لمّا كنت قادماً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأحضر مؤتمراً في مدينة دنفر بكولورادو صادف أن هناك مؤتمراً آخر يعقد قبله بأيام في واشنطن العاصمة يعقده مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، وهو مركز يسعى إلى نشر ثقافة الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي من خلال العديد من البرامج وورش العمل، كما أنه ينشط في الولايات المتحدة الأمريكية ليوضح للأمريكيين عدم التعارض أو حتى التوافق بين الإسلام وكثير من مظاهر وأسس الديمقراطية. ومن أبرز أنشطته مؤتمره السنوي الذي كان في هذا العام بعنوان: “حقوق النساء في الإسلام وفي المجتمعات الإسلامية” يوم 10ربيع الآخر 1428هـ (27 ابريل 2007م)
كان مؤتمراً كبيراً حقاً فروح الإسلام واضحة في القائمين عليه فقد كان ضمن البرنامج التوقف لصلاة الجمعة ومعظم المسلمين المشاركين في المؤتمر ذهبوا لأداء الصلاة، بينما حضرت مؤتمراً في القاهرة وفي جامعة حلوان لم يتوقف المؤتمر للصلاة وقليل من ذهب لأداء صلاة الجمعة، ربما لأن هذا المؤتمر كان عن العلاقات الروسية العربية والحوار بين الحضارات فكثير من المشاركين من الشيوعيين القدامى أو المتزلفين لأمريكا الجدد أو ما يطلق عليهم الليبراليين العلمانيين المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وكان عدد الحضور يتجاوز المائة ومعظمهم من النساء الأمريكيات أما المتحدثون فلم يزيدوا على عشرين كثيراً وكان معظم المتحدثات نساء أيضاً. وذكر المنظمون أنهم قدم إليهم أكثر من مائة بحث وبعد فحص البحوث وتحكيمها علمياً اختاروا هذه العشرين.
تحدثت في الجلسة الافتتاحية ممثلة الحكومة الأمريكية وشددت على ضرورة أن يكون التغيير نابعاً من الداخل وأن تنال المرأة مزيداً من الحقوق، وكعادة الأمريكان والنظرة الفوقية تحدثت عن زيارتها لبعض البلاد العربية والإسلامية والتقائها بنساء عربيات مسلمات وأثنت على الجهود الكبيرة لتحقيق مساواة للمرأة ومزيداً من المشاركة. وأشارت إلى تعاون أمريكا مع الجمعيات غير الحكومية، ولكنها لم تعترف أن الجمعيات التي يختارون التعاون معها هي التي تنادي بالتحرر وفق المعايير والموازين الغربية، وقد أكدت باحثة بريطانية في مؤتمر الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط في صيف العام الماضي في مدينة برمنجهام أن الجمعيات الإسلامية أو الحركة النسوية الإسلامية لا تحظى بأي دعم من الجهات الغربية.
شارك في المؤتمر بعض كبار المستشرقين أو المتخصصين الأمريكان في الإسلام والعالم الإسلامي ومنهم تمارا صن Tamara Sonn وقد شاهدتها في مناظرة مسجلة بالفيديو قبل أكثر من خمس عشرة سنة مع المنصّر الأمريكي كينيث كراج. وقد كان حديثها عن الإسلام جيداً، وقد أثنى عليها عدد من طلابها. وكان من بين الحضور باحثة أمريكية متخصصة في الاقتصاد ولكنها مهتمة بالاقتصاد الإسلامي وقد شاركت في العديد من الندوات والمؤتمرات حول الاقتصاد الإسلامي. ولعل هذا يكون مدخلاً لقبولها الإسلام بإذن الله.
ولفت انتباهي في المؤتمر باحثة أمريكية مسلمة تحدثت عن فهم القرآن الكريم من خلال الترجمات الموجودة وقالت إن هذا لا يكفي لا بد من معرفة اللغة العربية ومعرفة النحو والصرف. فمن المؤكد أن بعض الترجمات لا تدرك الإعجاز اللغوي للنصوص القرآنية وقد تلت بعض الآيات الكريمة. لقد كان مستوى قراءتها ضعيف ولكنها تحاول بجد وقد أهديتها بعض تلاوات الشيخ إبراهيم الأخضر، وذكرت لها أن أستاذا ً مغربياً هو الدكتور محمد الكتاني رحمه الله كان متخصصاً في اللغة الإنجليزية واهتم بالترجمات فبذل جهداً كبيراً لدراسة العلوم الشرعية واللغة العربية، وقدم نقداً للترجمات الحالية من خلال ما درسه في النحو والصرف وأبدع في النقد.
وكان من بين المتحدثين شاب تخرج حديثاً من الجامعة والده من السلفادور وأمه يهودية أو أبوه يهودي واهتدى إلى الإسلام وقدم بحثاً وتحليلاً لطيفاً لحركة الإخوان المسلمين في مصر وموقفها من عدد من القضايا، وهو يعمل في مركز بحوث إسلامي. ولكن ما أخشاه أن مثل هؤلاء الباحثين يصبحون أدوات في أيدي الغربيين. ولم أفصح له عن ذلك ولكني أرجو أن تتاح المراسلة بيني وبينه لأوضح له كيف يمكن أن يبتعد عن مثل هذا المزلق الخطير.
وتحدثت في
الجلسة الختامية الدكتورة عزيزة الهبري ([1])
وكان لها آراء لطيفة حيث بدأت بقضية التوحيد وأشارت إلى أن ما يقوله النصارى أنهم
من الأديان التوحيدية أو الإبراهيمية ليس صحيحاً، وتعجبت باحثة سورية أمريكية
الجنسية ومحامية تتناول قضية التوحيد. وكانت تستعين في حديثها بجهاز الكمبيوتر حيث
تعرض الآيات القرآنية وتتحدث عنها وتترجم معانيها. وتناولت كما ذكرت في مقالة أخرى حول ما ذكره
القرآن الكريم عن رفض إبليس للسجود لآدم بحجة أنه أفضل من آدم فهو مخلوق من نار
وآدم خلق من طين، واستشهدت بكلام لأبي حامد الغزالي -رحمه الله- عن أي حوار يتصف
أحد الطرفين بالكبرياء والغطرسة بأنه حوار شيطاني أو إبليسي فليس الأبيض أفضل من
الأسود وليس الأحمر أفضل من الأصفر وهو ما ذكرته الآية القرآنية (يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم) وهو ما أشار إليه الحديث النبوي الشريف (لا فضل لعربي على عجمي ولا
لأبيض على أسود إلا بالتقوى) وفي حديث آخر (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن
ينظر إلى قلوبكم).
[1] – أنشأت الدكتورة المحامية عزيزة الهبري (سورية الأصل) جمعية باسم “الكرامة” وهذا عنوانها على الإنترنت http://www.karamah.org/arabic/news.htm وانظر أيضاً سيرة الدكتوره على العنوان الآتي:
0 تعليق