نهضت سكرتارية التجمع الدولي لعلماء آسيا لتنظيم المؤتمر العام لرابطة علماء آسيا، وهو مؤتمر ينعقد كل عامين. وقد اختارت الرابطة مدينة دايجون بكوريا الجنوبية لعقد مؤتمرها لهذا العام بالتعاون مع جامعة تشانجنام Chungnam الوطنية التي تأسست عام 1952م، وهي إحدى الجامعات الوطنية الرئيسة في كوريا الجنوبية، كما أنها مركز مرموق للدراسات العليا هناك، وتقع في قلب منطقة إبداعية، ومحاطة بأكثر من مائة معهد ومركز تعليمي. وتشترك الرابطة مع بعض الجامعات الأمريكية في تقديم دراسات مشتركة. وقد شارك في رعاية المؤتمر هذا العام: الرابطة الكورية للعلوم السياسية والاتصال، والمعهد الدولي الهولندي للدراسات الآسيوية في ليدن. أما مدينة دايجون – مقر المؤتمر – فتقع في قلب شبه الجزيرة الكورية، وهي مركز مواصلات، وتجمع بين تقليد ثقافي عريق ومركز علمي تقني رائد؛ مما يجعلها مدينة العلم والتقنية حقاً. وتُسمى غالباً: وادي السيليكون الكوري.

كما حظي المؤتمر برعاية عدد من الهيئات والمؤسسات والشركات، منها: بلدية دايجون، ووزارة التربية والعلوم التقنية، ووزارة الثقافة والرياضة والسياسة، ومنظمة السياحة الكورية، والمؤسسة الكورية للبحوث، وشركة سامسونج للآليات، ومجلة دار كمبريدج للنشر، ومؤسسة الشمال الشرقي للتاريخ، وغيرها.

          تضمن المؤتمر ثلاث محاضرات افتتاحية، ومائة وثماني وسبعين جلسة عُقدت على مدار أيام ثلاثة في تسع عشرة جلسة متزامنة.

وقد قدَّم المحاضرات الافتتاحية كل من:

1- دومينيك جيرارد Dominique Girard: رئيس مؤسسة آسيا – أوروبا منذ نوفمبر 2008م، وهو حاصل على درجة جامعية في العلوم السياسية من معهد باريس للعلوم السياسية، ومختص باللغات الشرقية (الصينية والفيتنامية) من المدرسة القومية للغات الشرقية، كما عمل في الحقل الدبلوماسي حتى وصل إلى رتبة سفير. وقد دعا في محاضرته إلى تقوية التعاون بين آسيا وأوروبا، وأن يكون هذا التعاون على أساس التكافؤ والمساواة. وأشار إلى أن من أهداف مؤسسة آسيا – أوروبا السعي إلى تقوية الاهتمام المتبادل، وإذابة الخلافات السياسة والتعصبات الثقافية المتعلقة بالماضي، وتحديد أفضل السبل لتأسيس قواعد خصبة للتعاون بين الأفراد والمؤسسات. وذكر أن مؤسسة آسيا – أوروبا سوف تستمر في البحث عن الوسائل التي تُقَرِّبُ بين القارتين وتقوِّي العلاقات بينهما.

2- جلبرت رزمان: Gilbert Rozman أستاذ علم الاجتماع بجامعة برنستون، ومختص بدول شمال شرقي آسيا، كما تخصص في الدراسات الصينية والروسية. تضمنت كلمته التي كانت بعنوان: «مقارنة الهويات الصينية واليابانية والكورية الجنوبية: دروس للإقليمية» كيف أن كلاًّ من الصين واليابان وكوريا الجنوبية ترجع إلى تراثها التاريخي من أجل دعم الهوية القومية في زمن تزداد فيه حدة العولمة. وقدم في محاضرته تحليلاً لمسألة الهوية القومية؛ مستخدماً منهجين؛ أولهما: المنهج المقارن لنشأة الهوية وتطورها، وثانيهما: المنهج العملي لكيفية عمل الهويات وتأثيرها في القيم واختيارات السياسة الخارجية.

3- يونج أوك كيم: Young- Oak Kim   فيلسوف كوري، درس الفلسفة في كوريا وفي تايوان، ويعمل أستاذاً للفلسفة في الجامعة الكورية في سيؤول. وقد تحدث عن المركزية الأوروبية تاريخياً، وأن هذه المركزية لم تعد تصلح أن تقدم نفسها على أنها النموذج العالمي للقيم، وعلينا أن نتذكر أنه؛ على الرغم من التأثير الضخم للحضارتين اليونانية والرومانية؛ فإنهما كانتا حضارتين مشتقتين من غيرهما؛ أي هما حضارتان ثانويتان، لم تنشآ ابتداءً؛ بل كانت آسيا هي مكان ولادة الحضارات الأساسية الأولية. وأكد في محاضرته مكانة آسيا وأهميتها، وأنها يجب أن تعود ليكون لها مكان يليق بها في الثقافة العالمية والحضارة ومنظومة القيم.

