كثيراً ما يسأل السائلون ما المقابل لدراسة الاستشراق، أليس هو الاستغراب؟ ربما يكون الجواب صحيحاً ولكن الأهم من ذلك هو أننا يجب أن نتساءل لماذا تأخرنا في دراسة الشعوب الأخرى؟ إن المسلمين حينما خرجوا من جزيرة العرب كانوا على معرفة بالشعوب والأمم الأخرى منها من حدثهم بها القرآن الكريم ومنها من كسبوا المعرفة به من خلال التجارة والرحلة. ثم انطلقوا لمعرفة تلك الشعوب عن طريق الاحتكاك المباشر وظهر رحالة مسلمون كتبوا عن مختلف شعوب العالم حتى أصبحت كتاباتهم مرجعاً عالمياً في دراسة الشعوب الأخرى. وقد بدأت أوروبا بإنشاء مراكز ومعاهد وأقسام علمية لدراسة العالم الإسلامي منذ عدة قرون بل إنها خصصت عدداً من أبنائها لدراسة الشعوب والأمم الأخرى جميعها فكما أن لديهم أقساماً لدراسة العالم الإسلامي فلديهم المتخصصين في الصينيات وفي دراسة اليابان بل إن كل دولة أوروبية تقوم بدراسة الدول الأوروبية الأخرى فمثلاً لدى بريطانيا (بجامعة لندن) معهد الدراسات الأمريكية الذي يمنح درجة الماجستير في دراسة الولايات المتحدة الأمريكية. ونظراً للسمعة العلمية التي حققتها هذه الدراسات توجه أبناء الدول المختلفة للدراسة في تلك البلاد حتى إنهم يتخصصون في الدراسات المتعلقة ببلادهم في أوروبا أو أمريكا من النواحي العقدية والتاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية والحضارية والثقافية. والمسلمون الذي جاء كتابهم الكريم يدعو إلى التعارف بين الشعوب في قوله تعالى )وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا( أهملوا هذا الجانب في العصر الحاضر فأصبحوا من قرون عديدة موضع الدرس لدى الأوروبيين والأمريكيين، وقد وصل الغربيون في معرفتهم لنا أن عرفوا التفاصيل الدقيقة عن الأمة الإسلامية في المجالات العقدية والتشريعية والتاريخية ومعرفة المجتمعات العربية الإسلامية في العصر الحاضر معرفة تفصيلية حتى أصبحوا كما ذكر أحد الباحثين يعرفون التفاصيل وتفاصيل التفاصيل. أهمية دراسة الغرب ولمّا كانت الحضارة الغربية بشقيها الأوروبي والأمريكي هي السائدة والمتوفقة اليوم فمن الواجب على المسلمين أن يعرفوها معرفة وثيقة وعلمية، فكما أن الغرب حينما بدأ نهضته العلمية والثقافية والفكرية توجه إلى دراسة العالم الإسلامي وأفاد من معطيات الحضارة الإسلامية ابتداءً من التفكير العلمي والمنهج العلمي إلى مختلف معطيات الحضارة الإسلامية فإن من الواجب على المسلمين أن ينطلقوا لدراسة الغرب من جميع جوانبه. وليكن معروفاً أن دراستنا للغرب يجب أن تتم وفق أسس معينه بحيث نفيد من معطيات الحضارة الغربية المعاصرة فيما لا يتعارض مع أسس الحضارة الإسلامية وثوابتها. هذا العلم الذي يمكننا من دراسة الغرب هو ما يمكن أن نطلق عليه ” الاستغراب” الذي يمكن تعريفه باختصار بأنه العلم الذي يهتم بدراسة الغرب (أوروبا وأمريكا) من جميع النواحي العقدية، والتشريعية، والتاريخية، والجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية ..الخ. وهذا المجال لم يصبح بعد علماً مستقلاً، ولكن من المتوقع في ضوء النهضة العلمية التي تشهدها البلاد العربية والإسلامية أن تقوم مراكز البحث العلمي ووزارات التعليم العالي في العالم الإسلامي بشحذ الهمم وتسرع الخطى وتغذ السير لإنشاء أقسام علمية تدرس الغرب دراسة علمية ميدانية تخصصية في المجالات العقدية والفكرية والتاريخية والاقتصادية والسياسية. ولعل سائلاً يتساءل لماذا ندرس الغرب وكيف لنا أن ندرس هذا العالم الذي سبقنا بمراحل عديدة أو بعدة قرون؟ الأمر ليس صعباً أو مستحيلاً، فإننا إذا رجعنا إلى بداية الدعوة الإسلامية وجدنا أن المسلمين الأوائل حينما خرجوا لنشر الدعوة الإسلامية في العالم كانوا متسلحين بسلاح العلم بعقائد الأمم الأخرى وعاداتها وتقاليدها. كانوا يعرفون أرض الدعوة سياسياً واقتصادياً وجغرافياً. ولعلك تسأل من أين تحصلوا على هذه المعرفة. لقد كان رجال قريش تجاراً وكانت لهم رحلة الشتاء والصيف. لم يكونوا يحملون معهم التجارة ويذهبون للبيع والشراء فحسب، بل كانوا على اطلاع بأنظمة الدول الأخرى وأوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. أما الناحية العقدية فقد عرفوا منها شيئاً من اتصالهم بهذه الشعوب وجاء القرآن ليوضح لهم حقيقة اعتقادات اليهود والنصارى وغيرهم. ولذلك فإن المسلمين الأوائل لم يجدوا صعوبة في التعرف على الشعوب الأخرى والتفاعل معها وأخذ ما يفيدهم مما لدى الأمم الأخرى من وسائل المدنيّة. حيث أخذوا الديوان والبريد وبعض الصناعات المهمة مثل صناعة الورق (الكاغد) التي طورّها المسلمون حتى أصبحت صناعات إسلامية. |
0 تعليق