يمكننا أن نجد إشارات إلى معرفة المسلمين بالشعوب الأخرى إذا عرفنا أن الجيوش الإسلامية التي انطلقت للفتوحات كانت على علم ودراية بالشعوب الأخرى فهذا رسول الجيش الإسلامي يدخل على رستم ويجلس معه على عرشه فيريد الحرس أن يقيموه فيقول لهم تلك القولة التي تدل على معرفة عميقة بهم “كنّا نظنكم أولي أحلام تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضاً، إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال” واستمر المسلمون في الحرص على معرفة الشعوب الأخرى وبخاصة في مجال العقيدة حتى إنه ظهرت كتب الفرق والملل والنحل في التراث الإسلامي منذ وقت مبكر . وهناك لمحات من دراسة الغرب في كتاب أسامة بن منقذ الاعتبار الذي تناول فيه جوانب من حياة الصليبيين فوصف طباعهم وأخلاقهم وتحدث عن مزاياهم وعيوبهم. ومن أطرف ما ذكره في هذا الكتاب مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة وضعف الغَيْرة من الرجال على النساء بل لعلها تكون معدومة أحياناً. فلا يرى الرجل بأساً أن تتحدث زوجه مع رجل أجنبي وقد تختلي به بل هو الذي يتركها مع الرجل الأجنبي ويطلب إليها أن لا تتأخر مثلاً. وهذا ما يقوله أسامة بن منقد” وليس عندهم شي من النخوة والغيرة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغها من الحديث فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث ومضى” (ص 154) كما تناول صفاتهم الخُلُقية والخَلقِيّة وطرق تعاملهم فيما بينهم وبينهم وبين الشعوب الأخرى. وبين شدة بأسهم وقوة مراسهم في القتال. ومن ذلك قوله عنهم: “والإفرنج خذلهم الله، ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة، ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلاّ للفرسان ولا عندهم ناس إلا الفرسان- فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكم.”(ص 87) ووصف أخلاقهم في موضع آخر بقوله ” فكل من هو قريب العهد بالبلاد الفرنجية أجفى أخلاقاً من الذي تبلدوا وعاشروا المسلمين”(ص 153) ونحن اليوم في حاجة إلى معرفة الغرب. ولعل بداية دراسة الغرب كانت فيما نقله رفعت رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما عن أوروبا وكان من أبرز ما اهتم الاثنان به النظام السياسي الغربي القائم على الانتخاب والحريات السياسية. كما اهتم الاثنان بجوانب من الحياة الاجتماعية في الغرب وعلاقة الرجل بالمرأة. وكانت تلك النظرة التي ظهرت في كتابات التونسي والطهطاوي في وقت كانت قوة الغرب في عنفوانها وكان العالم الإسلامي يقاسي من ويلات التخلف فلا بد أن يصاب هؤلاء بالانبهار بالنموذج الغربي وإن كانا قد حاولا أن يربطا المحاسن الغربية (في نظرهم) بما في الإسلام. وقد تجددت الدعوة لدراسة الغرب في منتصف هذا القرن في أحد مؤتمرات المستشرقين الدولية فقد أشار رودي بارت في كتابه المهم الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية (ص15) إلى أهمية أن يتوجه العالم الإسلامي لدراسة الغرب أسوة بما يفعله الغرب في دراساته للعالم الإسلامي. وقد تناول هذا الموضوع الدكتور السيد محمد الشاهد في خطة علمية قدمها لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1414ونشر موجزاً لها في صحيفة (مرآة الجامعة) ثم ظهر كتاب الدكتور حسن حنفي (مقدمة في علم الاستغراب) وإنني أحب أن أقتطف منه عبارة عن أهداف دراسة الغرب جاء فيها أن من أهداف دراسة الغرب:” فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر بتحويله إلى ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس مهمته القضاء على الإحساس بالنقص أما الغرب لغة وثقافة وعلماً ومذاهب ونظريات وآراء…” ومن النماذج التي تبشر ببداية دراسة الغرب قيام محمد بن سعود البشر الأستاذ المتخصص في الإعلام بترجمة عدد من الكتب التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية وتتحدث عن واقع تلك المجتمعات وهي (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة) وكتاب (السقوط من الداخل) وغيرها. وقد صدر لكاتب هذه السطور كتاب بعنوان ( الغرب من الداخل :دراسة للظواهر الاجتماعية) حاولت فيه أن أرصد بعض الظواهر الاجتماعية مستنداً إلى الدراسات العلمية التي صدرت في الغرب وكذلك من خلال وسائل الإعلام الغربية ومن خلال الدراسات الوثائقية والإحصائية التي تصدر عن الحكومات الغربية ومنها مثلاً تقرير (العيش في بريطانيا) والذي كان يصدر من قبل بعنوان (الحياة المنزلية في بريطانيا) (Household Survey in Britain) ومما يؤكد على أهمية دراسة الغرب أن الغرب قد استطاع أن يبني حضارة ومدنية هي السائدة في أرجاء العالم اليوم وقد تردد منذ كتابات طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر) ولطفي السيد وغيرهما أن المسلمين لكي ينهضوا كما نهض الغرب أن يتخلوا عن خصوصياتهم وهويتهم ويلتحقوا بالغرب ويأخذوا بالحياة الغربية خيرها وشرها. وإن كان طه حسين قد تراجع عن مثل هذه الأفكار حيث لم يُعد طباعة كتابه (مستقبل الثقافة..) وقد سئل ذات مرة فقال: ذاك كتاب قديم. فدراسة الغرب المنطلقة من التمسك بالهوية الإسلامية هي الطريقة الصحيحة لهذه الدراسة فهذه الأمة هي أمة الشهادة والأمة الوسط فعليها أن تكون منطلقاتها تختلف عن الأمم الأخرى في كل شأن من شؤونها. |
0 تعليق