الاستشراق الأمريكي .. طبيعته وخلفياته
د/ رشيد بلحبيب
مقدمة
مازال موضوع الاستشراق الشغل الشاغل للمثقف العربي الذي تحول فجأة – مع أمته- من ذات دارسة مستكشفة، إلى موضوع تحت المجهر والتشريح، وما زالت الحاجة تدعو- وبإلحاح يزداد مع الأيام – إلى دراسة الاستشراق وخطاباته عبر تحولاته، دراسة فاحصة متعمقة للوقوف على تفصيلاته الدقيقة وخلفياته المحجبة، في أفق ما يسمى بالعولمة، حيث أصبح العالم قرية تحكم بالنار والحديد، تضخمت فيها إمبراطوريات الشركات العابرة للقارات حتى أصبحت تتحكم في الدول بعد أن سلبتها السيادة، في عالِم سيطرت فيه الديمقراطيات الميكانيكية، وطغت فيه المعلوماتية، وفقدت فيهِ القيم القانونية والإنسانية والأخلاقية، وتسلط فيهِ الشمال/ الغرب، على الجنوب / الشرق، بعد أن استنزفه واستعبده، ويسعى حاليا إلى تدمير هويته وطمس خصوصياته الدينية واللغوية والحضارية، باسم العولمة.
” لقد حدد الغرب الشرق كوحدة من النواحي الجغرافية والثقافية والاجتماعية، عبر تقسيم معين للواقع الإنساني، يوحي ضمنا بهوية صانع مفهوم الشرق، وبذلك فإن الغرب بتحديد ما هو شرقي بالنسبة إليه، إنما يأخذ بمعيار من إنتاجه لمفهوم الاستشراق، هو الجغرافيا والتاريخ والأوضاع الخاصة بتلك الوحدة / الشرق، التي يتم النظر إليها على أنها تختلف اختلافا بينِّا عن الغرب” (1)
وبالرغم من تعدد التحديدات التي وضعت للاستشراق، إلا أنها لا تكاد تخرج عن دلالات ثلاث
1- دلالة أكاديمية: فكل من يقوم بتدريس الشرق أو الكتابة عنه، فهو مستشرق، ويسمى فعله استشراقا.
2- أسلوب من الفكر القائم على تمييز وجودي = انتروبولوجي، ومعرفي = ابستمولوجي بين الشرق والغرب.
3- أسلوب غربي للسيطرة على الشرق واستبنائه وامتلاك السيادة عليه، وهو مذهب سياسي مورس إداريا على الشرق.(2)
ومع أن مصطلح الشرق / الرقعة، يضم العالم العربي في آسيا وإفريقيا وصولا إلى الهند والصين ومناطق ما وراء البحار، إلا أن الموضوع سيعنى بمعالجة ما يخص العرب والإسلام في المنطقة العربية، أي ما اصطلح الاستعمار/ الاستشراق على تسميته شرقا أوسط.
لقد كان في طليعة الذين قصدوا الشرق كموضوع للمعرفة، وكميدان للنشاط العلمي، ولا سيما في القرن التاسع عشر شخصيات غربية من الخاصة (رحالة ومغامرون ومبشرون وجامعيون ورجال أعمال وعسكريون ولغويون وانتروبولوجيون ومؤرخو الحضارات وأركيولوجيون وموظفو الدوائر الحكومية) وقد أسهم بعض هؤلاء في التعرف على المواقع المحتواة، أو المرشحة للاحتواء، وأضيف إليهم منذ أوائل القرن العشرين: التربويون ورجال المخابرات والمؤرخون الاقتصاديون ومتدربو الشركات وخبراء الأسواق التجارية والسياسية وذوو النوايا الطيبة من المهتمين بحوار الشرق والغرب، وعلاقة المسيحية بالإسلام (3)
تقترب البدايات الاستشراقية التمهيدية من أن تكون محاولات وأعمالا فردية يمتزج فيها العلم بإنتاج الصور الغرائبية والأساطير والخرافات عن عالم الشرق، أما البداية الرسمية للاستشراق فيؤرخ لها اعتبارا من صدور “قرار مجمع فيينا الكنسي “عام 1312م، بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في اللغات العربية واليوناينة والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا…
وبدأ يزدهر بصورة جدية في فترة ما يسمى : عهد الإصلاح الديني في أوربا خلال القرن السادس عشر، وقد سجلت الموجة الأولى من الانتشار الجدي للاستشراق تشكيل جمعيات استشراقية (باتافا 1781م، الجمعية الملكية الآسيوية بلندن 1843م، الجمعية الآسيوية بباريس 1822م، الجمعية الأمريكية الشرقية 1842م)
وفي المرحلة الثانية ظهرت مؤتمرات المستشرقين التي انعقد أولها بباريس عام 1877م، وتجاوز عددها حتى الآن ثلاثين مؤتمرا.(4)
وعلى الرغم من أن الاستشراق يمتد بجذوره إلى ما يقرب من ألف عام مضت، فإن مفهوم مستشرق orientalist لم يظهر في أوربا إلا في نهاية القرن الثامن عشر، فقد ظهر أولا في إنجلترا عام 1779م وفي فرنسا 1799م، وأدرج مفهوم الاستشراق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام1838 م (5).
ثم عرف الاستشراق أوجه عبر تضخم مؤسساته، وتعدد مناهجه، وتنوع مشاربه وغاياته ليبدأ بعد ذلك في الانحسار، في شكله التقليدي
1- انحسار الاستشراق التقليدي وظهور الاستشراق المعاصر:
أ – انحسار الاستشراق التقليدي
لقد عاش الاستشراق أزهى فتراته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين…وشهدت تلك الفترة جيل العمالقة من المستشرقين، وأضخم الأعمال في مختلف ضروب المعرفة، لكن الأوضاع بدأت تتبدل، ففي عام 1973م عقد مؤتمر المستشرقين الدولي بباريس ليكون آخر مؤتمر دولي يحمل هذه التسمية، فقد ألغي مصطلح “استشراق “وأصبح التجمع يحمل اسم “الجمعية الدولية للدراسات الإنسانية حول آسيا وإفريقيا “ثم أصبح” الجمعية الدولية للدراسات الآسيوية والشمال إفريقية “، وأصبحت مؤتمراته تحمل اسم ” مؤتمرات العلوم الإنسانية الخاصة بمناطق العالم الإسلامي”
ولعل من الأسباب التي أدت إلى إلغاء المصطلح:
1- الحمولة السيئة التي دلت عليها كلمة استشراق بعد أن كثرت الكتابات الإسلامية وغير الإسلامية، المنتقدة لأعمال المستشرقين وسلوكهم الاستعماري والتجسسي والعنصري…
2- لم يعد المستشرقون أنفسهم ينظرون إلى العالم الإسلامي بوصفه مصدراً للعلم والمعرفة، كما دلت التسمية في أصلها وفق المعاجم الغربية (بعد أن استنزفوا مكتباته، وهجَّروها وترجموا نفائسها وحققوا مخطوطاتها وطمسوا معارفها وغطوا آثار الجريمة).
لقد أفاد الاستعمار من الاستشراق التقليدي، الذي كان بمثابة دليل له في شعاب الشرق وأوديته، بما قدمه إليه من معارف، فالمعرفة – كما يقول الدكتور محمد البهي– تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدا من المعرفة، فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية”(6)
إلا أن كثيرا من المستشرقين لم يسلموا بأفول نجم الاستشراق الاستعماري بجميع تبعاته، فالشيء المهدد بالزوال كما يقول رودنسون، هو سيطرة الدراسات الفيلولوجية، فقد كان هناك اتجاه سائد في الحركة الاستشراقية لفترة تزيد عن قرن من الزمان ترتكز على التدريب الفيلولوجي بوصفه كافيا لحل جميع المشاكل الناشئة ضمن ميدان لغوي محدد(7)
بمثل هذه الملاحظات، بدأ الاستشراق يعد نفسه للدور الجديد، يقول أحد المستشرقين الألمان:” لقد آن الأوان كي يبتعد المستشرقون عن اللهجات العربية ويعدوا أنفسهم لتقبل الدور الجديد كطاقة فاعلة في خدمة العلوم الاجتماعية وكاحتياطيين للقيام بعملية الترجمة والشرح في ميادين العمل المختلفة”
ب- ظهور الاستشراق المعاصر:
لقد قام الاستشراق التقليدي بتغيير جلدته – موضوعا ومنهاجا- ليتناسب مع المرحلة الجديدة… التي لها علاقة بقضايا العالم الإسلامي والتي لم تعد الفيلولوجيا وتحقيق النصوص التراثية والأدبية تفي بالطلب فيها، وذلك بالتركيز على:
– المناحي السياسية: نشأة الدول العربية الإسلامية، وأنواع حكوماتها، وسياساتها الداخلية والخارجية، والعلاقات بين الحكومات وشعوبها…
– الأوضاع الاقتصادية من حيث الثروات الطبيعية، وبحث سبل الهيمنة عليها تصنيعا وتسويقا، وإغراق أهلها بالديون …
– الصحوة الإسلامية، التي اعتبرها مزاحما قويا، ومنافسا حقيقيا يحول وحده دون غيره دون العربدة في ديار المسلمين بالأزياء المختلفة…
– توظيف تقنيات وأساليب جديدة في البحث والرصد، مع استخدام المناهج السوسيولوجي والانتروبولوجية والسيكولوجية والإحصائية والتاريخية واللسانية، وإعلان النزاهة والجدية والحياد …
وعلى الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكتاب المسيحيين عن الإسلام، فإنهم -كما يقول المستشرق نورمان دانييل- لم يتمكنوا من أن يتجردوا منها تجردا تاما كما يتوهمون “(8)
وما تزال “آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية” على حد تعبير برنارد لويس. (9)
وفهم هذه الصليبية الجديدة في الاستشراق المعاصر ليس أمرا عسيرا، ذلك أن جذور العداء العميقة الموغلة في العقلية الغربية ليس من السهل اجتثاثها، فهناك أدلة كثيرة تشير إلى الروح العدائية القديمة، ما تزال تنفث الحياة في كثير من الكتابات التي تمر تحت اللافتة الأكاديمية، ويتضح هذا أيضا في عرض الشئون العربية والإسلامية المعاصرة في وسائل الإعلام الغربية اليومية.(10)
مما سيرسم لاحقا ملامح الاستشراق الأمريكي، ويطبعه بطابع خاص .
2- الاستشراق الأمريكي، النشأة والتوجه:
يعتبر الاستشراق الأمريكي امتدادا واستمرارا للاستشراق الأوربي، وارثا مجمل تصوراته الجاهزة عن العالم العربي والإسلامي، وترجع أولى التفاتات أمريكا إلى الشرق إلى سنة 1810م عبر إرساليات التبشير التي تعد” الجمعية التبشيرية الأمريكية” أهم مؤسساتها .
لقد اتسعت أعمال هذه الجمعية اتساعا هائلا حتى بلغت اللجان التي شكلتها من الوطنيين في مناطق التبشير 568 لجنة اشترك فيها 73 ألف مواطن … وقد كانت هذه الجمعية تهتم بأمر التبشير في بلاد تركيا وسوريا وفلسطين ، لأنها لا ترغب في ترك البلاد التي كانت مهبطا للتوراة تحت سيطرة الإسلام.(11)
إلا أن الاستشراق الأمريكي بدأ عمليا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وجدت أمريكا نفسها مضطرة لتحل محل بريطانيا في المشرق العربي، يشير مايكلز كوبلاند ضابط المخابرات الأمريكي إلى أن بريطانيا حينما قررت التخلي عن مركزها في الشرق الأوسط ، طلبت من أمريكا أن تحل محلها (12)
وقد وجدت أمريكا رصيدها من معرفة الشرق الإسلامي ضئيلا جدا، فحاولت الحكومة الفيدرالية استدراك هذا العجز، حيث أصدر مجلس الشيوخ مرسوما عام 1958م باسم “مرسوم مجلس الدفاع القومي للتعليم” كان له أثر كبير في تشجيع الاهتمام بالدراسات العربية والإسلامية، وفي عام 1965م أصبحت اللغة العربية تدرس في خمسة عشر مركزاً، أنشئت بأموال قدمتها الحكومة الفيدرالية، وتأسست عام 1959م “الرابطة الأمريكية لدراسة الشرق الأوسط”
وفي عام 1964-1965م بلغ عدد الجامعات الأمريكية التي تقدم برامج دراسات عليا حول الشرق الأوسط أكثر من ثمان وعشرين جامعة، تحتوي برامجها على 850 مادة، ويصل عدد الأساتذة العاملين بها إلى أكثر من 300 أستاذ.(13)
وقد أصدرت “رابطة دراسات الشرق الأوسط” كتاب المعلومات السنوي لعام 1992م، ويضم بين دفتيه أسماء عدة آلاف من الباحثين في شئون الشرق الأوسط وفي شتى المجالات .
لقد خططت الولايات المتحدة لدورها الاستعماري الجديد بعناية، ووظفت الاستشراق ورسمت لذلك ما أسمته “سياسة العلاقات الثقافية”، وقد أفصح مرتيمر جراف عن جانب هذه السياسة الثقافية قائلا: “إن العملية الهائلة لتجميع المطبوعات المتميزة في لغات الشرق الأدنى الصادرة منذ 1900م وحتى اليوم، والنظر فيها وفحصها، إجراء يتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وهو من أجل فهم أمريكي أفضل للقوى التي تناوئ أو تنافس الفكرة الأمريكية، وأهم هذه القوى … الإسلام ” (14)
ومنذ ذلك الحين تمحور النشاط الاستشراقي الأمريكي حول السبل التي تتيح للولايات المتحدة بسط هيمنتها على المنطقة العربية والعالم الإسلامي، فأصبح كل ما يطلب إلى الاستشراق أن يؤديه، هو مساعدة المؤسسة الأمريكية على إنجاز تطلعاتها في الهيمنة على مقدرات الشرق، وضمان الحماية الكاملة لإسرائيل.
3- طبيعة الاستشراق الأمريكي :
لقد كان الاستشراق الأمريكي على اتصال وثيق بالاستشراق البريطاني، مما جعل خصائص الثاني تكاد تنتقل بكاملها إلى الأول، مع تفرد الاستشراق الأمريكي بمجموعة من الخصائص التي حددت طبيعته، وأشير إلى أنني أفدت في هذا العنصر من البحث من المجهود الطيب الذي بذله الدكتور مازن مطبقاني- أستاذ الدراسات الاستشراقية- في تشريح الاستشراق الأمريكي من خلال أطروحته ” الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي “، أو من خلال مقاله “الاستشراق والقضايا المعاصرة”، أو من خلال موقع “مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق” على شبكة الإنترنيت، ويمكن إجمال خصائص الاستشراق الأمريكي في النقط الآتية :
أ – استقطاب الطاقات البشرية لخدمة الأمن القومي عبر الاستشراق:
استقدمت الجامعات الأمريكية كثيراً من المستشرقين الإنجليز لدعم الدراسات العربية والإسلامية لديها، وكان من هؤلاء هاملتون جب الذي استقدمته جامعة هارفرد ليؤسس قسم دراسات الشرق الأوسط، كما استقدمت جامعة كاليفورنيا المستشرق جوستاف فون جرونباوم، وقدمت دعوات لأساتذة زائرين كان من أبرزهم برنارد لويس.(15)
كما استعان الكونجرس الأمريكي بخبرات المستشرقين الذين عملوا في العالم الإسلامي، لتقديم ثمرة خبراتهم له في جلسات خاصة، وكان من بينهم مستشرقون يهود بصفتهم الأوربية لا اليهودية، وقد نشرت محاضر الجلسات في كتاب بلغت صفحاته 442 صفحة.
كما توسع الاستشراق الأمريكي في الاستعانة بالباحثين العرب، ليس في مجال تدريس اللغة العربية فحسب ، بل في مختلف المجالات العلمية، ولعل من أقدمهم :
– فيليب حتي: مؤسس قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون ورئيس هذا القسم، وقد جاء إلى برنستون بتأثير من الرئيس ويلسون وصديقه بايارد دودج رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، وكذلك بتأثير جمعيات تنصيرية.
– ومن هؤلاء أيضا: جورج حوراني، وشارل عيساوي، وجورج مقدسي، وفوزي متري نجار، وفضل الرحمن الذي عرف بعداوته للمسلمين، وكان رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة شيكاغو، وعبد الله حمودي المغربي، وحسن مدرسي الإيراني …(16)
ب-استمرار الأهداف والأنشطة التنصيرية :
تكاد معظم الدراسات العلمية التي أرخت للاستشراق تجمع على أنه نشأ في رحم الكنائس، وترعرع في أحضان الأديرة النصرانية، يقول الدكتور محمد البهي:” إن الحروب الصليبية تركت في نفوس الأوربيين ما تركت من آثار مرة وعميقة وجاءت حركة الإصلاح الديني، فشعر المسيحيون الأوربيون بحاجات ضاغطة لإعادة النظر في شروح كتبهم الدينية لمحاولة تفهمها على أساس التطورات الجديدة التي تمخضت عنها حركة الإصلاح، ومن هنا اتجهوا إلى الدراسات العبرانية، وهذه أدت بهم إلى الدراسات العربية فالإسلامية، لأن الأخيرة كانت ضرورية لفهم الأولى، وبمرور الزمن اتسع نطاق الدراسات الشرعية حتى شملت أديانا ولغات وثقافات أخرى. ومن جهة أخرى رغب المسيحيون في التبشير بدينهم بين المسلمين، فأقبلوا على الاستشراق ليتسنى لهم تجهيز الدعاة وإرسالهم إلى العالم الإسلامي، والتقت مصلحة المبشرين مع أهداف الاستعمار، فمكن لهم واعتمد عليهم في بسط نفوذه في الشرق”(17)
ولهذا يمكن القول مع بوسوورث Bosworth: “إن تاريخ الاستشراق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرون الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين الديني والإيديولوجي(18)
وقد سبقت الإشارة إلى أن الاهتمام الأمريكي قد انصب منذ البداية على الحملات التبشيرية التي قذف بها إلى الشرق للتبشير بالمسيحية، مقتفيا آثار الاستشراق الأوروبي، حيث أسست البعثة العربية سنة1889م التي حدد هدفها بتنصير الجزيرة العربية انطلاقا من الساحل، واستمرت بالعمل حتى عام 1971م. كما عقد في ولاية كولورادو “مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين” في 15/10/1978م حضره أكثر من150 مندوبا من طائفة المسيحيين البروتستانت يمثلون دولا وكنائس من جهات مختلفة، وحتى تتضح الصورة سوف نلقي نظرة عجلى على أهم الموضوعات التي أثيرت في المؤتمر:

الكنائس التعاونية الديناميكية في المجتمع الإسلامي .

صدام القوة في تحويل المسلم عن دينه.

محاولات نصرانية جديدة لتنصير المسلمين .

تحليل مقاومة واستجابة الشعوب الإسلامية .

الصدام النصراني الإسلامي وكيف الحل ؟

الوضع الحالي لترجمات الإنجيل إلى لغات المسلمين .

شبكة المخيمات التبشيرية في البلاد الإسلامية .

استخدام الغذاء والصحة كعنصرين في تنصير المسلمين …(19)
كما اهتمت المؤسسات التبشيرية بالجانب الإعلامي، حيث أصدرت عددا من المجلات التي تخدم أهدافها نذكر منها :
– مجلة “جمعية الدراسات الشرقية” أنشأها المستشرقون الأمريكيون بولاية أوهايو، وكان لها بعض الفروع بأوربا وكندا.
– مجلة ” شئون الشرق الأوسط “تصدر بأمريكا، ويحررها عدد من المستشرقين المعروفين بعدائهم للعرب والمسلمين .

مجلة ” الشرق الأوسط ” …(20)
ولعل من أبرز المبشرين العاملين : الدكتور لايسنج، وجيمس كانتين، وصمويل زويمر، وفيليب قليس …
يقول المستشرق ميدا يرل أحد أساتذة التاريخ الإسلامي في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة: “ماذا يمكن أن يقال عن أعمال التبشير الأمريكي في الشرق الأدنى بعد قرن كامل من الدهر؟ يمكننا أن نحشد إحصاءات هائلة تتعلق بملايين الدولارات، وبألوف النفوس التي ضحت في هذا السبيل … إن نفرا من هؤلاء الرجال والنساء أمثال: سبرسن هملن، ودانيال بلس (أول رئيس للجامعة الأمريكية في بيروت) وماري ميلر باتريك …كانوا علماء وضباط احتياط بين الشرق والغرب، وكذلك كان نفر آخرون منهم معلمين كبارا وأطباء مرموقين يشترط فيهم طول الأناة والصبر” (21)
ج – العناية الفائقة بالظاهرة الإسلامية :
يقول المستشرق ساذرن: “لقد كان الإسلام يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوربا وأمريكا على حد سواء” (22) وقد عبر ماكسيم رودنسون عن مثل هذا بقوله: “كان المسلمون خطرا على الغرب قبل أن يصبحوا مشكلة، كما كانوا في نفس الوقت عامل اهتزاز شديد في بناء الوحدة الروحية للغرب، وأنموذجا حضاريا يجتاز بتفوقه وبحركته الإبداعية، وقدرته الهائلة على الانفتاح والاستيعاب، إذ أنه، وفي مواجهة تقدم هذا النموذج عبّر مثقفوا الغرب عن شعور عام بالاندهاش أمام الإسلام، وبدا لهم وكأنه خطر على المسيحية “(23)
واعتبر في الحاضر عائقا حديديا في طريق بسط النفوذ، لذلك أولته الدوائر الحكومية والاستشراقية عناية خاصة، ونظرت إليه على أنه مزاحم قوي يجب اجتثاثه وتجفيف منابعه، وبدأت حربها الإسقاطية بتحويل مصطلحات الأصولية والتطرف والإرهاب بحمولتها المسيحية اليهودية إلى الحركات الإسلامية، عبر الماكينة المعرفية والإعلامية الأمريكية.(24)
ولم يكتف الاستشراق الأمريكي بدراسة الإسلام وصلته بالتصوف كما فعل الاستشراق التقليدي، بل انتقل إلى دراسة المجتمعات الإسلامية ذاتها دينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا …كما درس العلاقة بين الشعوب والمجتمعات الإسلامية والخلافات القائمة والكامنة فيها، ومدى صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق كما ركز المستشرقون على ما أسموه بالإسلام السياسي والحركات الإسلامية ومناقشة برامجها وطموحاتها …
يشير أليسوا في كتابه “اختفاء الهلال”، إلى أن الأمريكيين قد ورثوا عن أوربا المسيحية شبح الإسلام كدين ولد من طغيان، يؤيد القمع الديني والسياسي والجمود الاقتصادي، وبناء على هذه الفرضية، لم يهتم الأمريكيون بما إذا كان هذا الوصف للإسلام صحيحا أم لا، ولكنهم أخذوا به لأنه مناسب لهم سياسيا. (25)
ويكشف أليسوا أن استطلاعا للرأي أجراه معهد جالوب سنة 1994م – لمقارنة آراء الشعب الأمريكي وزعمائه الذين يتولون مراكز رفيعة – عن الإسلام أن شريحة من الأمريكيين تبلغ 36% قالت: إن توسع الأصولية الإسلامية يمثل خطرا بالغا على المصالح الحيوية الأمريكية، وفي المقابل أوضح الاستطلاع أن الزعماء الأمريكيين أكثر ميلا من الجمهور لاعتبار الأصولية خطرا إذ أجاب 52% بأنها تهدد المصالح الأمريكية.(26)
يقول ريجان الرئيس الأسبق لأمريكا: “لا أعتقد أنكم تستطيعون المغالاة في تقدير أهمية ظهور الأصولية الإسلامية بالنسبة لبقية العالم في القرن المقبل، خاصة إذا وضعت أشد عناصرها تعصبا –وهذا يبدو ممكنا– يدها على أسلحة نووية وكيماوية، ووسائل إطلاقها ضد أعدائهم”
وقد أوحى تجار السياسة من المستشرقين للمؤسسات الأمريكية بالتوصيفات التالية :
“لا بد من دعم أي جهة تسعى إلى محاربة هؤلاء الأصوليين الإسلاميين ، حتى لو تطلب ذلك دعم القمع، وانتهاك حقوق الإنسان، وإضعاف العملية الديمقراطية والتحالف مع الشيوعيين بل حتى المنظمات الإرهابية …كذلك لا بد من اتباع سياسة نشطة قادرة على احتواء وإضعاف ما يمكن اعتباره مكاسب حققها الإسلام الأصولي …من خلال كفاح عسكري تقدمي ضد الإسلاميين لا اعتذار فيه، وعدم المطالبة راهنا في الشرق الأوسط بالديموقراطية، حتى تخمد حركة المد الإسلامي المزاحم، أو يتم قمعها من قبل الأنظمة الشمولية المتسلطة المدعومة من أمريكا “(27)
وهكذا فقد أخذ الاستشراق المعاصر على عاتقه مهمة التحرش ضد القوى المناوئة للفكرة الأمريكية، وعلى رأس هذه القوى كما حددها جرافز، الشيوعية والإسلام، أما وأن الشيوعية اليوم قد اندحرت، فإن الإسلام قد بقي ليمارس الاستشراق المعاصر ضده التشويه والتحريض!
وما زالت هذه الصورة المشوهة المشحونة بالعداء تتنامى في الدراسات الاستشراقية، وفي وسائل الإعلام بوجه عام، وفي أمريكا بوجه خاص (28)
د- العناية بالدراسات الإقليمية :
تعتبر الدراسات الإقليمية/ دراسة المناطق، تطورا ومنحى جديدا في الدراسات الاستراتيجية الأمريكية، فقد أصبح لهذه الدراسات أقسام خاصة بها في كثير

0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *