رحمك الله يا فيصل العتيبي وتقبّلك في الشهداء الأبرار، فقد قدّمت روحك دفاعاً عن أبنائك وإخوانك وأحفادك ضد شرور تعصف بالعالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ضد عصابات غاب عنها الرشد، بل هي لم تعرف الرشد مطلقاً، عصابات تحمل الحقد على هذا البلد الكريم تريد قتل شبابه وهم أحياء، عصابة تريد أن تحطم قوة الأمة في الحاضر والمستقبل. رحمك الله يا فيصل رحمة واسعة، والعزاء لنا جميعاً في بطل حمل روحه فداءً للواجب.

     ولكن ما هذه السموم التي غزت بلادنا؟ وكيف السبيل إلى النجاة منها، ومن هؤلاء الأشرار الذين كونوا عصابات تحمل السلاح وتحارب وتقتل لتقتل؟ هؤلاء الذين تخلّوا عن واجبهم في البناء والتعمير والتشييد وأخذوا يشيعون الدمار والهلاك، والفساد.

     إنّ الخطب جلل ويحتاج منّا إلى جهود كبيرة للقضاء على هذه السموم قبل أن تستفحل أكثر فأكثر. فإننا بحاجة إلى كل الطاقات في هذه البلاد لنواصل مسيرة البناء، فنحن بحاجة إلى كل جهد وإلى كل السواعد والعقول. فمن عجب أن نتنازل عنها – ولسنا بمتنازلين- لتقع فريسة لعصابات الأشرار التي توزع الموت الأبيض أو الموت الأسود أو أي لون.

     لقد عقد صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية مؤتمراً صحافياً في حج العام الماضي في منى ،وكان من بين الأسئلة التي وجهها الزملاء في الصحافة لسموه الكريم  عن الغزو الفكري والتيارات الفكرية الوافدة فأجاب حفظه الله إجابات شافية أو جامعة مانعة حينما ذكر مسؤولية العلماء والكتاب وأرباب القلم والفكر في مواجهة التيارات الفكرية المنحرفة ، وقد ذكر سموه أن بلادنا مستهدفة من جهات كثيرة يملأ قلوبها الحسد والحقد على ما تحقق لهذه البلاد من أمن واستقرار وتمسك بالشريعة الإسلامية وقيمها ومثلها، فحاولوا بشتى الوسائل أن يبثوا خلالها السموم الفكرية التي تمثل في الأفكار المنافية للإسلام عقيدة وشريعة والسموم  البدنية المتمثلة في المسكرات والمخدرات بأنواعها.

    و سمو الأمير يحفظه الله يدرك تماماً أن العلماء والكتاب وأرباب القلم بيدهم الكثير ليقوموا به للدعوة إلى الخير وإلى الحق، كما إنهم قادرون بإذن الله على محاربة الشرور الفكرية وشرور المسكرات والمخدرات. أليست هذه مهمة العلماء والدعاة فقد جاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين برسالة الكلمة فقد بدأوا يدعون الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد فما أن يتمكن الإيمان بالواحد الأحد حتى يدعوا الناس إلى المنهج الرباني في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية. لقد كان قوم شعيب يعانون من انحرافات اقتصادية حيث كانوا يطففون في الكيل والميزان ويبخسون الناس أشياءهم فدعاهم شعيب عليه السلام إلى الإيمان بالله عز وجل وترك ما هم فيه من انحرافات.

    لذلك فإن العلماء والمفكرين والكتّاب يتحملون مسؤولية كبرى في مواجهة ما يعانيه الشباب من فراغ. فلماذا يلجأ الشباب للمخدرات أو للمسكرات أو أنواع الانحرافات الأخرى؟ وعلينا أن ننظر إلى المشكلة ليس على أنها مشكلة تخص الأبناء والأحفاد الذين ينتشرون في الشوارع والأزقة ولا يجدون من يساعدهم على شغل فراغهم بل إن المشكلة تبدأ بالآباء والمربين فعلينا أن نتوجه إلى هؤلاء نوضح لهم ما يتحملونه من مسؤولية في تربية أبنائهم وأن صلاح الأبناء صلاح لهم ولمجتمعهم.

      ولندرك جميعاً أن فساد الأبناء ينعكس على الآباء وينغص عليهم عيشهم؛ فالشاب الذي يتعاطى المخدرات ولا يجد المال الكافي لإشباع إدمانه فمن أين سيأتي بالمال إنه سيرتكب السرقة والقتل والاغتصاب ليحصل على المال. فهل ترضي أيها الأب أن ترى أموالك تسرق منك أو تغتصب أو ترى أموالك تدمر وتحطم من أجل جرعة لابن مدمن؟ فإن كانت أموالك وممتلكاتك أيها الأب عزيزة عليك أليس ابنك وابن أخيك وابن أخيك أعز من هذه الأموال؟

     إن حرصنا على أبنائنا وأحفادنا أمر تفرضه مصلحتنا الآنية والمستقبلية. فمن منّا لا يريد أن يكون له من أبنائه الابن الصالح الذي يبرّه إذا احتاج إلى برّه، وهل في الدنيا أب لا يحتاج إلى بر أبنائه؟ ونحن نحتاج إليهم إذا غادرنا هذه الدنيا الفانية أليس من النعم الكبرى أن يكون للإنسان ابن صالح يدعو له فما بالك إن كان لك عدد من الأبناء الصالحين يدعون لك؟ ثم هذا المجتمع الذي وفّر لك ولأبنائك من الأمن والاستقرار والتعليم أليس من حقّه عليك أن تحافظ على أبنائك ليكونوا لبنات صالحات يردون بعض الجميل الذي تحمله في عنقك ويحمله أبنائك في أعناقهم لهذا البلد الطيب؟

    ولنلتفت إلى الجانب العملي في هذا المقال فإنني أرجو أن يقوم العلماء وأرباب القلم بالوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور في جميع المجالات، فمن الممكن أن تدعو المؤسسات والشركات والأندية الأدبية والصحف العلماء ليدعو الآباء ليتحملوا مسؤولياتهم في تربية أبنائهم وفي الحرص على هؤلاء الأبناء. وقد أحسنت السعودية صنعاً في أنها أنشأت نادياً لمنسوبيها وهذا النادي يستقبل الآباء والأبناء ويوفر لهم كثيراً من النشاطات، وكذلك فعلت الشركة الموحدة للكهرباء في جدة وليت هذا التقليد ينتقل إلى المدن الأخرى، فما أجمل أن يشترك الآباء والأبناء في نشاطات مشتركة.

      فبالقرب من حديقة كبيرة في المنطقة التي أسكن بها في المدينة المنورة أشاهد يومياً ما لا يقل عن خمسين شاباً يتجولون في الشارع المحيطة بالحديقة لا عمل لهم بينما تقوم فئة قليلة منهم بالتفحيط وغيره بالرغم من حرص إدارة الشرطة على مراقبتهم ومعاقبة من تجده يرتكب بعض المخالفات، ولكني لم أسمع أن الشرطة أمسكت بأحدهم وهو يفحّط وعاقبته أمام الآخرين فيكون في ذلك رادع لهم.   

      رحمك الله يا فيصل العتيبي وتقبلك في الشهداء، وهل نقوم بواجبنا لا جتثاث هذه المصيبة من جذورها؟