وعلى الرغم من أهمية الموضوع؛ إلا أن المتحدث استغل أنه من البلد المضيف فأصر على أن يُعطى أكثر من الوقت المخصص للمحاضرة، كما امتنع من الإجابة عن أسئلة كثير من الحضور.

        لقد كانت الفكرة الأساسية لهذا المؤتمر، والتي تبلورت في الشعار الذي اتخذه هي: (فَكِّرْ آسيويًّا). وفسر المنظمون هذا الشعار بأنه يحمل سؤالاً كبيراً هو: من الذي لا يفكر في آسيا؟ أو أن آسيا لا تشغل جزءاً من تفكيره؟ فهذه القارة قد تقدمت كثيراً، وأصبحت في قلب الحدث لما تتميز به من تنوع ثقافي وبيئة غنية وخلفيات متعددة؛ فآسيا موجودة في كل مكان ماديًّا وروحيًّا، وهي جزء من النبض الثقافي العالمي الذي ينطلق في مجالات جديدة من العلوم الطبيعية والإنسانية.

        وهكذا، كان هذا المؤتمر، بضخامته وتنوع مجالات البحث والنقاش فيه، حدثاً مهماً حقاً. وبالنظر إلى كثرة المحاور والجلسات؛ فقد اخترت بعض الجلسات لإلقاء المزيد من الأضواء عليها؛ داعياً بقوة لأن تسعى المؤسسات العربية والجامعات إلى المشاركة في المؤتمرات القادمة، وأقربها المؤتمر القادم الذي سيُعقد في ولاية هونولولو الأمريكية عام 2011م.

جلسات المؤتمر:

        اشتملت جلسات المؤتمر على موضوعات متنوعة تناولت الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية لقارة آسيا، وكذلك العلاقات بين آسيا وأوروبا خصوصاً، وبينها وبين دول العالم الأخرى عموماً. وسأعرض فيما يأتي بعض الجلسات وفقاً لموضوعاتها:

المرأة: قضاياها وهمومها:

        عُقدت جلسات متعددة لمناقشة موضوع المرأة في مختلف دول آسيا، وتنوعت محاور الجلسات تنوعاً كبيراً على النحو الآتي:

– دور النساء في الصين:

        تناولت هذه الجلسة مكانة المرأة في الصين، وأن هذه المكانة قد تطورت مع التحولات التي شهدها المجتمع والاقتصاد؛ غير أنها لا تزال تشهد تذبذباً حتى الآن. كما بحثت هذه الجلسة مكانة المرأة في الصين من النواحي التاريخية، والنواحي الاجتماعية، من أقدم العصور حتى العصر الحاضر.

– الجندر والعولمة في الهند:

        شهدت الهند في السنوات الماضية ارتفاعاً في وتيرة العولمة، وكذلك التحرر (الليبرالية)؛ كما أن الظروف الاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة أثرا في وضع المرأة؛ حيث أتيح لها أن تلج سوق العمل. وقد ناقشت الجلسة أوضاع ثلاثة أصناف من النساء، هن: العاملات في مجال الزراعة، والنساء اللاجئات في شرقي الهند – وبخاصة في منطقة كلكتا -، ونساء الطبقتين المتوسطة والدنيا في جنوبي مدينة شيناي (مدراس سابقاً).

– النساء في المجتمع:

        تناولت هذه الجلسة أوضاع النساء في خمس دول آسيوية، هي: كمبوديا، وكوريا الجنوبية، ونيبال، وإندونيسيا، واليابان. وأوضحت أنه على الرغم من التنوع المجتمعي والثقافي في هذه الدول؛ فإن نساءها لا زلن غير قادرات على الحصول على حقوقهن، ولا ينلن الاحترام والتقدير الواجبين في المحيط العام لهذه المجتمعات.

الاستعمار وما بعد الاستعمار:

        وهو من الموضوعات التي لا تزال تأخذ حيزاً من اهتمامات الباحثين الآسيويين والأوربيين على السواء. والحديث عن مرحلة الاحتلال الأوروبي لدول جنوبي آسيا وجنوب شرقي آسيا خُصِّصَتْ له عدة جلسات، هي:

– النظرية والتطبيق في فحص الاستعمار في آسيا وبلدان المحيط الهادي.

– دراسات جنوب شرقي آسيا في مركز أتينيو للدراسات الآسيوية: فحص تجارب الاستعمار وما بعد الاستعمار.

– مواجهات استعمارية من القرن السابع عشر حتى عام 1945م (ثلاث جلسات)، وقد تركزت البحوث على مواجهة الاستعمار الهولندي في إندونيسيا، وكذلك البحث في الكتب المدرسية التي تتناول هذه الحقبة الاستعمارية.

الاقتصاد:

نظراً لأهمية الاقتصاد فقد كان من ضمن الموضوعات الرئيسة في هذا المؤتمر؛ ولاسيما أن العالم يمر بأزمة اقتصادية حادة. وفي الجلسات التي خُصِّصَتْ للاقتصاد تناول بعضها قضايا نظرية؛ بينما خُصِّصَتْ جلسات أخرى للبحث في المسائل العملية والواقعية والمعاصرة. ومن هذه الجلسات ما يأتي:

– «الاقتصادات المتغيرة في آسيا»:

كان من بحوث هذه الجلسة بحث بعنوان: «الاقتصاد والتبادل في تيمور الشرقية»، و بحث آخر بعنوان: «تغير البناء الاقتصادي الاجتماعي منذ عام 1990م وتأثيراته في عمل الشباب وحياتهم في مدينة طوكيو»، وبحث ثالث عن: «النمو الاقتصادي وحجم الحكومة في سيريلانكا».

– «الاستثمار الأجنبي المباشر والرأسمالية الجديدة»:

تناولت الجلستان المخصصتان لهذا الموضوع: «التنافس الرأسمالي بعد الأزمة: انحدار الليبرالية الجديدة وبروز رأسمالية الدولة»، وقُدِّمَ بحث آخر بعنوان: «الاستثمار الأجنبي المباشر من أجل عوائد سريعة»، كما قُدِّمَ بحث ثالث عن «الاستثمار الأجنبي المباشر في ماليزيا». وقد تناولت البحوث في هذا المحور – كذلك – الإصلاحات الاقتصادية، والمساعدات الأجنبية، وغيرها من القضايا.

الدراسات الإقليمية:

       تم تخصيص بعض الجلسات لدراسة دول آسيوية بعينها من النواحي: التاريخية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، ومنها الجلسات الآتية:

ماليزيا:

– «التطور الحالي في ماليزيا»:

        قُدِّمَتْ في هذه الجلسة أربعة بحوث، تناول أولها: «الحرية الدينية في ماليزيا»، كما تناول ثانيها: «العلاقات العامة في ماليزيا»؛ حيث قام الباحث بعمل «تحليل محتوى» للمواد الإعلامية المتعلقة بالعلاقات العامة، وخاض البحث الثالث في مجال: «حقوق الإنسان المتعلقة بالأقلية الهندية من خلال الصحافة الماليزية»، فيما تناول البحث الرابع: «السياسة الخارجية الماليزية»؛ متخذاً من موضوع البوسنة والهرسك نموذجاً.

سنغافورة:

        وقد خُصِّصَتْ جلستان بعنوان: «سنغافورة في التاريخ العالمي» تناولتا عدة قضايا، منها: «القوى الدولية أو الوكالة الإنسانية: تَكَوُّن السواحل المالاوية فيما قبل العصر الحديث»، إضافة إلى بحث آخر بعنوان: «التأثير العالمي في الاضطرابات العرقية: بريطانيا والمسلمون وقضية ماريا هيرتوج الجدلية في سنغافورة».

كوريا:

          لما كانت كوريا الجنوبية هي الدولة المضيفة فقد نالت قسطاً كبيراً من الاهتمام، وكثرت الجلسات الخاصة بها، والدراسات حولها من النواحي: السياسية، والاقتصادية، وغيرها، وعلاقاتها بجيرانها؛ فكانت هناك جلسة بعنوان: «بناء شبه جزيرة كورية آمنة»، تناولت السياسات الأمنية في كوريا الجنوبية وسياساتها تجاه كوريا الشمالية فيما بين عامي 1998م و2008م. وتناول بحث آخر: «القوى المتوسطة والنظام الدولي: سعي كوريا نحو الأمن في مجال الطاقة والتنافس في أواسط آسيا». كما قدم أحد الباحثين بحثاً بعنوان: «التوازن الزائف: بحث في أسباب المقاومة العنيدة لكوريا الشمالية».

الصين:

        نالت الصين نصيباً كبيراً من الجلسات التي تناولت بعض القضايا الداخلية، وعلاقات الصين بالعالم؛ فقد خُصِّصَتْ جلستان لمناقشة علاقات الصين مع الدول المجاورة، والدعاية الصينية الموجهة قبل عام 1949م وبعده؛ حيث تناولت الكتب المدرسية للثورة، وكذلك نظرية الحزب الشيوعي في الصحافة، وأوضاع الصين السياسية في المدة من 1912- 1937م. وكانت ثمة جلسة خاصة بالحكم المحلي في الصين تناولت الفساد وقياسه وتأثيراته، وكذلك الأزمات السياسية، وإدارة الأزمات في عهد الرئيس ماوتسي تونج في المدة من 1963 حتى عام 1976م.

        كما خُصِّصَتْ أكثر من جلسة تناولت قضية تصدير الصين لنموذجها في التنمية إلى أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، من خلال الحديث عن المساعدات والاستثمار والهجرة. وكان بعض البحوث قد تناول التأثير والنفوذ الصيني في دول أفريقية معينة؛ كالبحث الذي تناول تأثير الوجود الصيني في زامبيا. كما تناولت إحدى الجلسات: السياسات الصينية الوطنية وسياسات الصين الشعبية في مجال الإنترنت، وخُصِّصَتْ جلسة لتناول الطبيعة في الأدب الصيني من نثر وشعر وفلسفة.

إندونيسيا:

وقد خُصِّصَت لها أكثر من جلسة، منها:

الجلسة الأولى بعنوان: «إندونيسيا اليوم»؛ حيث قُدِّمَتْ فيها البحوث الآتية:

– «أسلوب النظام الاجتماعي في التخطيط لمجتمع قابل للعيش في إندونيسيا».

– «العنف في زمن الإصلاح: دراسة حالة الصراع في غرب سومطرة».

– «الحركة لحرية الملكية للمناجم الصغيرة، والملكية في سياق التعددية القانونية».

ثم أعقبتها جلسة أخرى بعنوان: «التطور وإندونيسيا»، قُدِّمَتْ فيها بحوث عن: «التطور الحضري وموازنته بكوريا الجنوبية من زاوية تاريخية»، كما قُدِّمَ بحث عن: «التشريعات الإندونيسية ضد الإرهاب بين الضغوط الدولية والضغوط المجتمعية»، وكذلك قُدِّمَ بحث ثالث بعنوان: «التطور في إندونيسيا خطأ أم أمر صحيح؟».

الإسلام والأديان الأخرى:

      كان للجانب الديني أهميته في هذا المؤتمر؛ إذ كان من المقرر أن تُعْقَدَ جلستان بعنوان: «جوانب من الإسلام». ولكن، نظراً لغياب بعض المشاركين؛ فقد اقتصرت تلكم الجلستان على جلسة واحدة فيما يأتي ملخص لها:

       كان المتحدث الأول يقرأ من ورقته بلغة إنجليزية غير سليمة، وهو ما يؤكد ضرورة ما ناديتُ به من قبل بوجوب التدرب على حضور المؤتمرات؛ حتى لو كانت لغة المحاضر المكتوبة قوية. ومما يؤسف عليه أن نطق بعض الآسيويين للغة الإنجليزية هو كارثة حقيقية، وأتعجبُ كيف يصعب عليهم أن يحققوا مستوى أفضل في نطق اللغة، وهم قد أتقنوا فهمها: مفردات وتراكيب ولغة. ولم أحاول في أثناء تقديم باحثنا هذا لورقته أن أستوعب ما يقول.

       وجاءت الباحثة الثانية، وهي من جامعة كيوتو باليابان. وسألتُ نفسي: ما سبب اهتمام باحثة يابانية بدراسة معاناة المرأة في إحدى مقاطعات الهند؟ لكني تذكرتُ أن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض استضاف مرة – ضمن برنامجه: «الباحث الزائر» – باحثة يابانية، من جامعة كيوتو أيضاً، عدة أشهر لتدرس وضع المرأة في السعودية، وكانت تتحدث العربية بطلاقة.

      بدأت باحثتنا هذه حديثها عن سبب معاناة المرأة (لم تحدد إن كانت مسلمة أم غير مسلمة، والغالب أن حديثها كان عن غير المسلمات)، وأرجعته إلى تأخر الإنجاب الذي يجبرها على أن تبحث عن علاج؛ بينما الرجل لا يواجه أي اتهام بأنه قد يكون السبب. وتذهب المرأة إلى المستشفيات والمختبرات، وتلجأ إلى الشعوذة وغيرها. وليت الأمر يقف عند إلقاء المسؤولية على المرأة؛ بل إنها تصبح شخصاً غير مرغوب فيه في المجتمع؛ فلا تُدْعَى إلى كثير من المناسبات الاجتماعية، وإن حضرت تكون منبوذة. وقد يتزوج عليها زوجها أخرى؛ حتى لو كان القانون الهندي يمنع ذلك. وأتعجبُ: لماذا يقف الهنود في وجه الزوجة الثانية؟ هل يا ترى تأثروا بالأوروبيين، وعَدَّوا الزواج بثانية أو ثالثة نوعاً من التخلف.

       وترى الباحثة أن عدم الحمل يدل على نقص الأنوثة والأمومة. ويبلغ معدل سن الزواج عندهم من 18-20 بالنسبة إلى المرأة، لكن الباحثة لم تذكر شيئاً عن سن الرجل حين الزواج. وتؤكد بعض الدراسات أن تأخر سن الزواج في المجتمعات المعاصرة يعود إلى ارتفاع مستوى التعليم، وهو عين ما كتبه باحث عربي مقيم في فرنسا. ولكن، أليست استباحة العلاقات بين الرجال والنساء بلا زواج تُحَمِّلُ كليهما المسؤولية؛ حتى إن المساكنة – كما يطلقون عليها – أو العيش في الحرام أصبح مؤسسة قائمة بذاتها تهتم الدول الغربية بعمل تشريعات لها لتنظيمها؟

       ومما جاء في دراسة الباحثة عن معاناة المرأة حديثها عن سيطرة الرجل واستبداده، على الرغم من وجود دراسات مجتمعية تؤكد أن للمرأة مكانة خاصة في آسيا، وفي جنوب شرقيها بصفة أخص؛ حيث وصلت نساء إلى مناصب رئاسة الوزراء في باكستان، وفي بنجلاديش، وفي الهند، وفي إندونيسيا. فكيف يستقيم هذا مع ما ذكرته الباحثة من سيطرة الرجل واستبداده.

ولما كانت الجلسة بعنوان: «جوانب من الإسلام»؛ فقد توقعتُ أن يحضر بعض الأوروبيين والأمريكيين ليتحدثوا في الدين الإسلامي، ولكنهم تركوا ذلك لأبناء جنوب شرقي آسيا؛ من إندونيسيين وماليزيين وهنود. وقد اعتذر بعضهم؛ حتى إن جلستين أُدمجتا في جلسة واحدة؛ وكأن الإسلام لا يستحق أن تكون له مكانة في مؤتمر كهذا.

       وكان من ضمن الأوراق التي قُدِّمَتْ بحث تناول الإسلام في الهند؛ من حيث العلاقة بين العلوم العقلية والعلوم النقلية؛ مشيراً إلى سيطرة العلوم النقلية، كما أشار كثيراً إلى الصوفية، وذكر عدداً من كتبهم مثل: «مجمع البحرين»، و«سكينة الأولياء». وتحدث صاحب البحث عن أن بعض مشايخ الطرق أو العلماء سعى إلى التقارب مع الأديان الأخرى، ولم يوضِّح الباحث ما إذا كان هذا التقارب مما يسمح به الدين، أو أن فيه تنازلاً عن بعض جوانب الشريعة كما تفعل بعض الأقليات أحياناً لتكون أكثر قبولاً.

     وقدم أحد الباحثين موضوعاً حول: «الإسلام والعنف» من خلال قضية عناصر التدين المتطرف في إندونيسيا وذلك في الفترة من عام 1967 إلى عام 2001م.

       وفي جلسة مهمة عن النظرات المتبادلة بين الشرق والغرب كان الحديث عن الاستشراق، وما فعله، وما أحدثه من تأثير في عقليات أبناء المنطقة في الحقبة التي كانت فيها محتلة من القوى الأجنبية. وأشار أحد الباحثين إلى أن ماليزيا كانت قبل الاحتلال تتمتع بقدر كبير من التعددية الثقافية المنسجمة المتناغمة، فلما جاء الاحتلال أحدث شروخاً في بناء المجتمع؛ مما أدى – في نهاية المطاف – إلى فصل سنغافورة عن الوطن الأم. ثم جاء الحديث في هذه الجلسة عن الاستغراب (معهد الاستغراب في جامعة ماليزيا الحكومية هو الذي نظم هذه الجلسة)، وكيف أننا في العالم الإسلامي لا نعرف الغرب، وقد حصل المعهد على دعم كبير من رئيس الوزراء الماليزي الأسبق د. محاضر بن محمد؛ الذي قال: على الرغم من أنني أنتقد الغرب كثيراً؛ لكن معرفتي بالغرب محدودة، ولذلك يجب أن نشجع الاتجاه لدراسة الغرب.

وقد ذكر رئيس الجلسة أن لفظة التـغريب Westernization قد دخلـت إلى قواميس العالم، ولـكـن لفـظة التشريقEasternization   غير موجودة؛ بل إن قاموس الحاسب الآلي يضع خطًّا أحمر تحت الكلمة ويعطي بديلاً لها لفظة استغراب.

        والحق أنني لم أستوعب كيف نحول العالم إلى الشرق؟ هل بنشر ثقافة الشرق وروحه في الغرب؟ وهل لدينا القوة والدافع لنشر ثقافتنا وسط عالمهم؟ وهل سيتقبلون تلك الثقافة؟

     وشارك أحد الباحثين بورقة عن شبكة الإنترنت، وما تحفل به من ثقافة وعلم، وسأل: هل هي امتداد للاستشراق والتغريب والاستعمار، أم إننا نستطيع أن نتخلص من أثر هذه الأدواء؟ وأكد في ورقته – وهو المختص بالحاسب الآلي وهندسته – أن السيطرة هي للغرب؛ فهو من اخترع شبكة الإنترنت، وأطلق المصطلحات المختلفة على كل ما يخص الحاسب والإنترنت؛ مما يعني أننا لن نستطيع التخلص من سيطرة الاستشراق والتغريب.

       وهذه – في رأيي – نظرة تشاؤمية أو استسلاميه! فليس اختراع الغرب لهذه الأدوات مسوغاً له كي يستمر في السيطرة الفكرية علينا؟ ألا نملك نحن القدرة على استخدام هذه الأدوات التقنية استخداماً صحيحاً، وأن نضع لها من المادة العلمية ما نريد؟ لقد أخطأ الباحث من حيث نسي أن هناك مواقع إسلامية، ومواقع عن الإسلام، أعدها مسلمون مخلصون، هي المرجع الأساس في القضايا الإسلامية. وبعض هذه المواقع تأسس في الغرب، بينما تأسس بعضها الآخر في الدول العربية والإسلامية، وبعضها بدأ بمبادرات فردية، بينما بعضها الآخر أخذ البعد المؤسساتي المنظم.

      ولقد شاركتُ في هذا المؤتمر برئاسة جلسة بحثت في عدة قضايا مختلفة؛ منها ما قدمه باحث عن: مسألة المجتمعات الفيتنامية في الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها عاملاً في تطوير العلاقات بين أمريكا وفيتنام، كما قدم باحث آخر بحثاً عن الطلاب اليابانيين الذين يدرسون في أستراليا؛ حيث قام بإجراء بحث ميداني في هذا الموضوع، وقابل الكثيرين من الطلاب لمعرفة أسباب اختيارهم أستراليا للدراسة، وما الموضوعات التي يدرسونها. وقدم باحث ثالث بحثاً في محاولة فهم الجاليات الهندية في سياق عولمي بتطبيق النظريات النفسية ونظريات التحليل النفسي، وقد قام بتطبيق هذه النظريات على الهنود المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

أما الورقة التي قَدَّمْتُها فكانت عن وضع الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعات الأمريكية، وقد سُقْتُ بين يديها عدداً من الأسئلة حول هذه الدراسات. ومن تلك الأسئلة:

– هل الجامعات الأمريكية جادة – حقيقة – في فهم الشرق الأوسط والإسلام؟

– ما معايير الفهم الصحيح للإسلام والشرق الأوسط؟

– ما معايير اختيار الأساتذة الذين يُدَرِّسُون في هذه المجالات؟

– ما أهم إيجابيات هذه الدراسات وما سلبياتها؟

      وفي مجال الاهتمام بالأديان خُصِّصَتْ حلقات للحديث عن البوذية؛ حيث شارك أربعة باحثين تناولوا جوانب مختلفة منها.

المعارض المصاحبة

       من أبرز النشاطات التي تصاحب المؤتمرات العالمية الكبرى: المعارض التي تقيمها كبريات المكتبات العالمية والمكتبات الإقليمية، وكذلك المؤسسات والهيئات التي تُعنى بالقضايا التي تُطرح في هذه المؤتمرات. وقد كانت هناك بعض المعارض أقدم فيما يأتي تعريفاً بها:

1- جناح التعليم الإلكتروني في تايوان وبرنامج الأرشفة الرقمية:

قَدَّمَ هذا الجناح معلومات غزيرة وملفاً كاملاً يتضمن تجربة تايوان في التعليم الإلكتروني والأرشفة الرقمية، كما قدم معلومات عن تايوان وثقافتها وجغرافيتها، إضافة إلى عرض مصور عنها.

2- دار جامعة هونج كونج للنشر:

وقد مر على إنشائها أكثر من ثلاث وخمسين سنة (حضرت احتفالها بمناسبة مرور خمسين سنة، ولاحظت كثافة الوجود الإنجليزي في الجامعة، الذي ربما لا يتغير كثيراً في المستقبل القريب)، وتنشر الدار كتباً ومجلات باللغتين الإنجليزية والصينية، إضافة إلى نشر مزدوج باللغتين الصينية والإنجليزية. وتتناول مطبوعات الدار الإعلام والمجتمع والثقافة، كما تنشر كتباً في مجالات العلوم السياسية، والاقتصاد، والطب، والعلوم المختلفة.

3- دار نشر جامعة أوها للنساء بسيؤول، كوريا:

وهي تابعة لجامعة أوها التي تأسست عام 1886م من قبل كنيسة تتبع المذهب المنهجيMethodist    وهي أكبر جامعة للنساء في العالم، ومن أفضل الجامعات في كوريا، وتقع في وسط العاصمة سيؤول. ويُعزى إليها فضل عدد من الأوليات في كوريا، منها ـ على سبيل المثال – أن أول امرأة كورية تحصل على الدكتوراه كانت من هذه الجامعة. وهم يوزعون كتيباً يتضمن أسماء الكتب التي نشرتها دار النشر التابعة للجامعة.

4- دار نشر الجامعة الوطنية السنغافورية:

هذه الدار مسؤولة عن نشر كثير من الكتب الأكاديمية ذات السمعة العلمية العالية، ولها نشاط في مختلف بلدان العالم؛ من أمريكا الشمالية إلى أوروبا وأستراليا ونيوزلندا (ليس لهم موزع في العالم العربي لضعف النشر عندنا، أو لضعف توزيع الكتاب العلمي الأكاديمي المتخصص).

5- المؤسسة الكورية للبحوث:

         هي إحدى الجهات الراعية للمؤتمر، بالإضافة إلى جناحها في المعرض، وقد دعت المشاركين إلى حفل عشاء في اليوم الأول. وهذا الحفل يعد من أبرز نشاطات المؤتمرات عموماً؛ حيث يجتمع المشاركون في نشاط واحد، ويتم التعارف بينهم من خلال الاجتماع حول موائد الطعام، أو حتى من خلال الوقوف في الصف لأخذ ما تيسر من طعام (نظام البوفيه المفتوح).

ونشاط المؤسسة الكورية ـ التي تستحق أن يُفْرَدَ لها مقال منفصل لما تقدمه من خدمات جليلة في سبيل نشر الثقافة الكورية وإبراز مكانة كوريا في العالم – حاز إعجابي منه ما تقوم به هذه المؤسسة من رعاية لخمسة وسبعين أستاذاً حول العالم يقومون بتدريس العلوم الكورية المختلفة، وليس اللغة الكورية فقط. وجميل أن تجتمع كل كراسي الدراسات تحت مظلة واحدة؛ فنحن في السعودية حرصنا على أن يكون لدينا عدد من الكراسي العلمية في الجامعات العالمية، ولكن كل كرسي له هيئة ونظام ومشرفون! فحبذا لو اجتمعت كلها تحت مظلة مؤسسة واحدة ترعى جميع تلك الكراسي وفقاً لنظام موحد.

6- بنك التنمية الآسيوي Asian Development Bank:

وأبرز أهدافه – كما هو معلن في مطبوعاته من تقارير سنوية ومطبوعات مختلفة – محاربة الفقر. ويقول الإعلان عن الجناح: إنه على الرغم من النجاحات التي حققتها الدول الآسيوية؛ إلا أن ثلثي فقراء العالم هم في آسيا؛ حيث يعيش ما يقارب البليون وثمانمائة مليون نسمة تحت خط الفقر بدخل أقل من دولارين يومياً.

      وممثل البنك في المعرض أمريكي مختص بالإعلام، وهو مسؤول عن تحرير عدد من مطبوعات البنك ونشرها. وقد قدّم لي عدداً من المطبوعات، منها مجلة اسمها: «التنمية: آسيا»، ومكتوب على غلافها: «هل تستطيع آسيا أن تتحد لمواجهة العاصفة؟ وهو العدد الثالث من المجلة وصادر في أبريل عام 2009م. وقد تعجبتُ أن ينشئ الأوروبيون والأمريكيون بنكاً لمحاربة الفقر في آسيا! فهل هم ممن ينطبق عليه القول: «يقتل القتيل ويمشي في جنازته»؟ أليس الأوروبيون هم الذين تنافسوا على احتلال آسيا ونهب خيراتها قروناً عديدة؟ أليسوا هم السبب الأول في إفقار تلك البلاد؟ أليس الأوروبيون والأمريكيون هم السبب في تخلُّف معظم أقطار العالم بدعمهم أنظمة تربض على قلوب البلاد والعباد؛ فتؤخر نهضتهم وتطورهم؟

لقد قرأتُ لكاتبٍ مرة يقول: إن الدول التي احتلتها بريطانيا، وغيرها من القوى الأوروبية، كانت التنمية فيها بطيئة؛ بينما الدول التي احتلتها اليابان والصين كانت أسرع في البناء والنهضة والتنمية. ويضيف الكاتب: إن الصين واليابان قامتا بإنشاء البنية التحتية في الدول التي احتلتاها؛ بينما لم تفعل ذلك الدول الأوروبية.

       ويزعم البعض أن الاحتلال الفرنسي أو الإنجليزي بنى سككاً حديدية في بعض الدول التي احتلها، ولكن الحقيقة أن هذه السكك كانت لخدمة الاحتلال أكثر منها لخدمة الشعب الذي كان محتلاً، ولذلك فإن كثيراً من هذه المشروعات مات بعد أن رحل الاحتلال الأجنبي.

7- المعهد الدولي للدراسات الآسيوية والتجمع العالمي للدراسات الآسيوية:

هذا المعهد مخصص لدراسات ما بعد الدكتوراه، ومركزه في كل من ليدن وأمستردام. يشجع المعهد الدراسات المرتبطة بمختلف العلوم والمعارف، وكذلك الدراسات المقارنة، كما يشجع التعاون الدولي. وينصب اهتمام المعهد ـ في المقام الأول – على العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية وصلتهما بالعلوم الأخرى. تأسس المعهد عام 1993م (لم أعثر على المعلومة في موقع المعهد، أو المطوية التي وُزِّعت في المعرض، ولكني قرأتها في مكان ما)، وقد تولى المعهد سكرتارية التجمع الدولي لعلماء آسيا منذ عام 2001م؛ حيث عُقد المؤتمر الأول للتجمع في ليدن في العام نفسه، ومازالت بعض المناصب الأساسية في التجمع هي لعلماء من هولندا.

8- معهد دراسات جنوب شرقي آسيا/ سنغافورة:

تضمن جناحه بعض مطبوعاته. ومن المؤلفات التي عُرضت كتاب بعنوان: «وجهات نظر إسلامية للألفية الجديدة»، وقد حوى الكتاب عدداً من البحوث التي تتناول قضايا إسلامية عامة، وقضايا تخص جنوب شرقي آسيا، وقد كتب معظم البحوث أساتذة يعملون في تايوان، وفي أستراليا، وفي الهند، وغيرها من دول جنوب شرق آسيا، ومختصون أوربيون في الدراسات الإسلامية.

9- المركز الفرنسي للبحوث حول الصين المعاصرة:

         معهد حكومي يعتمد في ميزانيته على دعم الحكومة الفرنسية، ومقره في كل من تايبيه بتايوان، وهونج كونج. أبرز أهدافه دراسة التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية في عالم الصين. وبالإضافة إلى البحوث والدراسات التي يخرجها المركز؛ فإنه ينظم عدداً من الندوات والمؤتمرات وحلقات البحث والمحاضرات. وللمركز أكثر من مطبوعة دورية.

10- الأرشيف الكوري للعلوم الاجتماعية:

       يرأسه سيوك هيون – هو Seok, Hyun-ho وهو مؤسسة غير ربحية لجمع المعلومات والبيانات حول العلوم الاجتماعية والآداب. ويضم الأرشيف إحصاءات وأرقاماً تخص المجتمع الكوري من جميع الجوانب.

         وهناك مؤسسات وهيئات أخرى من بعض الدول الأوربية والآسيوية، وقد استرعى انتباهي نشاط جناح «دار روتلدج البريطانية»، وهي مؤسسة عالمية تنشر قرابة ستمائة مجلة علمية ودورية وألفي كتاب سنوياً، ولها اهتمام كبير بآسيا وبالعالم الإسلامي، وبالإسلام على وجه الخصوص.

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *