسوة، لكن الرجل عانى معاناة شديدة من هذا الإفساد مع أدباء عصره
حتى إن كتابه أباطيـل وأسمار في جزأيه يضج بالشكوى من المستشرقين وتلاميذهم من أمثال لويس عوض الذي يحلو لبعض
كتابنا أن يطلقوا عليه (الأستاذ الكبير) أما تفاصيل إفساد الذائقة
الأدبية والعبث بمناهج البحث الأدبي فيرجع إليها في كتاب الأستاذ محمود شاكر “رسالة
في الطريق إلى ثقافتنا” لأنني غير متخصص في الدراسات الأدبية. ولكن يجب ملاحظة أن
الساحة الأدبية رفعت قدر أناس حاربوا الإسلام ودعوا إلى الارتماء في أحضان الغرب
ونال هؤلاء الألقاب التمجيدية من أمثال (عميد الأدب العربي) و(أستاذ الجيل) وقررت
كتابات هؤلاء في المدارس، واعتمدت السينما والمسرح على هذه الكتابات فكم قدمت روايات
إحسان عبد القدوس وروايات جورجي زيدان وغيرهما. ويلاحظ أن الدكتور مجمد العزب قد كتب
في مجلة ” القافلة ” في أحد أعدادها الصادرة عام 1407 ينتقد المستشرق الفرنسي
ريجس بلاشير في كتابه ” تاريخ الأدب العربي” الذي يزعم فيه أن الإبداع
والتميز في تاريخ الأدب العربي إنما هي ومضات سريعة ونادرة فرد عليه باستعراض نماذج من
التميز والإبداع في الأدب العربي. وليست تلك التهمة الوحيدة، فأثر المستشرقين في الأدب
العربي تعـود إلى نشاط حركة الترجمة التي قادها طه حسين في مجلة الكاتب وغيرها
حيث ترجمت الكثير من القصص والروايات الفرنسية التي تدعو إلى نمط الحياة الغربية.
كما أن انتشار كتابات أمثال يوسف السبـاعي، وإحسان عبد القدوس، ومحمد عبد الحليم
عبد الله، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم التي دعـت في معظمها إلى الفكر الغربي
والمادية وركزت على القصص الغرامية حتى أصبح لدينا كم هائل من هذا النوع من
الكتابات على حساب الكتابات الإسلامية الجادة. وقد كتب الدكتور أبو بكر حميد عدة
مقالات في الشرق الأوسط وألقى محاضرة في أحد الأندية الأدبية حول الحرب الشعواء
التي واجهها الأديب المتميز الإسلامي علي أحمد باكثير رحمه الله تدل دلالة واضحة
على مـدى نفوذ الفكر الاستشراقي. ويجب أن نتذكر أن جامعة القاهرة في
بداية تأسيسها استضافت من المستشرقين الذين درسوا الأدب العربي. وقد رضينا أن
يذهب أبناؤنا إلى الغرب للتخصص في الأدب العربي على أيدي المستشرقين.
س: ما وسائل المستشرقين للتأثير في الفكر الإسلامي وما أساليبهم في صياغة فكر إسلامي موافق للتيار الغربي؟
ج: مثل هذا السؤال يحتاج إلى رسالة دكتوراه للإجابة عليه ولكن علينا أن نرجع إلى بداية البعثات العلمية منذ عهد محمد علي فكما قال الشيخ محمود شاكر إن الاستشراق كان له يد في هذه البعثات وحاول من خلالها أن يجتال عدداً من أبناء هذه الأمة ممن عرفوا بالذكاء والفطنة فيصنعهم على عينه فكانت البعثة المصرية في فرنسا يتم تعليمها تحت إشراف المستشرق جونار، وكانت البعثات من المغرب يشرف عليها مستشرقون آخرون. وقد طالب هؤلاء المشرفون أن يمكث طلاب البعثة وقتاً أطول من مدة البعثة “حتى يتشبعوا بعظمة فرنسا” كما ذكر ذلك الشيخ محمد المنوني في كتابه نهضة المغرب في العصر الحديث.
ولم يكتف المستشرقون بذلك فإن دولهم التي كانت تحتل معظم الدول الإسلامية مكنت لهؤلاء الذين درسوا في الغرب وتشبعوا بفكر الغرب وثقافته وفلسفته ومكنت لهم من منابر التوجيه. وارجع إن شئت إلى كتاب محمد محمد حسين الإسلام والحضارة الغربية لترى ما قاله عن كرومر في مصر وأثر مدرسة فيكتوريا التي درس فيها طلاب من معظم البلاد العربية. وكان للأمريكيين مدارسهم في المنطقة التي تحول بعضها إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة واسطنبول وبيروت. ومن المعروف أن الغرب عموماً يحتفي بالمفكرين العرب والمسلمين المتأثرين بالغرب وعلمانية فتفتح له الجامعات الغربية والمؤتمرات والندوات، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
س7: ما رأيك في النقد الإسلامي للاستشراق وتوجهات ذلك النقد؟
ج: النقد الإسلامي للاستشراق بدأ منذ فترة بعيدة وبخاصة في عهد الاحتلال الأجنبي للبلاد العربية الإسلامية وبخاصة بعد ظهور الحركات الإسلامية المعاصرة. فهذه الحركات حينما ظهرت كان هـمهاً مقاومة الاحتلال الأجنبي الذي حاول طمس الهوية العربية الإسلامية وتجهيل الشعوب المحتـلة ونشر الفقر والمرض فيها. بالذي يراجع تلك الصحف منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية يجد نشاطات وافرة في نقد الاستشراق. وأذكر في هذه المناسبة ما كتبته الصحف الجزائرية الإصلاحية في الفترة ما بين الحربين العالميتين حيث كانت ترد على المستشرقين وافتراءاتهم وتعاونهم مع سلطات الاحتلال الأجنبي، ويمكن الرجوع إلى مجلة (الرسالة) على سبيل المثال لمعرفة أن نقد الإستشراق بدأ منذ عهد بعيد.
ولا بد أن نذكر الجهود الرائدة للشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في نقد الاستشراق في كتابه السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي الذي اهتم فيه بنقد الكتابات الاستشراقية في مجال الحديث الشريف والفقه. ويذكر للشيخ السباعي ريادته في زيارة معاقل الاستشراق في الجامعات الأوروبية ومناقشة المستشرقين في كتاباتهم حول الإسلام. ولكن خطوات السباعي لم تجد من يواصلها بطريقة منهجية حتى عهد قريب وظهور كتاب مثل الدكتور قاسم السامرائي والدكتور محمود حمدي زقزوق وغيرهما ممن عرف الاستشراق عن قرب وعاش في بلاد الغرب. ويدخل في مجال نقد الاستشراق الرسائل العلمية التي أنجزت في قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة فهذه الرسائل تحتاج إلى الاهتمام بها ونشرها أو نشر المتميز منها، وهي جهود مباركة في نقد الاستشراق.
س8: ما ذا عن تجربة إدوارد سعيد؟
ج: لا شك أن لتجربة إدوارد سعيد مكانتها وأهميتها في نقد الاستشراق، فهو انتقدهم بلغتهم وبلغة إنجليزية عالية مما أزعج كثير منهم إزعاجاً شديداً، وقد ركزّ سعيد في نقده على جانب واحد وهو الارتباط بين الاستشراق وفكرة الهيمنة والسيطرة والتشويه. والاستشراق أوسع من ذلك بكثير ولعل إدوارد سعيد كما ذكر لم يقصد التأريخ للاستشراق وإنما أراد تقديم النموذج على نظرية فلسفية في المعرفة وتطبيقها على الاستشراق. وهنا لا بد أن نذكر أنه وجد من المسلمين من كتب عن الاستشراق باللغة الإنجليزية ولكنه لم يحظ بالانتشار ومن هؤلاء عبد اللطيف الطيباوي في مقالتيه ” النقد الأول والثاني للمستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية” وقد نشرتا أولاً في مجلة المركز الثقافي الإسلامي في لندن ثم ترجمهما الدكتور قاسم السامرائي ونشرتا في كتاب عن إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والدكتور إسماعيل راجي الفاروقي، والأعظمي وغيرهم
س: ساهم الاستشراق في رسم صورة الإسلام والعرب في الغرب كما يؤكد ذلك الدكتور محمود حمدي زقزوق فهل هناك محاولات إسلامية لتغيير تلك الصورة؟
ج: نعم هناك محاولات كثيرة فهذه المعاهد والمراكز الإسلامية مثل “معهد العلوم الإسلامية والعربية” التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أمريكا، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن، والمؤسسة المتحدة للبحوث والدراسات في الولايات المتحدة وكذلك رابطة الشباب العربي المسـلم وجمعية مسلمي أمريكا الشمالية وغيرها من المراكز والجمعيات والمساجد في أوروبا وأمريـكا تقوم بجهود مباركة لتقديم صورة صحيحة للإسلام والمسلمين. ولكن مازال كثير من العمل في انتظار المسلمين حيث إن الجامعات الغربية عموماً تستقطب للتدريس فيها والبحـث النماذج المتغربة والعلمانية ونحن بحاجة لعقد اتفاقات مع هذه الجامعات لتتاح الفرصة لأصحاب الاتجاه الإسلامي الصحيح أن يكون لهم وجود في هذه الجامعات.
أما في مجال الإعلام فإن الغرب يسيطر على ثمانين بالمائة من هذه الوسائل المسموعة والمرئية والمقـروءة، ولا بد أن نبدأ في العمل ليكون لنا موقع في هذه الوسائل. فالوعي الإسلامي الصحيح للمسلـمين في الغرب أو في الشرق الذين يتعرضون لهذه الوسائل أن يكتبوا إليها وينتقدوا ما تقدمه فلا بد من الضغط على الإعلام الغربي بالوسائل التي يعرفها الغرب لتغيير الصورة. وهناك من الجهات التي تقوم ببعض الجهد مثل اللجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز، وكذلك المجلس الإسلامي الأمريكي وغيرها من الهيئات العاملة في هذا الميدان. ولكن لندرك أن الطريق ما زال طويلاً حتى نصل إلى تغيير هذه الصورة، وأن ندرك أننا يجب أن نسعى إلى تغيير صورتنا أمام أنفسنا فنعود إلى الإسلام العودة الحقيقية حتى لا يتخذها الآخرون حجة لتشويه صورة الإسلام.
ولا بد أن أضيف بأن للملكة جهوداً مباركة في هذا الصدد بالمراكز الإسلامية التي أسهمت في إنشائها وتمويلها وكراسي الدراسات الإسلامية التي أنشئت في بعض الجامعات الأوروبية والأمريكيـة. وكذلك أكاديميات الملك فهد في كل من لندن وواشنطن وبون. ومعهد العلوم الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة الأمريكية. فهذا تقوم بجهود عظيمة في توضيح صورة الإسلام الحقيقية والرد على الشبهات التي يثيرها بعض أعداء الإسلام والمسلمين.
س10: بعض الأكاديميين العرب الدارسين في الجامعات الغربية يقلدون النعامة أمام الاستشراق وآثاره فما ذا تقول لهم؟
ج: هذا من الأسئلة التي تحتاج إلى تفسير ولكن انتشرت مقولة بأن الغزو الفكري وهم وليس حقيقة وأن الاستشراق لا تأثير له وأننا نضخم هذه الآثار. وفي محاضرة ألقيتها في النادي الأدبي الثقافي في مكة المكرمة تقدم أحدهم يقول: ” أنت يا سيدي المناوئون للاستشراق ما ذا تفعلون من ازدياد حمى البث الفضائي التي تهدد العالم؟” هل المسألة أننا نناوئ الاستشراق وأنت تحب الاستشراق. إن المسألة أن الأمم مطالبة بالمحافظة على هويتها وذاتيتها وما يفعله الغرب اليوم بالوسائل الفضائية فعله أسلافه من قبل أكثر من ألفي سنة عندما خرج اليونانيون يحاولون أغرقة العالم من حولهم حتى إن فرنسا أخذت ما سمته” الفرنسة” عنهم، وفعل الإنجليز الشيء ذاته. فهؤلاء الذين لا يرون خطراً في الثقافات التي تحاول السيطرة إنما هم ممن أصابهم الإحباط وفقدوا الاعتزاز بالهوية العربية الإسلامية وبهرتهم المنتوجات الغربية والفلسفة الغربية والأدب الغربي وغير ذلك. ليس ضعف الأمة أو قوتها فيما تملكه من وسائل مادية – وإن كان على المسلمين أن يملكوها ويصنعوها- فالقوة الحقيقية هي في القوة الذاتية في الإبداع والابتكار.
س11: يحاول بعض المستشرقين التخلص من صورة الاستشراق القديمة المرتبطة بالاستعمار ومحاولة السيطرة على الشرق، والإيحاء بأن ذلك الدور قد انتهى فما صحة ذلك؟
ج: هذه المحاولة تعود إلى الخمسينيات من هذا القرن واستمرت حتى استطاع الغربيون التخلص من هذه التسمية في المؤتمر الدولي للجمعية الدولية للمستشرقين وصوتوا على عدم استخدام هذا المصطلح. وللغربيين أن يتخذوا من الأسماء ما يناسبهم ولهم مبرراتهم في ذلك التي من بينها ما ارتبط بكلمة استشراق من معاني سلبية. ولكن من قال إن دور الاستشراق قد انتهى فإنه يخالف طبيعة الأشياء: أليس الغرب بحاجة إلى استمرار معرفة الشرق، ألا تستفيد الحكومات الغربية من الدراسات التي يعدها الباحثون الغربيون بل هم يستفيدون من الدراسات والبحوث التي نعدها نحن عن أنفسنا حتى يعدوا الخطط المناسبة لمواجهة أي تأثير لدراساتنا؟ إن مالك بن نبي رحمه الله تحدث في الصراع الفكري عن بعض وسائل الغرب في هذا الصراع. إنهم يفتعلون بعض المعارك الفكرية أحياناً في الأمة الإسلامية ليشغلونا عن معارك أهم.
س: من معالم الاستشراق الحديث الاستشراق الإقليمي أو التخصصي وهو منهج المدرسة الأمريكية الحديثة فما الفرق بينه وبين الاستشراق التقليدي؟
ج: بدأت النشاطات الاستشراقية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية حيث تخلت بريطانيا عن نفوذها في المنطقة فوجدت أمريكا أنها بحاجة لمعرفة المنطقة معرفة دقيقة فنشأ فيها ما سمي” الدراسات الإقليمية ” أو “دراسة الأقاليم” حيث يتخصص باحث أو أكثر في إقليم معين يعرفون كل ما يحتاجون إليه من معلومات عن ذلك الإقليم. والأمر ليس جديداً كما يظن البعض فإن البريطانيين في دليل الخليج ل “لويمر” تخصصوا في دراسة الخليج العربي فهذا الدليل يضم أربعة عشر مجلداً تناول هذه المنطقة من النواحي الجغرافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والفولكلور والاجتماع وغير ذلك من الجوانب.
نعم بدأ الأمريكان بالتخصص في الدراسات الإقليمية ولكن بريطانيا أرسلت لجنة عام 1961 برئاسة وليام هايتر لدراسة التجربة الأمريكية في دراسة الأقاليم. والآن أصبح التخصص أدق بكثير من هذه الدراسات ففي جامعة كاليفورنيا في بيركلي يوجد ثمانية عشر قسماً تدرس ما يخص العالم الإسلامي والعربي ويتم التنسيق بينها تحت مظلة مركز دراسات الشرق الأوسط.
أما الاستشراق التقليدي فكان المستشرق يعرف اللغة العربية أو الفارسية أو التركية ثم يدرس الإسلام في جميع التخصصات من فقه وحديث وقرآن ولغة عربية وآدابها وغير ذلك. فهذا الأمر لم يعد منطقياً أمام توسع المعارف والتخصصات والحاجة إلى المعلومات الأكثر دقة عن البلاد الأخرى.
س: – هل يمكن القول أن الاستشراق قد انتهت حقبته في ظل الطروحات الفكرية والسياسية الدولية
ج: الغرب رفض مصطلح الاستشراق لأسباب خاصة به، فهو لم يعد يرى أن هذا التخصص له أي وجود في عصرنا الحاضر. وقد نادى بذلك أحد المستشرقين الألمان منذ الخمسينيات من هذا القرن، وتجددت الدعوة إلى نبذ كلمة استشراق في المؤتمر السنوي للجمعية الدولية للاستشراق الذي عقد في باريس عام 1393(1973م) وكان هذا المؤتمر بمناسبة مرور مئة سنة على تأسيس هذه الجمعية. وقرر هذا المؤتمر إلغاء التسمية وكما قال برنارد لويس أن مصطلح الاستشراق قد ألقي في مزابل التاريخ. والسؤال المهم وما هذه الأقسام العلمية تحت مسمى قسم دراسات الشرق الأوسط او مركز دراسات الشرق الأوسط أو مركز الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الغربية؟ والندوات التي تعقدهـا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية كل شهر لدراسة الصحوة الإسلامي أو التيار الإسلامي في العالم. أليست هذه المسميات امتداد للاستشراق ولكن بالأسلوب المناسب في هذا العصر. فقسم دراسات الشرق الأوسط يقوم بالتنسيق بين عشرة إلى عشرين قسماً علمياً يخضع عالمنا العربي الإسلامي للدراسة فيها. ففي جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي تتم دراسة العالم الإسلامي في ثمـانية عشر قسماً علميا تبدأ من العمارة فالزراعة فالاقتصاد فالفن والفولكلور والسياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا والجيولوجيا وغيرها. أما انتهاء الاستشراق في ظل الطروحات الفكرية والسياسية الدولية فقد ثبت أن الأمم المتحدة التي يراد أن تكون الحكومة العالمية المسيطرة فقد أصبحت تتبنى نشر الطروحات التي كانت تتولاها الدوائر الاستشراقية السابقة دون إنهاء دور مراكز البحوث و الجامعات ومن الأمثلة القريبة على هذا التحول إلى الطروحات الدولية المؤتمرات الثلاثة المتتالية: “مؤتمر السكان والتنمية ” في القاهرة و” مؤتمر التنمية الاجتماعية” في كوبنهاجن ،و” المؤتمر العالمي الرابع للمرأة” في بجين بالصين إنما هي أمثلة لنشر هذه الطروحات التي تسعى إلى سيطرة فكر الحضارة الغربية وثقافتها. أضف إلى ذلك رعاية النظام الدولي الجديد للمنحرفين والشاذين من العالم الإسلامي بخاصة من أمثال سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد سعيد عشماوي وغيرهم من أصحاب الفكر المنحرف. ويمتطي الاستشراق أو الطروحات الاستشراقية متن وسائل الإعلام فالذين يتسنمون منابر العلم والتوجيه في هذه الوسائل يروجون لما يحارب الإسلام في نظامه الاجتماعي ومؤسساته الاجتماعية كالزواج والنظرة إلى المرأة والأسرة، والعلاقات الاجتماعية
س: هناك من يحاول التقليل من خطر المستشرقين على الإسلام والمسلمين وينفي وجود علاقة بين حركة الاستشراق والكنيسة وحركة التنصير، وماذا عن علاقة الاستشراق باليهود؟ إن الذي يقلل من شأن خطر القوى الخارجية إما أن يكون غافلاً عن حقيقتها أو إنه يعرف تكـون القوى ويتواطىء معها ضد الإسلام والمسلمين. ليس هنا أبلغ من قول الله تعالى {ودوا لـو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} وقوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وقوله تعالى {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلاّ أنفسهم وما يشعرون}. من الذي يقدم الاستشارات والتخطيط للحكومات الغربية في التعامل مع العـالم الإسلامي؟ من الذي يرشد الغرب إلى ثروات الأمة الإسلامية البشرية والمعدنية والبترولية غير الباحثين الغربيين المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية؟ من الذي يرشد الحكومات الغربية كيف تتعامل مع الصحوة الإسلامية حتى إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بدأت ندوة مفتوحة ومستمرة لدراسة هذه الظاهرة التي يزعمون أنها تقلقهم. أما الارتباط بين الاستشراق والتنصير فإن الاستشراق قد نشأ في أحضان الكنيسة فهي التي دعت إلى قيام هذه الدراسات وهيأت لها الإمكانات وما يزال الارتباط موجوداً بين الاستشراق والتنصير في الوقت الحاضر، ولكن الاستشراق لم يعد كله لخدمة التنصير حينما بدأت أوروبا حملات الاحتـلال اتجـه بعض المستشرقين ليكونوا في خدمة هذا السيد الجديد فقدم للاستشراق الدعم وقدم الاستشراق له المعلومات والمعرفة. وارتبط اليهود بالاستشراق فهم يحقدون على الإسلام والمسلمين كما وصفهم ربنا سبحانه وتعـالى {ولتجدن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا.} وقد وجدوا في حركة
0 تعليق