أنتجت السينما الأمريكية قبل أشهر فيلما بعنوان (قتلة بالفطرة، أو بالسليقة)، وأراد المنتج الأمريكي أن يصدّر هذا الفيلم إلى الأسواق البريطانية فكان لا بد من عرضه على الرقابة على المصنفات الفنية. فترددت الرقابة في رفض الفيلم؛ لأن أعضاء الرقابة انقسموا على أنفسهم فبعضهم يؤيد عرض الفيلم بينما يعارض آخرون. فلماذا هذا الجدال حول فيلم سينمائي والقوم منذ سنين طويلة تضاءلت الرقابة عندهم حتى كادت أن تكون شيئا منسياً.

     هذا الفيلم يتحدث عن فتاة وفتى يجوبان الولايات المتحدة مسلحين ببنادق ضخمة يطلقان منها النار على ضحاياهما من دون سبب سوى التسلية والعبث، ويتجاهلان الاستغاثة وطلبات الرحمة ويفجران وجوه الأبرياء وأعناقهم، ثم يتبادلان الضحك والقبلات على مرأى ومسمع الجميع، وفي النهاية يصيبان ثروة وشهرة لقاء جرائمهما.

    وقد ذكرت جريدة “الحياة ” (اللندنية) في عددها رقم (11579) الصادر في 31/10/1994 أن الشرطة الأمريكية قد أفادت بأن هذا الفيلم كان دافعا مباشراً لعدد من الجرائم، وقد كتب مايكال فيلد -الذي ألف كتاباً عن مخازي هوليود، وكتبت عنه في هذه الصحيفة_ في جريدة نيويورك بوست أن فيلم (قتلة بالفطرة) أكثر خطراً من أفلام العنف العادية لأنه يوحي بأن القتل مثير جنسياً، وتلك رسالة بالغة الخطورة بالنسبة إلى من كان في سن الرابعة عشرة فما فوق.

        وقد ذكرت الحياة أن هذا المنع في بريطانيا سيكون مؤقتا، إذ سرعان ما يرضخ أعضاء الرقابة الفنية للضغوط عليهم لأن شركة وورنر بروذرزWarner Bros. من الشركات الكبرى في صناعة السينما وسيكون هذا المنع المؤقت نوعا من الدعاية للفيلم. وذكر الأخبار أن ايرلندا قد سمحت بعرض الفيلم فيها.

    ومن الطريف أن هيئة الإذاعة البريطانية في قسمها العربي قد قدمت برنامجا عن هذا الفيلم استضافت خلاله عدداً من الذين شاهدوا الفيلم فأكد بعضهم أن الفيلم رائع جداً وأنهم سيشاهدونه أكثر من مرة، بينما قال آخرون أن الفيلم قبيح وإنهم آسفون لمشاهدته. وقد استضاف الفيلم بعض الذين يحملون شهادات أكاديمية عليا فكانوا يروجون للفيلم وكأني بهؤلاء قد ضلوا على علم. وأوضح مقدم البرنامج أن الفيلم كان سبباً مباشرا لعدد من جرائم القتل.

     وهكذا يستمر مسلسل العنف في أفلامهم رغم زعم بعضنا -وهو محق إلى حد ما-بأن الغرب يمارس النقد الذاتي، وهو منفتح على نفسه. ولكن يجب أن ندرك أن هناك قوى كبرى خارجية تفرض عليهم ما لا يرغبون. وأشك أن الفيلم قد أصبح في أشرطة فيديو وغزا الأسواق العربية الإسلامية كما إنه دخل إلينا مع كثير من أمثاله عن طريق القنوات الفضائية.

       فهذه صورة من الغرب كما قال الدكتور عبد القادر طاش بأن علينا حين نتحدث عن الغرب أن نبحث عن المحاسن والمساوئ أو الإيجابيات والسلبيات ولا نكون فقد ممن يرى العيوب فقط أو المحاسن فقط. وان يكون نقدنا حرصا على الإفادة من الدروس التي يمر بها غيرنا. ولعل من هذه الدروس أن بريطانيا رغم انفتاحها على السينما الأمريكية لكنها لا تسمح بأية فيلم قبل إخضاعه للرقابة. فليست الرقابة عيبا في حد ذاتها، ولكن العيب أن لا توجد الرقابة.

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *