راسلنا أضفني للمفضلة ضع مركز المدينة موقعاً إفتراضياً لجهازك
       
   

- تعريف الاستشراق
- نشأة الاستشراق
- وسائل الاستشراق
- أهداف الاستشراق
- مناهج الاستشراق
- أساليب الاستشراق
- آثار الاستشراق
- الظاهرة الاستشراقية
- حقيقة نهاية الاستشراق
- أزمة الاستشراق
- السعودية والاستشراق

- المدرسة الإيطالية
- المدرسة الهولندية
- المدرسة الفرنسية
- المدرسة الإنجليزية
- المدرسة الأمريكية
- المدرسة الألمانية
- المدرسة الإسبانية
- المدرسة الروسية
- دول أوروبا الأخرى
- في العالم الإسلامي
- طبقات المستشرقين

- المؤتمرات
- نموذجان للمؤتمرات العلمية
- المؤتمرات الاستشراقية الحديثة
- نظرة إلى المؤتمرات في بلادنا
- ندوة صحيفة عكاظ حول الاستشراق
- ندوة الحج والإعلام بجامعة أم القرى
- قراءة ثقافية في تاريخ دورات الجنادرية
- المهرجان 12- الإسلام والغرب
- المهرجان 17: الإسلام والشرق
- المناشط الثقافية في الجنادرية 18
- المؤتمر الدولي الثاني
- المؤتمر العالمي 1 حول الإسلام والقرن 21
- مؤتمر حول الإسلام في هولندا
- الاستشراق والدراسات الإسلامية -المغرب
- المؤتمر الدولي 35
- الرحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية
- ندوة إعلامية في جامعة نيويورك
- المؤتمر6 لجمعية القراءة العربية
- المؤتمر24 لجمعية أهل الحديث
- المؤتمر8 لكلية الإعلام بجامعة القاهرة
- المؤتمر العالمي1 بألمانيا
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي
- المؤتمر العالمي37
- مؤتمر التغيّر الديني في سياق متعدد بجامعة ليدن
- المؤتمر الدولي عن التغيرات الدينية في سياق متعدد بجامعة ليدن أغسطس 2003م
- ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل
- ندوة عن الاستشراق في تونس ، 22-24فبراير 2005م
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي الإسلام والغرب
- مؤتمر حول الاستشراق وحوار الثقافات في عمّان بالأردن أكتوبر 2002م
- برنامج المؤتمر الثاني والعشرين الاتحاد الأوربي للمستعربين والمتخصصين في الإسلام كراكو- بولندا29 سبتمبر -2 أكتوبر 2004م.

- القرآن الكريم
- الاستشراق والحديث
- المستشرقون والفقه
- الاستشراق والسيرة النبوية
- الاستشراق والتاريخ الإسلامي
- الاستشراق والأدب العربي
-

- القضايا المعاصرة

- بليوغرافيا
- رسائل علمية
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا عن الاستشراق الفرنسي زين الدين بوزيد
- مُرَاجَعَاتٌ فِي نَقْدِ الاِسْتِشراق مُقَدِّمَاتٌ لِرَصْدٍ وِرَاقِيٍّ (بِبْلِيُوْجْرَافِيٍّ)

- موقف الغرب من الإسلام
- موقف المسلمين من الغرب
- الإسلام والغرب حوار أم مواجهة؟

- الاستغراب
- معرفة الآخر
- مصطلح الاستغراب
- دعوة لدراسة الغرب
- كيف ندرس الغرب؟
- نماذج من دراستنا للغرب
- الرد على منتقدي دراسة الغرب
-
- وَحدة دراسات العالم الغربي والدراسات الإقليمية
- متى ينشأ علم الاستغراب؟؟

- المرأة المسلمة في نظر الغرب
- المرأة المسلمة وقضاياها
- المرأة الغربية وقضاياها المختلفة
- الطفل

الباحثون

اسم الباحث :د. سمية كمال محمد حسن د. سمية كمال محمد حسن د. سمية كمال محمد حسن د. سمية كمال محمد حسن

الجنسية : مصرية

.: معلومات إضافية :.


عمر بن الخطاب"رضي الله عنه" فى مرأة الاستشراق الاسرائيلى
كتابات "حافا لازروس " نموذجاً"
د. سمية كمال محمد حسن



إن التواصل مع الثقافات الآخرى يعد مطلباً أساسيا من متطلبات الحياة حثنا عليه الإسلام منذ خمسة عشر قرناً من الزمان فى قوله تعالى "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" الحجرات 13 .
ومن هذا المنطلق كان حتما على الجميع بصفة عامة والمسلمين بصفة خاصة التواصل مع الآخر من أجل تصحيح المفاهيم وتقريب وجهات النظر وخاصة بين من احتدم بينهم أوار الخلاف والغضب والصراع والجدل . ولايتأتى ذلك إلامن خلال لغة حوارية واحدة تُهيأ لأصحابها مناخ الحوار الهادئ البنًّاء لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر وهو ماحثنا عليه الرسول الكريم فى الحديث الشريف بحثه الصحابه على تعلم لغة الأقوام الآخرين .
ومن هنا يقع العبأ الأكبر على دارسى اللغات حيث يشكلون همزة الوصل بين ثقافة الأنا والآخر والجسر الذى يعبر عليه بنى جلدتهم للتواصل مع الآخرين.لذا فإن الباحث فى لغات وثقافات الشعوب يمتلك سلاحاً ذا حدين يتطلب من صاحبه المهارة والموضوعية فى عرض فكر الآخر حيث أن لغة الحوار والسرد قد تُحدث تقارب مع الآخر لو عُرضت بموضوعية ،أما لو شاب العرض شائبة التحامل أوسؤ الفهم أوتعمد التأويل الخاطىء للأمور؛ فإن هذا العرض ينقلب إلى بؤرة صراع تأجج نار الفرقة والتباعد مع الآخر وتقطع أواصل التواصل بينه وبين الآخرين وتفرز صراعات جديدة تزيد من هوة التباعد وتقطع جسر التواصل بينهم. ومن ثم أصبح لزاما على من يخوض فى تلك المجالات أن يتواخى الحذر الشديد عند عرض فكر الآخر لاسيما إذا كان هناك أساسا تنافر وصراع على قضايا شائكة وحساسة تمس الموروث العقدى للطرفين وتنسحب على حق كل منهما فى الحياةالآمنة. وهو ما تمليه علينا طبيعة البحث فى كل مايكتبه الاسرائيليون عن الاسلام والمسلمين وخاصة عن الفرق والطوائف الاسلامية.
فإننى هنا أحاول بقدر الإمكان عرض الصورة التى رسمتها احدى المستشرقات الاسرائيليات لأمير المؤمنين"عمر بن الخطاب" الخليفة الثانى للمسلمين بعد رسول الله "صلى الله عليه وسلم"وحاولت من خلالهاعرض ما اسمته بظاهرة "الشخص الثانى" فى الأديان والفِرق والطوائف. مركزةً على علاقة" عمر بن الخطاب" بالنبى صلى الله عليه وسلم" والأحداث والمواقف المختلفة التى تبادَلا فيها الآراء حول بعض الأمور العقدية، وعن موقف "عمر بن الخطاب"من" النبى" وموقف" النبى" من" عمر بن الخطاب".
وموقف الشيعة من "على بن أبى طالب ""رضى الله عنه"على إعتبار أنه يمثل الرجل الثانى فى الاسلام بعد الرسول "صلى الله عليه وسلم" والمنافس لعمر بن الخطاب على هذه المكانه من وجهة نظر الشيعة ولايخفى على أى حاذق مدقق لما يحدث اليوم على الساحة العربية والاسلامية "خاصة فى العراق ولبنان إيران "الهدف المرجو من هذا العرض .
والذى يزيد من خطورة هذا البحث ويدق للعرب والمسلمين أقواس الحذرأن نعرف أنه نشر على هيئة فصل من كتاب صدر باللغة الإنجليزية منذ مايقرب من ستة وعشرين عاماً ويوزع عالمياً منذ عام 1981وهو ماينبأنا بأننا تأخرنا كثيرا فى التواصل أولا: فيما بيننا بإصلاح ذات البين، وثانيا: فيمابيننا وبين الآخر لايجاد لغة تحاور بيننا وبينه تصحح له تلك المفاهيم الخاطئة عن الاسلام التى يبثها عن عمد أوعن سوء فهم ويتلمس دليله عليها من حال المسلمين اليوم والاسلام منها براء.وأننا تركنا الأمور تسير على أعنتها حتى استفحلت وربت.

لذا فإن الهدف من هذا البحث هو:
أولاً :عرض الصورة التى يرانا عليها الآخر بغرض تنقيتها مما
علق بها من أدران الفرقة والخلاف والشبهات .
ثانياً:محاولة تقريب وجهات النظروخلق قنوات من الحوار مع الآخر بهدف
تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لديه.
ثالثا: معاونة صانع القرار فى فهم كيف يخطط الآخر للتعامل مع هذه الأمة،
وإلى أى مدى يذهب الباحثون والمفكرون فى التنقيب فى تاريخ الأمة
لفهم كيفية التعامل مع حاضرها ومستقبلها.
خطوات الدراسة والمنهج:
1-التعريف بالمستشرقة الاسرائيلية ومكانتها فى الحركة الاستشراقية
الاسرائيلية ومنهاجها فى عرض الاسلام.
2-عرض ملخص لبحثها وأهم النقاط التى ركزت عليها .
3-- دراسة ماأسمته "حافا" ظاهرة الرجل الثانى فى الأديان ودرأالشبهات
التى تحاول بثها حول شخصية "عمر بن الخطاب"الذى شبهته
"ببولس"الرجل الثانى لدى النصارى على حد قولها.
4-- تقييم الهدف المرجو من وراء بث تلك الآراء والأفكار بين وحدات الجيش
الاسرائيلى .



أولاً : التعريف بالمستشرقة الاسرائيلية"حافا لازروس يافيه":

ولدت "حافا" عام 1930م فى مدينة "فيسبادن" ( )"Wisbaden" بوسط ألمانيا تلقت "حافا" قدراً من التعليم الابتدائى فى المدارس الألمانية التى كان التعليم فيها إلزاميا من سن 6 سنوات هاجرت "حافا" إلى فلسطين مع أسرتها عام 1939م أثناء موجة الهجرات السرية التى أعقبت موجة الهجرة الخامسة "أكبر موجات الهجرة اليهودية".وقد استقرت "حافا" مع أسرتها فى مدينة "حيفا" شمال فلسطين وهى مدينة تتميز بمناظرها الطبيعية الخلابة. مثل مدينة "فيسبادن" التى عاشت فيها "حافا" طفولتها بألمانيا. استكملت مراحل تعليمها قبل الجامعى فى "حيفا" فى" المدرسة العلمية التطبيقية" بحيفا "בבית ספר הריאלי"( ) وفى دار المعلمين بعد ذلك.
تعتبر تلك الفترة فى نظر "حافا" فترة هامة وخلاقة رسخت خلالها أسس تطورها العقلى والذهنى والفكرى حيث كانت" المدرسة الثانوية التطبيقية" فى تلك الأيام – واحدة من مراكز الخلق والإبداع التى تُخرِج دارسين للإسلام، واللغة العربية، والشرق الأوسط – وكانت تلك المدارس على مستوى تِقَنى عالى.
وبعد ذلك التحقت "حافا" عام 1948 بالجامعة اليهودية الوحيدة فى فلسطين فى ذلك الوقت وهى "الجامعة العبرية" وكان من الطبيعى أن تُكمل "حافا" دراستها الجامعية فى نفس التخصص الذى درسته فى المرحلة الثانوية؛ فالتحقت بقسم الحضارة الإسلامية "بالجامعة العبرية" وكان ذلك تقريبا عام 1948-1949.
وقد اهتمت "حافا" فى مرحلة دراستها الجامعية بمجالين أحدهما "دراسة العهد القديم" والثانى "اللغة والأدب والتاريخ العربى". وكانت هذه نقطة إنطلاق "حافا" للتوليف بين الدراسات اليهودية، والدراسات العربية الإسلامية والتى تطورت كثيراً فيما بعد فى خط سير حياتها المهنية .
درجات"حافا" العلمية:
بدأت "حافا" حياتها العملية بعد تخرجها من الجامعة، كمُدرسة للغة العربية، والعهد القديم، والتاريخ الإسلامى فى نفس المدرسة الثانوية التى تخرجت منها فى "حيفا". ثم انتقلت بعد ذلك إلى "القدس" للتدريس فى مدرسة بجوار الجامعة العبرية.
حين انضمت "حافا" عام 1959 إلى هيئة التدريس" بالجامعة العبرية" ترددت كثيراً فى الاستمرار فى كلا الاتجاهين اللذين قامت عليهما دراستها السابقة (العهد القديم - الإسلام – اللغة العربية) وأخيراً وقع اختيارها على دراسة الإسلام وانضمت إلى قسم الحضارة الإسلامية "بالجامعة العبرية"؛ ولكنها لم تتخل مطلقاً عن الارتباط بالفكر اليهودى فعلى مستوى حياتها الشخصية ذكر تلميذها" أفنير جلعادى" أنها كانت
عضواً فى جماعة "ملتمسى الطريق" (*) التقليدية" وعضواً فعًَّالاًَ فى "لجنة الوفاق الدينى"(**) وجمعيات مختلفة للتفاهم بين الأديان. ولقد خرجت علاقة "حافا" بتلك الجمعيات عن كونها علاقة أكاديمية مطلقة وتخطتها إلى اشتغال "حافا" بالدراسات اليهودية بصورة رسمية، وغير رسمية فى أوساط التعليم الخاص والجمعيات وما شابه ذلك.
ولقد ربطت "حافا" بين كلا النمطين (الإسلامى – اليهودى) فى أبحاثها ودراساتها بصورة واضحة للغاية.
وفى عام 1966 حُصلَت "حافا" على درجة الدكتوراه بامتياز وتناولت فيها "الطابع الأدبى لكتابات فيلسوف الإسلام الإمام" محمد الغزالى" والتى سبقتها رسالة ماجستير عن الغزالى أيضا بعنوان "تفسير الغزالى للفرائض والوصايا الدينية".
تدرجت "حافا" فى المناصب العلمية حتى تولت رئاسة قسم "الحضارة الإسلامية" فى الجامعة العبرية فى الفترة من عام 1969 : 1973م.كما حاضرت فى الجامعة المفتوحة باسرائيل وألقت محاضرات عن الاسلام بين وحدات الجيش الاسرائيلى ولها كتب خاصة فى هذا الصدد أصدرتها لها وزارة الدفاع الاسرائيلية.
وفى عام 1993 حصلت "حافا" على "جائزة إسرائيل للأبحاث التاريخية"( ) وهى أكبر جائزة فى إسرائيل تمنحها" وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية" للباحثين ورجال العلم، والأدباء، والفنانين بناء على توصية من لجنة مختصة يتم تعيينها لهذا الغرض كل سنة.
كما مُنحت "حافا" فى نفس العام لقب الدكتوراه الفخرية من كلية "هبروينيون – كولدج"، وأيضا منحت لقب "المحاضرة البارعة" فى الجامعة العبرية أكثر من مرة.
توفيت "حافا" فى السابع من سبتمبر 1998م. عن عمر يناهز الثامنة والستين، قضت منها ما يقرب من ثمانية وأربعين عاماً فى دراسة وتدريس الإسلام والحضارة الإسلامية، واللغة العربية.

منهج"حافا" فى دراسة الاسلام:
اعتمدت "حافا" فى عرضها للاسلام على المنهج الجدلى لذا نجدها تجنح إلى عنصر الوضوح واللغة الخطابية التقريرية المباشرة فى كتاباتها الأولى ،ثم تنتقل إلى إتخاذ الشواهد الملموسة فى سلوكيات المسلمين أساسا لتأكيد وجهة نظرها سواء من منطق تاريخى أو اجتماعى فى مرحلتها الكتابية الثانية ،ثم بدأت "حافا" فى الترتيب المنطقى للأفكار الاساسية المطروحة فى مرحلتيها السابقتين من خلال عقد مقارنات صريحة بين العقائد الاسلامية وماعلية اليهود أوماعليه بعض المسلمين وذلك فى مرحلتها الثالثة "الأخيرة ".
منهج"حافا"فى بحثها التالى عن "عمر":
منهج"حافا" الذى اتبعته هنا فى بحثها عن"عمر بن الخطاب"كما ذكرته بنفسها فى بداية البحث قائلةً:"لم يكن اهتمامى الأول بنشر الحقائق التاريخية عن "عمر"-على الرغم من أن هذا يشكل قيمة للدراسة الفرعية بجانب الدراسة الرئيسية – لكننى كنت مهتمة فى المقام الأول بإستنباط المفاهيم والأفكار العقدية وموقف الإسلام المبكر منها ولسوف استخدم مصادر متنوعة محايدة...ولكن تعذر بل استحال التقييم الكامل لكل مصدر مائه بالمائه، ولقد اضطررت إلى الاعتماد عليها كلها كما هى .
ولسوف استخدم ايضا الحديث كمصدر تاريخى لشخص عمر،ولكن بدون أن اعدد مخارجه المتعددة المتوازية أوأختبر اسانيده المختلفة ! هذا إلى جانب القصص الخياليةعن عمر التى تعبرعن موقف المسلمين الأوائل والمحدثين منه."( )
لو أمعنا النظر هنا فى منهج "حافا" وعرضناه على علماءالمناهج البحثية وخاصة المنهج التاريخى الذى تبنته "حافا"سنجد أن هذا المنهج السابق الذى اتبعته "حافا"مجرح بكل المقايس العلمية والنظم البحثية فقد لخص ابن خلدون الأسس المنهجية الواجب اتباعها للبحث فى التاريخ بقوله: "اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب،جم الفوائد إذ يوقفنا على احوال الماضيين من الامم فى اخلاقهم،والانبياء فى سيرهم ،والملوك فى سياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء فى ذلك عن يرومه فى احوال الدين والدنيا،فهو محتاج إلى مآخذ متعدده،ومعارف متنوعه،وحسن نظر وتثبت بفضيان بصاحبها إلى الحق،وينكبان به عن الزلات والمغالط .لأن الاخبار إذا إعتمد فيها على مجرد النقل ولم تَحكم أصول العادة وقواعد السياسة ،وطبيعة العمران والأحوال فى الاجتماع الانسانى ،ولاقيس الغائب منها بالشاهد ،ولا الحاضر بالذاهب فربما لم يؤَمن فيها من العثور ومزلة القدم،والحديث عن جادة الصدق ،وكثيراًماوقع للمؤرخين،والمفسرين وأئمة النقل المغالط فى الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها مجرد النقل غثاً أوسميناً لم يعرضوها على أصولها ولاقاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة فى الأخبار ،فضلوا عن الحق،وتاهوا فى بيداء الوهم والغلط سيما فى احصاء الأعداد من الأحوال والعساكر إذا عرضت فى الحكايات إذ هى مظنة الكذب ومطية الهذر ولابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد."( )
وقد جاءت كتابات المتأخرين من المتخصصين فى الدراسات التاريخية موضحة ومفصلة لمنهج المؤرخين ،ومما ذكروه فى ذلك أنهم قسموا النقد التاريخى للنصوص التاريخية إلى قسمين:
نقد ظاهر، ونقد باطن .وقسموا النقد الباطن إلى قسمين:نقد إيجابى ،ونقد سلبى.
أما النقد الظاهر فهو الذى يتناول عدة أمور هى:
1- اثبات صحة الأصل أو الكتاب أوالنص التاريخى لمؤلفه ،وسلامته من التزوير والانتحال ،ومما يساعد فى ذلك معرفة نوع الورق ،والقلم، والخط الذى خط به،ولغة الكتاب،وهل هذه الأمور –وهى الورق،والخط،والقلم،واللغة- مماكان سائداً فى عصر المؤلف؟...
2-التعرف على شخصية المؤلف ومنزلته العلمية ومكانته الاجتماعية،وكونه ثقة مأموناًفيما نقله، ومدى مقدرته على تصوير الحديث التاريخى؛بحيث لايبعد عن الحقيقة.
3- معرفة زمان ومكان الكتابة،فتدوين المؤرخ الحدث التاريخى بعد وقوفه عليه وقربه منه زمانا ومكانا يجعل كتابته أكثر قبولاً وأكثر مطابقة للواقع بخلاف فيما لوكان التدوين عن ناقل للحدث التاريخى بحيث لم يعاصر الكاتب الحدث نفسه بل كان بعيداً عنه زماناً ومكاناً،فإن هذا يجعل خبره أكثر عرضة لتطرق الوهم ،والمبالغة ومخالفة الحقيقة ،وبالتالى فقدان الكتاب أهميته ومكانته العلمية .

ثانياً:النقد الباطن:
أولاً:النقد الباطن الايجابى:
وهو عبارة عن تحليل الأصل أوالنص التاريخى بقصد تفسيره وادراك معناه ويمر فى مرحلتين :
1- تفسير ظاهر النص وتحديد المعنى الحرفى له.
2- ادراك المعنى الحقيقى للنص ومعرفة غرض المؤلف مما كتبه.
ثانياً:النقد الباطنى السلبى:
وفيه يتحقق المؤرخ من أمرين:
1- التثبت من صدق المؤلف فيما نقله وهل كذب فيه أم لم يكذب؟
2- التثبت من صدق المعلومات التى أوردها ومبلغ دقتها.( )
ولو طبقنا تلك المناهج البحثية على منهج "حافا"الذى ذكرته فى أول بحثها لكان من حقنا رفض البحث منهجياًحيث اعترفت باعتمادها على كل غث وسمين فى سبيل اثبات افتراضها المبدئى الذى ساقته كحقيقة مسلم بها وعنونت بها بحثها على أن "عمر بن الخطاب" هو" بولس" الاسلام وهو بدوره خطأ منهجى يضاف أيضاً إلى جملة أخطائها المنهجية السابقة.
وبالرغم من ذلك فسنقوم فيما يلى بعرض فكرها حول هذا الموضوع لنتأكد من صدق الاستنتاج السابق من عدمه.وكى نمحص ماساقته عن "عمربن الخطاب" ونضعه فى موضعه الصحيح من حيث صدق الرواية أوالفهم الدقيق والصحيح لها.
* * *
ملخص لبحث"حافا" عن "عمر بن الخطاب"الذى عنونته ب"عمر بن الخطاب بولس الإسلام"
تناولت "حافا" فى هذا الفصل ما أسمته بظاهرة "الشخص الثانى" فى الأديان والفِرق والطوائف. ثم حددت "حافا" أهداف بحثها حول شخصية "عمر بن الخطاب" الخليفة الثانى فى الإسلام فيما يلى:
1. فهم التاريخ الإسلامى المبكر بصفة عامة.
2. التعرف بشكل أفضل على الشيعة وتوضيح الأسباب التى جعلت الشيعة تنظر إلى "على بن أبى طالب" على أنه" الرجل الثانى" بعد النبى"صلى الله عليه وسلم" وليس "عمرا بن الخطاب" الذى يبغضونه.!
حاولت "حافا" فى الجزء الأول من بحثها تحويل كل عبارات وفقرات المدح "لعمر بن الخطاب" "رضى الله عنه" الواردة فى كتابات بعض الكُتاب المسلمين المحدَثِين والكُتاب الأوروبيين إلى تأكيد على أن" عمر بن الخطاب" يُنظر إليه لدى المسلمين على أنه أكمل شخص بعد الرسول صلى الله عليه وسلم؟وربما لدى البعض الآخر فى مكانه اسمى لسداد رأيه وصِدق مشورته للرسول والتى نزل الوحى القرآنى مصدقاً لها. ثم تحدثت عن رأى الإمام "الغزالى" حول مكانة "عمر" فى الإسلام وذكرت أن كتاباته كلها لا تساوى شخص بالرسول "صلى الله عليه وسلم".
وفى الجزء الثانى ركزت دراستها حول" عمر بن الخطاب" وعلاقته" بالنبى صلى الله عليه وسلم" والأحداث والمواقف المختلفة التى تبادَلا فيها الآراء حول بعض الأمور العقدية، وعن موقف "عمر بن الخطاب"من" النبى" وموقف" النبى" من" عمر بن الخطاب".
أما الجزء الثالث فقد اهتمت فيه "حافا" بعلاقة" عمر بن الخطاب"" بالقرآن الكريم" ودوره فى بعض الآيات والسور التى نزلت كى تُقر" عمر" على رأيه ودور "عمر" فى جمع القرآن بعد وفاة الرسول واهتمامه به. وخصصت "حافا" الجزء الرابع من بحثها لدراسة موقف "عمر" مما اسمته الموروثات الوثنية قبل الإسلامية التى دخلت الإسلام مثل (الرَمْل، تقبيل الحجر الأسود، الغِناء فى الأعياد) والتى خالف فيها "عمر""رضى الله عنه" موقف الرسول"صلى الله عليه وسلم" منها
وتناولت "حافا" فى الجزء الخامس موقف "عمر" من اليهود والنصارى مع التركيز على جهود "عمر بن الخطاب"" رضى الله عنه" من أجل إضفاء طابع خاص على الإسلام وحمايته من أى مؤثر خارجى مثل "إدخال التقويم الهجرى على الإسلام، طرد اليهود والنصارى من جزيرة العرب" تحريمه نسخ أو قراءة كتب اليهود والنصارى".
وفى الجزء السادس والأخير من هذا الفصل تحدثت" حافا" عن "عمر بن الخطاب" "رضى الله عنه" ودوره فى سَنْ بعض السُنن فى الإسلام مثل (إقامة صلاة قيام رمضان جماعة فى المساجد) .
* * *

أهم الشبهات التى أثارتها "حافا"حول "عمر بن الخطاب" رضى الله عنه:
1- القول بأن عمر بن الخطاب "هو الرجل الثانى فى الاسلام:
قامت "حافا" هنا بدراسة مااسمته ظاهرة الرجل الثانى فى الأديان والفرق والطوائف المختلفة مشبهة
"عمر بن الخطاب" فى الإسلام ببولس فى النصرانية مع التنويه إلى منافسة"على بن أبى طالب"-لدى
الشيعة-لعمر بن الخطاب" على تلك المكانة .كما غالت "حافا" هنا فى هذا الصدد عند إدعائها بأن هناك من يضع "عمر" فى مكانة أرفع من النبو في استقامة اقتراحاته وأن الرسول نفسه اعترف بذلك !
وذلك بقولها:"من المعلوم جيداً أن ظاهرة الرجل الثانى "التالى للبشير،أو النبى،أو القائد فى الحركات السيا سية والد ينية والذى غالبا ما يكون المحرك الأول للعمل كله سواء عن طريق التأثير السياسى أوالعسكرى ...وغالباً مايكون عميق التغيير فى الرسالة الأصلية. وربما يكون معاصراً للمؤسس ويظهر كتابع له أوحوارى أو يظهر فقط بعد موته .فى بعض الأحوال يظهر أيضا كرائد؛ ممهداً الطريق لحركة جديدة ...وفى العديد من الحالات ربما يعتبر الرجل الثانى أكثر أهمية من المؤسس الأصلى من أجل التطوير الذى يحدثه فى الديانة أو الطائفة الجديدة. وهذه بالتأكيد هي حالة" بولس" فى المسيحية ،و"ناثان هأوزاتى" فى حركة اليهودى المشناوى"شباتاى زيفى"فى القرن السابع...وحالة العديد من الأخرين.ونحن لانستطيع الحديث عن الشخص الرائد فى الاسلام حتى نعلم الكثير عن أهمية "الرجل الثانى"...اننا نمتلك نموذجاً أكثر وضوحاً لحقيقة "الرجل الثانى" فى شخصية "عمر بن الخطاب"الذى حكم كخليفة ثانى فى الاسلام من سنة644:634م...وعند دراسة شخصية "عمر" لايمكن أن نتغاضى عن وجهات النظر الآخرى ولا عن الدور الذى لعبه فى تطوير الاسلام كدين...وربما يمكن أن نحصل على رؤية أفضل وتفهم لكراهية الشيعة "لعمر" من بين الخلفاء الثلاثة الأوائل إذا اخذنا فى الاعتبار النموذج الحقيقى "للرجل الثانى""على بن أبى طالب"الذى تعهدوه بالرعاية فى الاسلام."( )

لو أمعنا النظرفى إدعاء"حافا"السابق للاحظنا أنه قائم على عدة مقدمات ساقتها فى بداية بحثها كما لو كانت حقائق مسلم بها كالتالى:
1-أن عمر بن الخطاب هو الرجل الثانى فى الاسلام بعد الرسول"صلى الله عليه وسلم".
2-أن "عمر بن الخطاب " قام بتطوير الاسلام وأدخل عليه بعض التعديلات.
3-كراهية الشيعة "لعمر" لمنافسته"لعلى"على مكانة"الرجل الثانى"فى الاسلام.

ونحن نتساءل هنابدورنا هل حقاً يوجد فى الاسلام ظاهرة الرجل الثانى تلك التى تدعيها "حافا"إن نظرة واحدة لتاريخ الاسلام بصفة عامة وسيرة "عمر بن الخطاب" "رضى الله عنه" بصفة خاصة تؤكد عكس ذلك تماماً.فعمر بن الخطاب كماتصفه كتب السيرة والتراث الاسلامى هو صاحبى من مجموع صحابة رسول الله "صلى الله عليه وسلم"تميز بعدة صفات ومميزات ترفع من قدره وتعلى من شأنه ولكنها لاترفعه بأى حال من الأحوال إلى أن يكون فى مرتبة توازى النبى من قريب أوبعيد.
فلو كان"عمر"حقا الرجل الثانى فى الاسلام بشهادة الرسول "صلى الله عليه وسلم"نفسه كما تدعى "حافا"ما قدًّم عليه" أبا بكر""رضي الله عنه"فى الخلافة فقد قدم الرسول الكريم أبو بكر "على "عمر "لامامة المسلمين أثناء مرضه وهذا لم يكن من باب المفاضلة بين رجلين وإنما من باب التوفيق بين الرجل والموضع الذى ينبغى أن يكون فيه ،والمهمة التى ينبغى أن يندب لها ،والوقت الذى يحين أوانه. ولقد أشار النبى فى حياته إلى خلافة أبى بكر وأنها ستكون قصيرة وسيأتى بعده عمر ؛وذلك حين قال:"رأيت فى المنام أنى أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين نزعاً ضعيفاً –والله يغفر له-ثم جاء" عمر"،فاستحالت غرباً،فلم أر عبقرياً يفرى فرية،حتى روى الناس وضربوا بعطن".
وفسر ضعف النزع،وكونه ذنوباً أو ذنوبين، بقصر خلافة أبى بكر ،وفسر فيض الرى على يد عمر،بأنه فيض العبقرية التى ينفسح لها الأجل. ( )
وقد قال عنه"عمرو بن العاص"رضى الله عنه"راوياً عن رسول الله"صلى الله عليه وسلم" "رأيت النبى"صلى الله عليه وسلم"فقلت:أى الناس أحب إليك؟قال"عائشة".قلت : من الرجال؟ قال أبوها قلت ثم من؟ قال: "عمر"...الحديث.( )
وقال عنه على بن أبى طالب – الذى تدعى"حافا"أنه كان يتنافس مع عمر على المكانه الثانيه بعد الرسول فى الاسلام – وقد دخل على عمر رضى الله عنه بعد أن كفن: ما خلفت أحداً أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منك،أيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أنى كنت كثيراً أسمع النبى "صلى الله عليه وسلم"يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر،ودخلت أنا وأبو بكر وعمر،وخرجت أنا وأبو بكرعمر( ) أما عن إدعاء "حافا" فى هذا الصدد بتطوير"عمر" للاسلام وادخاله تعديلات عليه فسيلى الرد عليها بالتفصيل فى الشبهة المفردة فى هذا الشأن. وبالنسبة لادعائها كراهية الشيعة" لعمر" لمنافسته" لعلى" على المركز الثانى فى الاسلام .فإن هذا يبطله الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردة عن "على بن أبى طالب" حول مكانة عمر والمعبرة عن حب على "كرم الله وجهه "لعمر" حيث ذُكر فى الأثر أن على رضى الله عنه قال:خير الناس بعد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أبو بكر وخير الناس بعد أبى بكر عمر."( )
وعن رفض "على كرم الله وجهه" لتصرفات الشيعة وغيرهم- حول بغض "عمر" وأمره لهم بجلد من يفعل ذلك – ورد فى الأثر أن "سويد بن غفلة الجعفى( )قال لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه وقد دخل عليه فى خلافته: ياأمير المؤمنين، إنى مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذى هما له أهل من الاسلام، لانهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ذلك، وأنهم لم يجترؤا على ذلك إلا وهم يرون أنك موافق ذلك،ثم ذكر حديث خطبة "على رضى الله عنه" وكلامه فى أبى بكر وعمر وقوله فى آخره: "ألا ولن يبلغني عن أحد يفضلنى عليهما إلاجلدته حد المفترى."( )
ومن الآثار الصحيحة المروية أيضا فى هذا الصدد والتى تعيب على أى مسلم ذم عمر أوالحط من قدره ماقاله"سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى:قلت لأبى( ) ماتقول فى رجل سب أبا بكر رضى الله عنه؟ قال:يقتل( ).
وعن أقوال بعض الشيعة فى عمر ماروى فى الأثر أن قال سالم بن أبى حفصة( )رحمه الله:سألت أبا جعفر( ) وجعفر( ) عن أبى بكر وعمر،فقالا لى : ياسالم تولهما،وابراء من عدوهما، فإنهما كانا إمامى هدى . قال:وقال لى جعفر:ياسالم أبو بكر جدى أيسب الرجل جده؟ قال:وقال لى: لانالتنى شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فى القيامة إن لم اكن أتولهما وأبرأ من عدوهما".( )
وقال أبو جعفر الباقر رحمهالله:"من لم يعرف فضل أبى بكر وعمر فقد جهل السنه".) (
وقال جعفر الصادق رحمه الله:برىء الله ممن تبرأمن أبى بكر وعمر".) (
وقال:أنا برىء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلابخير".) (
ومن الأمثلة الآخرى على ثناء "على بن أبى طالب" والشيعة على" عمر بن الخطاب "ماورد فى حديث "جعفر بن محمد"عن أبيه قال:"قال رجل من قريش لعلى بن أبى طالب رضوان الله عليه:يأمير المؤمنين نسمعك تقول فى الخطبة آنفاً اللهم أصلحنا بما صلح به الخلفاء الراشدين المهديين فمن هم؟فاغرورقت عيناه ثم أهملهما ثم قال :هم حبيباى وعماك أبو بكر وعمر اماما الهدى وشيخا الاسلام ورجلا قريش المقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتدى بهما عُصم ومن اتبع آثارهماهُدى إلى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله وحزب الله هم المفلحون".( ) فهل بعد كل تلك الآثار والأحاديث يمكن القول بأن هناك مسلم معتدل أياً كان مذهبه يكره "عمر بن الخطاب"!
2- القول بمشاركة "عمر بن الخطاب" فى صياغة القرآن:
تحاول "حافا" هنا ايضا التأكيد على أن "عمر بن الخطاب"- الخليفة الثانى للمسلمين وأول من اقترح إعادة جمع وتدوين المصحف بعد وفاة الرسول "صلى الله عليه وسلم" بأشهر معدودة- كان يلعب دور الرجل الثانى فى الإسلام بعد رسول الله "صلى اله عليه وسلم" مشبهةً إياه ببولس-الذى أحدث انحرافاً شديداً فى العقيدة والفكر النصرانى بعد وفاة السيد المسيح- محاولةً طيلة بحثها إثبات الأثر القوى "لعمر بن الخطاب" على الرسول "صلى الله عليه وسلم"، والإيحاء بأن شخصيته القوية كانت طاغية حتى على رسول الله وبأنه كان يخشاه؟! مستندةً فى ذلك إلى فهم خاطئ لحديث رسول الله عن أن الشيطان يخشى "عمر بن الخطاب".
"ثم أشارت "حافا" بعد ذلك إلى الحديث المشهور المرفوع السند إلى عمر نفسه بقولها: "إن عمر نفسه تفاخر بأنه هناك على الأقل ثلاث آيات أُنزلت رداً على بعض تساؤلاته حينما قال "وافقنى ربى فى ثلاثة مواضع: مرة سألت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" لما لا تتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت عليه الآية 125 من سورة البقرة " وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى "،وفى مرة أخرى قلت للرسول أن زوجاتك يزورهن البر والفاجر أليس من الأنسب أن يُفرض عليهن الحجاب فنزل قوله تعالى فى سورة الأحزاب الآية (53) ".. وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ .." والموضع الثالث عندما قام عمر بتوبيخ زوجات الرسول "صلى الله عليه وسلم ""بما فيهن ابنته نفسها" ونصحهن أن يكن أكثر تهذباً مع رسول الله وهددهن بتطليقهن وإبدال الله له خير منهن فنزل قوله تعالى فى سورة التحريم الآية (5) " عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً " والآية هنا مطابقة تماما لتوبيخ عمر... بالإضالة لذلك.. هناك العديد من الإيحاءات القرآنية التى تُنسب "لعمر بن الخطاب" مثل سورة التوبة الآية (84) " وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ " وسورة المؤمنون الآية (14) " ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ "* وسورة البقرة الآية (98) " مَن كَانَ عَدُواًّ لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ".
وهو نفس الرد الذى رد به عمر على اليهود والمرتبط بجداله العنيف معهم.. وهناك أيضا نقطة مثيرة جدا فى هذا الصدد يجب التأكيد عليها وهو وجود بعضاً من هذا الوحى القرآنى مثل المثال الأول"قول عمر نتخذ من مقام إبراهيم مصلى" الذى فيه تعضيد لرأى عمر الذى رفضه الرسول صلى الله عليه وسلم.
قصة أخرى بنفس التأثير ارتبطت برفض "محمد" "صلى الله عليه وسلم" أن يوافق اقتراح عمر المُتسرع فى وجوب قتل أسرى بدر كلهم ولكن بعد إطلاق سراحهم بفدية، وجد عمر الرسول "صلى الله عليه وسلم" ومستشاريه الآخرين وخاصة أبو بكر ينتحبوا ندماً وأسفاً "والذى يبدو كوسيلة لتهيئة النفوس للأسلوب الجاف الشديد فى معاملة أسرى الحرب بعد ذلك مثل ما حدث بعد غزوة أحد وإلقاء الذنب – الذى قد يشعر به الأجيال التالية فى هذا الصدد – على عاتق عمر بن الخطاب بدلاً من الرسول..." (*).
ومن أهم الآيات القرآنية الموحى بها وكان "لعمر بن الخطاب" دور فيها وتَحْمِل تبعات والتزامات واضحة فى عالم التشريع الإسلامى موضعان:
الأول: هو التحريم النهائى للخمر فى الإسلام والذى جاء بعد تدخل عمر وفقاً للعديد من الأحاديث النبوية.
والثانى: هو أية الرجم الشهيرة "للزناه" والتى وفقاً لرواية "عمر بن الخطاب" كانت جزءاً من القرآن "وحُذفت"(1) (**)؟! فقد ذكر عمر أن الرسول وأصحابه اعتادوا رجم الزناه، ومن الشائع أنه قال: "لولا خوفى أن يقول الناس أن عمر أضاف إلى كتاب الله ما ليس منه لكتبت الآية فى النص القرآنى".
إن "حافا" هنا على الرغم من ترديدها لمضمون ادعاءات قديمة بتأليف القرآن قدمها غيرها من المستشرقين الذين سبقوها(1) إلا أن الجديد هنا هو محاولاتها إثبات اضطلاع "عمر بن الخطاب" بدور فى هذا التأليف على الرغم من إسناد المستشرقين السابقين هذا الدور إلى معلمين يهود أو نصارى وهو ادعاء قديم لازم دعوة الإسلام منذ بدايته ورد عليه القرآن الكريم فى قوله تعالى " لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ "(1) كما رد العد يد من علما ئنا الأفاضل على فرية أن القرآن الكريم من تأليف محمد "صلى الله عليه وسلم"، واعتبروها مسألة واهية لاحظ لها من العلم والمنطق ولا سند لها من التاريخ والواقع.. وأنها مقولة قديمة حمل لواءها الوثنيون القدامى من أهل مكة وغيرهم من المشركين، وسجل عليهم القرآن ذلك، وبين زيفها وكذب أصحابها... وإن هذه القضية كما يقول الدكتور "محمد عبدالله دراز" لووجدت قاضيا يقاضى بالعدل لا كتفى بسماع هذه الشهادة التى جاءت بلسان صاحبها "صلى الله عليه وسلم" وهى أنه برئ من تأليف القرآن ولم يطلب وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل لأنها من الإقرار الذى يؤخذ به صاحبه ولا يتوقف صديق ولا عدو فى قبوله منه ولا يحتاج بجواره إلى بينه...،
لأنه لا مصلحة له فى أن ينسب بضاعته لغيره ولو نسبها لنفسه لازداد بها رفعة وفخامة شأن"( ).
ونحن نقول هنا إن كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" نفى عن نفسه تأليف القرآن فكيف يُثبت فى وحى الله وكتابه تأليف غيره من البشر له؟! إن الشواهد التى استدلت بها "حافا" على مشاركة "عمر بن الخطاب" فى تأليف وحى السماء بالقرآن هى شواهد تجافى الحقيقة تماماً على الرغم من أنها مقدمات صحيحة ولكن "حافا" استنبطت منها استنباطات خاطئة يأباها العقل وذوى الفطر السليمة لأن نزول الوحى موافقاً لرأى عمر فى مواضع خالف فيها رسول الله "صلى الله عليه وسلم" لأكبر دليل على سماوية هذا الكتاب لأن الأمر لو كان دنيويا يسير وفق الطبائع البشرية لكان من الطبيعى أن يمحو المؤلف الأساسى أى شئ من كتابه يُشْعِر بتدخل الآخرين فى تأليفه حتى يستحوذ على كل مغانمه ويتفرد بنسبة هذا السبق إليه. ومن ثم يمكن القول أن هذا الادعاء من "حافا" وهم باطل واستقراء فاسد فى ذاته وفى أساسه.
أما أنه فاسد فى ذاته: لأن الذى أُوحِى إليه هذا القرآن لم ينسبه بأى حال من الأحوال لنفسه. أما أنه فاسد من أساسه: لأنه مبنى على استقراء باطل حيث بُنى على مقدمة غير مقبولة على المستوى العقلى. والبديهى أن الذى نعرفه وتعرفه البشرية أن بعضاً من المؤلفين فى هذه الأيام ومن قبل قد يسطون على مؤلفات غيرهم وينسبونها لأنفسهم زوراً وبهتاناً. ولكن الذى حدث هنا أن صاحب الكتاب المُنزل عليه الوحى لم يُنكر نزول الوحى موافقا لرأى أحد صحابته، ونسب إليه هذا الفضل وكان من باب أولى لو كان هو مؤلف هذا الكتاب لمحى هذا الفضل حتى يستأثر بالفضل كله لنفسه كما أن "عمر" مع قوة شخصيته ودوره الإيجابى فى الإسلام الذى توهمت "حافا" أنه يصل لحد التغيير فى شرع الله ووحيه لم يستأثر بالقرآن كله لنفسه ويضع قراناً باسمه أو ينسبه لنفسه وكان هذا هو رد الفعل الطبيعى لو صحت استنتاجات "حافا" ولكنه خشى أن يغير شئ فى القرآن أو يُدخِل شئ على القرآن بشهادة "حافا" نفسها ولكنه التخبط والتناقض ومحاولة استنباط نتائج خاطئة من مقدمات صحيحة بغرض الإيهام بالموضوعية ومحاولة إظهار حسن النية الذى وقع فيه العديد من المستشرقين قبل "حافا" ووقعت فيه "حافا" نفسها.
وإن خير ما أختم به ردى على "حافا" ما ذكره "عباس محمود العقاد" فى هذا الصدد رداً على نزول الآيات النهائية لتحريم الخمر بناء على طلب عمر بقوله: "كان عمر لا يقنع حتى يصل إلى القول الفصل فيما يستفسر عنه، ويتردد فى حكمه، فما زال يسأل عن الخمر حتى حُرِمت وبَطُل فيها الخِلاف. وهو هو الذى كانت الخمر شهوة له فى الجاهلية يحبها ويكثر منها. ولو شاء لالتمس الرخصة فيها ولم يكثر من السؤال عن تحريمها ففى سؤاله عنها وحذره منها فضل أكبر من فضل الاستقلال بالرأى، والإخلاص فى المراجعة، وهو فضل الغلبة على النفس والتحصن من الغواية بالأمر الذى لا هوادة فيه( ).
كما فسر "عباس محمود العقاد" مراجعة سيدنا "عمر" للرسول فى أمور تخص بيته وأزواجه أو شئون الدعوة تفسيراً جميلاً يؤكد على قبول الإسلام ونبى الإسلام للنقد الذاتى وإفساح صدر الحاكم للمحكوم والاستماع إليه وذلك بقوله: "فلم يكن أحد يعجب بمحمد أكبر من إعجاب عمر، ولم يكن أحد مستقلاً برأيه فى مشورة محمد أكبر من استقلال عمر فهو آية الآيات على أن فضيلة الإعجاب لا تغض من صراحة الرأى عند ذى الرأى الصريح. فما أحجم عمر قط عن مصارحة النبى عليه السلام برأى يراه، ولو كان ذلك الرأى من أخص الخصائص التى يقف عندها الاستقلال، فمحمد فى بيته وهو صاحبه، ومحمد فى شريعته وهو صاحبها كان يستمع لعمر حين يقترح وحين يستنزل الأحكام، وحين يستدعى الوحى فى أمر من الأمور"( ).
هذا بالإضافة إلى أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" لم يكن منقاداً لعمر بشهادة "حافا" نفسها حيث أنه خالفه الرأى فى عدة أمور: منها أسرى بدر حيث ادعت "حافا" أنها كانت محاولة لإسقاط تبعية ما حدث من معاملة خشنة مع الأسرى بعد ذلك على "عمر بن الخطاب" وكأنها توحى للمتلقى أنه كان فى الإسلام حروب وحشية دموية. وهو ما يخالف الحقيقة على طول الخط وقد رد تلك الفرية شيخنا الأستاذ محمد الغزالى بقوله: "إن الإسلام حارب بالفعل وهى أشرف حرب خاضها الناس منذ سفك على ظهر البسيطة دم وما كان له إلا أن يقاتل قاتليه، ويجاهد ظالميه.. إن محمدا لم يقم لنفسه مملكة بل أقام لله دينا قيماً استطاع أن ينهض بدعائمه بثروة من قوى الكفاح الحر فى وجه مملكتين ملأتا العالم جورا وغشما هل يجرؤ أحد من المستشرقين على الزعم بأن هذه الإمبراطوريات الواسعة لم تكن مقبرة للحرية والعدالة، إن خلاص العالم منها كان حسنة أسداها الإسلام واستحق عليها الشكر... هل يسمع المسلمون ضجيج أخوانهم المستضعفين فى مكة ينادون ثم يسكتون فهل إذا استطاعوا بالسيف أن يثبتوا، وأن يحتفظوا بأ نفسهم
ورسالتهم كان ذلك جرما كبيراً"( ).
وخلاصة القول حول علاقة "عمر بن الخطاب" بالنبى وبوحى السماء فقد لخصها أستاذنا العقاد بعبارات جميلة بقوله: "موافقات عمر للقرآن ولله كثيرة.. وحسب الإسلام فخراً، أن يؤمن به الإنسان إيمان عمر ثم يستقل برأيه وطبعه استقلال عمر فالإيمان فى أقصاه لا يعطل الرأى المستقل فى أقصاه وكل صفة فى عمر صفة مستقصية لا وسط فيها. إذا آمن فذلك غاية الإيمان.. ومن تحصيل الحاصل أن نقول أن النبى عليه السلام كان يعلم ما يحتاج إليه صاحبه وما يستغنى عنه من الدروس. فعمر لم يعوزه قط درس قوى يعلمه حب الحق وكراهة الباطل لأنها خليقة متمكنة منه أصيلة فيه.. ولكنه يعوزه معركة زائلة فى صراعه الدائم مع خصمه.. وأن يذكر أن الناس جميعاً ليسوا بعمر بن الخطاب، فإذا استطاع عمر أن يمنع الخمر مرة واحدة، فقد يشق ذلك على آخرين"( ).
* * *

3--القول بإ بتداع "عمر"لتشريعات جديدةفى الاسلام:
ذكرت "حافا" فى بحثها أن "عمر بن الخطاب"- فى رأى بعض الطوائف الاسلامية وخاصة الشيعة – ادخل بعض البدع على التشريع الاسلامى منها:
أ- اقامة صلاة قيام رمضان جماعة فى المسجد.
ب- تحريم زواج المتعة.
ج- اباحة المسح على الخفين.
وذلك بقولها:"دعونى اذكر هنا ثلاثة أمثلة آخرى من القائمة الطويلة للبدع المنسوبة لعمر والتى يذكرها بصفة خاصة الشيعة:
1- يقال أن عمر جعل صلاة قيام الليل فى رمضان- التى تسمى التراويح- مقدسة ؛وعلى الرغم
من أن هناك محاولات لاثبات أن هذا النهج كان وفقاً لتعليمات فجر الاسلام على عهد الرسول
إلا أن الشك فى ذلك ينتابنى عندما اقرأ الحديث المتعلق بذلك والذى يحكى عن تراجع
الرسول عن تثبيت هذه الصلوات كفرض دائم على المسلمين ...
2-نفس الامريحدث مع منع عمر الشهير لنوعى الزواج المؤقت "متعتان"،واحد منهم
هو"تمتع"فى الرحلة بين العمرة والحج.إن المأثورات الشيعية تُخطىء هنا بدعة
"عمر"الواضحة وتغييره لتعاليم الرسول وتفاخره أيضا بذلك،بينما السنة الشائعة غالباً ما
تتقبل واحد من كلا الاثنين كتشريع مباح "تمتع الحج" وتتمسك بمنع عمر للثانية.
3- "المسح على الخفين" مثال ثالث هو الاعلان الشهير لعمر أن مسح الحذاء من الخارج يعتبر
طريقة شرعية للتطهر قبل الصلاة فى أحوال معينة ( ).

بدايةً وقبل الرد نُذكِر "حافا" وأمثالها أن "عمر بن الخطاب"من المشهور عنه فى الأثر أنه حينا يجتهد فى أمر من أمور الدين كان يستشير كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار،ومما أُثر عنه فى هذا الشأن مايلى:
أن عمر استشار أصحابه فى إملاص المرأة( ) فقال:المغيرة بن شعبة رضى الله عنه:شهدت النبى "صلى الله عليه وسلم"قضى فيه بغرة عبد أوأمة فقال عمر: ائتنى بمن يشهد معك، فشهد له ( ) محمد بن مسلمة".( )
ولما خرج عمر "رضى الله عنه" إلى الشام( )وعلم بوقوع الطاعون استشار كبار الصحابة،والمهاجرين والأنصار فى الرجوع إلى المدينة أوالدخول إلى بلاد الشام،حتى جاء عبد الله بن عوف "رضىالله عنه" وكان متغيباً فى حاجة له.فقال: إن عندى فى هذا علماً،سمعت رسول الله "صلى الله عليه وسلم"يقول:"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها ،وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه"فحمد الله عمر "رضى الله عنه"،وانصرف راجعاً إلى المدينة.( )
ويُذكر أيضا أن "عمر" أتى بامرأة تشم،فقام فقال: أنشدكم بالله من سمع من النبى" صلى الله عليه وسلم"
فى الوشم؟فقال أبو هريرة "رضى الله عنه:فقمت ،فقلت:ياأمير المؤمنين ،أنا سمعت ،قال: ماسمعت؟قال:سمعت النبى "صلى الله عليه وسلم" يقول:لاتشمن ولاتستوشمن"( )
أما عن إقامة صلاة رمضان جماعة فقد كان "عمر" رضى الله عنه شديد الحرص على إقامة رعيته لشعائر الدين وأركان الاسلام ،وتطبيقها كما جاءت فى السنة النبوية الصحيحة من غير زيادة ولانقصان... ولقد اهتم عمر بن الخطاب كثيراً بالصلاة وبين مكانتها فى الاسلام، فقال رضى الله عنه:لاحظ فى الاسلام لمن ترك الصلاة ".( )
ولقد اهتم "عمر بن الخطاب"بالصيام والقيام فى شهر رمضان ولكنه لم يبتدع فى هذا الشأن أمر لم يأت به رسول الله. ولكنه" بعد أن رأى الناس يصلون أوزاعاً متفرقين يصلى الرجل لنفسه ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط،فقال :إنى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل ،ثم عزم،فجمعهم على أُبى بن كعب
رضى الله عنه،ثم خرج "رضى الله عنه "ليلة آخرىوالناس يصلون بصلاة قارئهم ،فقال :نعم البدعة هذه والتى ينامون عنها أفضل من التى يقومون بها"( ).
وكما يظهر من الأثر السابق أن عمر "رضى الله عنه" لم يجبر أحد على ذلك- ولم يجعلها فرضاً مقدساً كما أشارت "حافا" آنفاً-.بل والأكثر من ذلك أنه كان يفضل قيام آخر الليل على أوله وذلك فى قوله :" والتى ينامون عنها خير من التى يقومون بها"( ).
وقال ابن عباس "رضى الله عنهما: دعانى عمر "رضى الله عنه أتسحر عنده، وأتغدى فى شهر رمضان
فسمع هيعة(صياح وضجيج)الناس حين خرجوا من المسجد، فقال:مابقى من الليل أحب إلىَّ مما ذهب.( )
وهذا الأثر إن دل على شىء إنما يدل على عدم مشاركة "عمر" و"ابن عباس" فى تلك الصلوات،وأن ما سنه "عمر" كان نوعاًمن التنظيم لبعض الجماعات ولم يكن أمراً جماعياً يُلزم المسلمين جميعا فى البلدة ًبالانضمام إليه - كما أوحت "حافا" للمتلقى بذلك- بل إنه كان يفضل قيامه فى الثلث الأخير من الليل.كما يثبت الأثر أيضاً والموافقه على ما فعله عمر فى هذا الصدد.
* * *
أما عن منع "عمر" لزواج المتعة ،فقد كان "عمر بن الخطاب" رضى الله عنه شديد الحيطة والحذر، كثير التحرى عند اصدار الفتوى ،وبيان الأحكام الشرعية.
فقد قال "رضى الله عنه" وهو يحذر من خطأ العالم فى فتواه وزلته: يهدم الاسلام ثلاث: زلة عالم،ومجادلة منافق بالقرآن ،وحكم ائمة مضلين"( ).
إن من تحرى "عمر"رضى الله عنه فى فتواه استشارة الصحابة رضوان الله عليهم قبل أن يفتى فى المسألة مع سعة علمه "رضى الله عنه"،ومع ما أوتيه من فقه وحكمه... ومما رُوى عن تحرى عمر"رضى الله عنه فى الفتوى ،مروى من قول أبى حصين( ) "رحمه الله:إن أحدكم ليفتى فى المسألة ،ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر(. )
ولقد اعتنى "عمر"بالنكاح وبالعلاقة الزوجية وحرص على شرعية الانكحة وإلغاء الأنكحة الفاسدة ومعاقبة من يتعامل بها.فمن الأنكحة المحرمة التى حرمها الله على لسان رسوله "صلى الله عليه وسلم"والتى حرص "عمر على تطهير المجتمع المسلم منها ؛نكاح المتعة"وهو نكاح المرأة لمدة مؤقتة على مهر معين.
قال جابر بن عبد الله "رضى الله عنه":فعلنها "أى متعة الحج، ومتعة النساء" مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،ثم نهانا عنهما عمر "رضى الله عنه فلم نعدلهما"( ).
قال النووى رحمه الله:هذا محمول على أن الذى استمتع فى عهد" أبى بكر"" وعمر" ،لم يبلغه النسخ.( )
ففى الأثر أن "عمرو بن حريث "قدم من الكوفة ،وقد استمتع بمولاة من الموالى ، فأتى بها إلى عمر وهى حبلى ،فسألها ،فقالت: استمتع بى عمرو بن حريث ،فسأله: فأخبره بذلك أمراً ظاهراً
فقال عمر:فهلا غيرها ،فذلك حين نهى عمر "رضى الله عنه"عن المتعة.( )
ولعل عمر رضى الله عنه لم يعاقب من نكح نكاح المتعة كما مر فى قصة "عمرو بن حريث"
مراعاة لجهله بحكم التحريم حيث كان بعض الناس لايعلمون بتحريم النبى صلى الله عليه وسلم للمتعة.
ولكن عور "رضى الله عنه" أوضح للناس حقيقة تحريم النبى "صلى الله عليه وسلم"للمتعة
حتى يعذر إليهم ،وأوعد من فعل هذا النكاح بالرجم.
قال "رضى الله عنه : إن الله كان يُحل لرسوله ماشاء ، وإن القرآن قد نزل منازله... وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة.( )
وقال" رضى الله عنه" وهو يبين تحريم النبى "صلى الله عليه وسلم" للمتعة: إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أذن لنا فى المتعة ثلاثاً ثم حرمها ،والله لاأعلم أحد يتمتع وهو محصن إلارجمته بالحجارة، إلا أن يأتينى بأربعة يشهدون أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أحلها بعد إذ حرمها".( )
ولعل عمر بن الخطاب "رضى الله عنه" رجع عن توعده بإيقاع عقوبة الرجم بمن نكح نكاح المتعة وقد أحصن لعدم فعل النبى "صلى الله عليه وسلم" وأبى بكر لذلك ... ولم ينقل أن عمر "رضى الله عنه" رجم أحداً نكح نكاح المتعة فى خلافته. والله أعلم.( )
* * *
أما عن القول بإباحة "عمر" المسح على الخفين فإن التجنى على "عمر" فيه واضح حيث ثبت المسح على الخفين بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم"،قال النووى :أجمع ما يعتدبه فى الإجماع على جواز المسح على الخفين – فى السفر والحضر،سواء كان لحاجة أوغيرها- حتى المرأة الملازمة والزَّمن الذى لايمشى، وإنما أنكرته الشيعة الخوارج ، ولايعتد بخلافهم، وقال الحافظ بن حجر فى الفتح:وقد صرح جمع الحفاظ،بأن المسح على الخفين متواتر ،وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين ،منهم العشرة.
وأقوى الأحاديث حجة فى المسح،مارواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذى عن همام النخعى "رضى الله عنه" قال: " بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه،فقيل:تفعل هذا وقد بلت ؟ قال: نعم رأيت رسول الله "صلى الله عليه وسلم"،بال ثم توضأومسح على خفيه"قال إبراهيم :فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة ،أى أن جريراً أسلم فى السنه العاشرة بعد نزول آية الوضوء التى تفيد وجوب غسل الرجلين ،فيكون حديثه مبيناً أى المراد بالآية إيجاب الغسل لغير صاحب الخف وأما صاحب الخف ففرضه المسح فتكون السنة مخصصة للآية.( )
ولقد ورد فى الأثر أن "على بن أبى طالب" نفسه- الذى يحتج به الشيعة- مسح الخفين ؛ فقد روى الدارمى فى مسنده عن عبد خير قال: رأيت علياً توضأ ومسح على النعلين فوسع؛ ثم قال : لولا أنى رأيت رسول الله "صلى الله عليه وسلم"فعل كما رأيتمونى فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما.( )
* * *
4-القول بتحفظ عمر على بعض الموروثات قبل الاسلامية التى أقرها الاسلام:
بدأت "حافا" كلامها هنا بمدح قوة إيمان "عمر بن الخطاب"بالله الواحد وانتهت بهدم إيمانه بالرسول وذلك بقولها:"عند تحليلنا لموقف "عمر" من الازمنة قبل الاسلامية وبصفة خاصة تجاه ماتبقى منها فى الاسلام ربما سنصل إلى لب إيمانه العميق ؛فى بعض الاحيان يبدو عمر متفهما لرسالة التوحيد المحمد ية بطريقة أعمق من الرسول نفسه. بالتأكيد فقد كان أكثر إيمانا بالرسالة من محمد ووضع قرارات نهائية لها أوسع وأعمق بالقياس لمافعله النبى."( )
ولم تكتف "حافا" بذلك بل تعدته إلى تفسير بعض العبارات الورادة على لسان "عمر بن الخطاب"بمعانى لم يقصدها "عمر" على الاطلاق فى كلامه متهمه إياه بمايلى:
أ-رفضه لبعض شعائر الحج مثل "تقبيل الحجر الأسود""الرمل" "السعى" .
ب- رفضه الغناء فى الأعياد على النقيض من موقف الرسول.
وذلك بقولها:"نحن لانفتأ نذكر صعوبات "عمر " فى تقبل عبادة الحجر الأسود فى الكعبة. بعض نفس الصعوبات تظهر مصحوبة بإهتمام حول موقفه من" الرمل"... وفقاً للأحاديث الاسلامية فإن "عمر"ربما كان لديه خطة لإلغاء هذا وخاصة طريقة الجرى" الرمل" لأنه من المفترض أنه من المعلوم أن النبى عمل هذا فقط من قبيل إظهار أتباعه بمظهر الأقوياء أمام غير المؤمنين به.وعلاوة على ذلك فإنه بعد بعض التردد ،قرر عدم تغيير أى شىء أمر به "محمد" لأن هنال بعضأً من السر السماوى يفهمه النبى فقط ،ربما تكون متجسدة فى تلك الشعائر القديمة...هناك اهتمام وأهمية خاصة فى هذا الصدد تجاه الأعياد القديمة والأغانى، والرقص ومحاولة تطهيرها من تلك المظاهر على النقيض من موقف النبى منها."( )
ولقد علقت "حافا" فى موضع آخر من كتاباتها على موقف "عمر" من "الحجر الأسود" وخضوعه لأمر الرسول بسوقها قول "عمر"فى هذا الصدد:"إننى اعلم أنك لست إلاحجراً لاحول له ولا قوة ،لولا أنى رأيت رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يقبلك ما قبلتك "( )
لو أمعنا النظرهنا فيما ذكرته "حافا" آنفا لاحظنا أن أقوال "حافا" يناقض بعضها بعضا وخاصة فى شبهة رفض "عمر"تقبيل الحجر الأسودمع اشعار المتلقى بأنها عبادات وثنية وهى من الأخطاء المنهجيه التى وقعت فيها "حافا" لأنها عرضت الأمور من شق واحد.فقد عرضت "حافا"الأمور من شق واحد .فلقد عرضت سنة تقبيل الحجر ولم تعرض للدعاء المصاحب للتسليم عليه ،والذى تتجلى فيه أسمى آيات الوحدانية. فالمسلم عند التسليم على الحجر يقول:"اللهم إيماناً بك،وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك ،وإتباعاً لسنة نبيك ،بسم الله ،والله وأكبر".( )
أما عن حكم الغناء فى الاسلام الذى أوحت فيه "حافا" بأنه كان موضع خلاف بين "عمر" والنبى"صلى الله عليه وسلم"وخاصة فى الأعيادوأن "عمر" رفضه فى حين أقره رسول الله "صلى الله عليه وسلم"
وهى مغالطة شديدة لأن الأصل الوارد عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" تحريم الغناء الماجن الملهى عن ذكر الله والنهى عن اشاعته بين المسلمين( ) أما ماأباحة الرسول فى الواقعة التى ذكرتها "حافا" هو الغناء البرىء غير المصحوب بالآت اللهو ،مع تخصيص اباحته فى العيدين كنوع من ادخال السرور على نفوس الصبيه والنساء حينما سمح لعائشة "رضى الله عنها "بغناء الجوارى عندها فى العيد أو" حينما جاءته أمة سوداء حين رجع من بعض مغازيه ،فقالت :إنى كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب عندك بالدف ،فقال" صلى الله عليه وسلم"إن كنت فعلت فافعلى ،وإن كنت لم تفعلى فلاتفعلى ، فضربت...."( )
وهذا إن دل على شىء إنما يدل على أن إباحة الرسول كانت مشروطة ومخصوصة بمواقف معينة ومناسبات بعينها وأن ما كان بينه وبين عمر ليس تعارضاً وإنما تعليم الأستاذ لتلميذه وليس معارضة التلميذ"عمر" لأستاذه ومعلمه ومعلم البشرية جمعاء.
وأكبر مثل على انصياع عمر لأوامرالله ورسوله وإلتزامه هديه "صلى الله عليه وسلم" وانقياده وعدم ابتداعه فى الدين مايغضب الله ورسوله وأنه لايمكن بأى حال من الأحوال أن يكون الرجل الثانى فى الاسلام بالمفهوم الذى تحاول "حافا" هنا فرضه والإيحاء به للمتلقى؛ ما ورد عن أبى بكر بن العربى "رحمه الله أنه قال: وقع فى بعض نسخ الترمذى: أن عثمان قال لابن عمراقضى بين الناس ،قال لا أقضى بين رجلين ،قال: إن أباك كان يقضى ، قال : إن أبى كان يقضى فإن أشكل عليه شىء سأل" رسول الله صلى الله عليه وسلم"فإن أشكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛سأل جبريل...".( )
إذن الأمر كله مرده إلى الله وحده ولايمكن قياسه بالمقاييس البشرية كما تفعل "حافا" هنا عند تعاملها مع سيرة" عمر "بصفة خاصة ومع تاريخ الإسلام بصفة عامة.
* * *
5-القول بموقف "عمر" المتشدد من اليهود والنصارى:
بدأت "حافا" حديثها هنا بالأشارة إلى صعوبة اقتحام هذا المجال بسبب وجود الكثير من التفاصيل المتناقضة فى الأحاديث المروية حول هذا الموضوع ولكنها ترى أنه على الرغم من تلك الصعاب فإنها تعتقد أنها تستطيع أن تتخذ موقفا آمنا إزاء تصرفات "عمر"مع اليهود والنصارى حينما تفسر تصرفاته فى ضؤ المسلم الغيور على دينه الذى يبذل قصارى جهده للحافظ على دينه نقيا أصيلا بعيدا عن التأثر بالأديان السابقة.
ومن هذا المنطلق بدأت "حافا" فى سوق شبهاتها الواحدة تلو الآخرىبالأدعاء تارة بطرد عمر لليهود والنصارى من جزيرة العرب من أجل تطهير مهد الإسلام من أى ديانات أخرى.و إبتداع التقويم الهجرى لأجل توحيد المسلمين وتوحيد أعيادهم ومناسباتهم الدينية. ثم توصيته بالبعد عن التقديس الزائد لبيت المقدس أو تكرار الزيارة إليه وخاصة إذا كان الزائر لم يؤد فريضة الحج إلى الكعبة.
وذلك بقولها:"وعمر أيضا حاول أن يحول الاسلام عن سائر الديانات الآخرى من خلال بعض الأعمال الرمزية الهامة،مع احتمال أنه قصد التأكيد على تفرد الاسلام بشخصية عربية توحيدية.وهذا بكل تأكيد هو المعنى الواضح من طرده اليهود والنصارى من جزيرة العرب من أجل تطهير بلاد العرب "مهد الاسلام"من أى ديانات آخرى.وربما كان هذا سبباّ لإضافته تقويم جديد فى الاسلام؛ بدأً بهجرة الرسول...كما ظل "عمر" تقريبا سلبى الموقف تجاه قدسية أُرشليم متبعاً نفس الاتجاهات...حيث يرى "عمر"،أن قدسية أورشليم لم تحظى بأى عناية فى الاسلام ،بعد أن تغيرت قبلة الصلاة تجاه" مكة".لقد شعر "عمر"أن من واجبه أن يشدد على تفرد "مكة" و"الكعبة"وعلوهما على ما سواهما...ووفقا لبعض الأحاديث فإن "عمر" ضرب رجلان عند رجوعهما من الحج إلى القدس وقال لهما :"هل ذهبتما إلى الكعبة وصليتما فيها ؟ ومع ذلك فإن تلك الروايات لاتندرج تحت الأحاديث الصحيحة...كما حظر "عمر" على الناس التسمى بأسماء أهل الكتاب أوأسماء أنبياء العهد القديم أواسم "عيسى".بالاضافة إلى حظر نسخ أوقراءة كتب اليهود والنصارى وبالرغم من ذلك فهناك أحاديث تؤكد على عكس ذلك وتوحى بإباحة "عمر" لذلك -فى عهد "الرسول"-على النقيض من "النبى"!...إن "عمر" كان شديد الصرامة فى موقفه المتحفظ من تجاه اليهودية والنصرانية،وربما أيضاً تجاه واقعة محاولة إثناء النبى عن زواج زوجتيه "اليهودية،والنصرانية""صفية وماريا".على الرغم من أن هذا العرف اباحه القرآن...".( )
بالنسبه لأقوال "حافا" السابقة فإن الدافع الذى افترضته"حافا" لتلك التصرفات والذى حاولت فيه
ارتداء ثوب المدافع عن "عمر" بتبرير تصرفاته برغبة "عمر" فى الحفاظ على الهويه العربية للدين الاسلامى وحمايته من أى تأثير خارجى . مطبقةً المناهج والافتراضات البشرية مرة آخرى على الدين .
موحية للمتلقى أن دين الاسلام خاضع للتأثر بالآخر وهو ماترفضه تماماً المعتقدات الاسلاميه التى تتخذ من قوله تعالى:" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"( ) شعارها الرئيسى .
ولكن التبرير الاسلامى لتصرفات "عمر" السابقة أنها تنبع من محاولته تطبيق مأمربه الله ورسوله والاجتهاد فى ذلك بالرأى بعد استشارته الصحابة واعتماده على الاسس الشرعية المستقاه من كتاب الله وسنة نبيه .
فمثلا إخراجه لليهود والنصارى من مكة والمدينة كان امتثالاً وتطبيقاً لقول الرسول "صلى الله عليه وسلم:" ‏لا يترك‏ بجزيرة العرب‏ دينان" ( )- وليس طردهم لأنه قبل إخراجهم أعطاهم أرضاً بديلة لأرضهم من أراضى المسلمين- فقد ورد فى الأثر فى وصية "عمر" ليعلى بن أمية( ) حينما وجهه لإجلاء أهل نجران"ائتهم ولاتفتنهم عن دينهم، ثم اجلهم من أقام منهم على دينه،وأقرر المسلم ،وامسح ارض كل من تُجلى منهم ، ثم خيرهم البلدان واعلمهم أنا نُجليهم بأمر الله ورسوله ألا يُترك بجزيرة العرب دينان ،فليخرج من أقام على دينه منهم، ثم نعطهم أرضاً كأرضهم اقراراً لهم بالحق على أنفسنا ،ووفاءً بذمتهم ،فيما أمر الله من ذلك بدلاً بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف"( ).

وعن حرص عمر على حسن معاملة أهل الذمة ما ورد فى وصيته للخليفة من بعده بقوله:"وأوصيك بأهل الذمة خيرا ً، أن تقاتل من ورائهم ، ولاتكلفهم فوق طاقاتهم إذا أدوا ماعليهم طوعاً،أوعن يد وهم صاغرون"( )..."واوصيك ألاترخص لنفسك ،ولالغيرك فى ظلم أهل الذمة ، وقد أوصيتك وخصصتك ونصحت لك..."( )
والامثلة على ذلك كثيره ومتعددة وكلها تؤكد على عدل عمر ورحمته وحسن معاملته لأهل الذمة.

اما عن قول "حافا" بإبتداع عمر للتقويم الهجرىفهو قول ترده المصادر الاسلامية الصحيحة حيث تؤكد تلك المصادر على أن هذا القرار لم يكن أولاً: قراراً فرديا ولكنه كان جمعياً حيث أجمع عليه أصحاب رسول الله ثانياً:لم يكن بدعة ولكن مقتضيات العصر وترامى أطراف الولة الاسلامية وتعاقب أحداثها هى التى فرضت على المسلمين ذلك . هذا بالاضافة إلى انها لم تكن تقليدا يمس أصل من أصول الدين ولكنه كان نوعاً من تنظيم شئون الحياة . فقد ورد فى الاثر؛عن ميمون بن مهران قال: دُفع إلى "عمر" رضوان الله عليه صك محله فى شعبان ،قال عمر: شعبان هذا الذى مضى أو الذى هو آت أو الذى نحن فيه؟ ثم جمع أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال لهم : ضعوا للناس شيئاً يعرفونه فقال قائل اكتبوا على تاريخ الروم فقيل : إنه يطول وأنهم يكتبون من عند ذى القرنين.قال قائل : اكتبوا تاريخ الفرس كلما قام ملك طرح ماكان قبله فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كام أقام رسول الله "صلى الله عليه وسلم " فوجدوه أقام بالمدينة عشر سنين فكًتب التاريخ على هجرة رسول الله "صلى الله عليه وسلم".( )
وهناك من الآثار مايؤكد أن التقويم الهجرى كان إقتراح على"كرم الله وجهه" فعن عثمان بن عبد الله قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: جمع عمر بن الخطاب المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم اجمعين فقال :متى نكتب التاريخ ؟ فقال له على بن أبى طالب رضوان الله عليه : منذ خرج النبى" صلى الله عليه وسلم "
من أرض الشرك يعنى من يوم هاجرقال:فكتب ذلك عمر بن الخطاب رضوان الله عليه.( )

أما قول "حافا"بنهى عمر عن التقديس الزائد لبيت المقدس فقد استثمرت "حافا" هنا واقعة نهر "عمر بن الخطاب" لرجلين حجا إلى بيت المقدس قبل أن يؤديا فريضة الحج إلى الكعبة كدليل على النهى عن تقديس القدس !فى حين أن المسلم يدرك تماما أن سبب نهى عمر هنا لا علاقة له على الاطلاق بقدسية القدس ولكنه منحصر فى تقصير هذين الرجلين فى آداء ركن اساسى من أركان الاسلام وهو الحج مع استطاعتهم عليه بدليل خروجهما إلى بيت المقدس الذى يعتبر زيارته سُنة ،وفى الاسلام الفرض مقدم على السُنة.ومن الملاحظ أيضا بصورة واضحة فى العديد من مؤلفات "حافا" الآخرى أنها استغلت كثيراً تلك الواقعة وغيرها من الأحداث للتأكيد على عدم قدسية القدس فى الاسلام .ولايخفى على أى باحث فى الاستشراق الاسرائيلى الهدف الاستشراقى المرجو من وراء ترويج تلك المقولة واستخدامها كدليل على أحقية اليهود فى فلسطين لأن القدس أكثر قداسة لدى اليهودى.( )
















الخاتمة والنتائج
مما سبق عرضه يمكن استنتاج مايلى:
1- أن "حافا" تمثل تياراً فكرياً إسرائيليا يبدو فى ظاهره معتدلاً تجاه الإسلام، وإن كان يحمل فى باطنه كل التوجهات الفكرية الإسرائيلية مع عرض تلك التوجهات بصورة تُضفى على صاحبتها ثوب الموضوعية العلمية.
2- لم تتوان "حافا" فى تجنيد كافة أدواتها البحثية واللغوية فى خدمة الخطاب الجدلى فى كتاباتها.
3- تأثر "حافا" أيضا بالمدرسة الاستشراقية الألمانية وخاصة فى محاولة إخضاع الاسلام لمناهج النقد التىخضع لها العهد القديم وخاصة المنهج التاريخى والمنهج الاجتماعى.
4- استفادة "حافا" ذات الثقافة اليهودية والغربية فى نفس الوقت من مخزون الثقافتين وبلورته بصورة تخدم الأهداف اليهودية والغربية معاً فى فلسطين.
5- ترديد "حافا" لبعض الاشكالات التى رددها المستشرقون السابقون عليها. وخاصة المستشرقين اليهود. ومحاولة عرضها بثوب جديد يوحى بالموضوعية مع محاولة إحكام دلائلها كى تتناسب مع متطلبات العصر ومصالح الإسرائيليين فى فلسطين. مثل الادعاء "بعدم تقديس القدس فى الإسلام". وشبهة "تأليف القرآن بفعل البشر ومشاركة "عمر" فى صياغة الوحى".
6- أن هدف "حافا" الرئيسى من محاولة الترويج لفكرة أن عمر هو الرجل الثانى فى الاسلام والمدرك لجوهره أكثرمن صاحب الرسالة نفسه؛ هو اظهار الاسلام بمظهر الدين الوضعى وقطع صلته بالسماء مع محاولة اثبات ذلك من بعض الخلافات الطائفية المتطرفة والبعيدة عن اجماع المسلمين فى محاولة لاثبات إدعائها .
7 - أن المنهج الذى اتبعته "حافا" فى عرضها لسيرة "عمر" والذى صرحت فيه بعدم تمحيصها لاسانيد الروايات التى ساقتها بل وإعترفها بالاعتماد على بعض الصادر المرفوضة من اجماع المسلمين ممايقدح فى صحة بحثها.

التوصيات
وفى نهاية هذه الدراسة أقدم التوصيات التالية:
1- كى يمكننا عقد حوار مع الآخر لابد أن نرأب صدع الخلافات الطائفية فيما بيننا وألاندفن رؤسنا فى الرمال متناسين تلك الفوجات التى يحاول الآخر استغلالها فى سبيل تحقيق مآرب خاصة له،وحال العراق اليوم أكبر شاهد على ذلك.
2- أن أول خطوة فى سبيل تكوين لغة حوار بناء مع الآخر تكمن فى ايضاح صورة الأنا نقية مما يشوبها من ادعاءات أو فهم مغلوط من الآخر وهذا لايتأتى إلا بالرد الموضوعى المبنى على اسس علمية سليمة ومناهج صحيحة ومرجعية صادقة .
3- التوسع فى استخدام شبكة المعلومات"الأنترنت"لنشر المعلومات والمواد السليمة عن الإسلام بصفة عامة وسيرة الرسول والخلفاء الراشدين من بعده بصفة خاصة وترجمة تلك المعلومات إلى اللغات العالمية ،لخلق لغة حوار هادىء وبناء وحتى نؤدى واجبنا تجاه الآخر أولا يإيصال الاسلام إليه بصورة صحيحة وثانيا بتصحيح المفاهيم المغلوطة التى تؤدى فى أغلب الأحيان إلى تبلورحاجزاً نفسياً يحول دون مواصلة الحوار مع الآخر.








المصادر والمراجع
أولا : مصادر باللغة العربية:
1- القرآن الكريم.
ثانيا:قواميس عربية:
1- ابن منظور؛ محمد بن مكرم بن منظور الأفريقى المصرى:
- لسان العرب، ط1، دار الفكر للطباعة والنشر، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1990م.
ثالثا:المراجع والمصادر العربية:
1-ابن الجوزى؛أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد:
- مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب،المحقق؛أبو أنس المصرى،دار بن خلدون،الاسكندريه ،مصر،1416هـ=1996 .
2- ابن قيم الجوزية؛ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبى بكر الزرعى الدمشقى المعروف بابن قيم الجوزية تـ751:
- حكم الاسلام فى الغناء،المحقق أبو حذيفة ابراهيم بن محمد، مكتبة الصحابة ،طنطا،
ط 10،1406هـ.
3- البخارى؛ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزيه الجعفى. ت 256هـ.
- صحيح البخارى، بحاشية السندى، تحقيق: عماد زكى البارودى، المكتبة التوفيقية، القاهرة، 4 - السيد سابق:
- فقه السنة د.ن، القاهرة، د.ت.
5- - النووى، محى الدين أبو زكريا يحي بن شرف:
- صحيح مسلم بشرح النووى؛ تحقيق: رضوان جامع رضوان، ط1، المكتب الثقافى الشركة الدولية للطباعة، الأزهر، القاهرة، 2001م.
6- عباس محمود العقاد:
- عبقرية عمر، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، د.ت.
7- عبد الحميد شاكر" اعدادا":
- وصايا الرسول والخلفاء الراشدين، جروس بيرس، طرابلس ،لبنان ، ط1،1994=1415هـ.
8- عبد السلام بن محسن آل عيسى:
- دراسة نقدية فى المرويات الواردة فى شخصيةعمر بن الخطاب "رضى الله عنه" وسياسته
الإدارية، السعودية، الجامعة الاسلاميةبالمدينة المنورة،عمادة البحث العلمى،
ج1،1423هـ=2002م.
9- عبد المنعم فؤاد:
- من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية فى الإسلام، مكتبة العبيكان، ط1، الرياض، 2001 م.
10- محمد الغزالى:
- دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، نهضة مصر للطباعة والنشر، ط3،
القاهرة 1999م.
11- محمد جمال الدين القاسمى :
-المسح على الجوربين،ويليها ،اتمام النصح فى أحكام المسح،للألبانى ،حققه المحدث ناصر الدين
الألبانى،ط3، المكتب الاسلامى، بيروت ، لبنان،1399هـ=1979.


رابعاً:مصادر باللغة العبرية :
-الكتب:
- חוה לצרוס יפה:
- איסלאם-יהדות,יהדות-איסלאם,עורך:מיכאל וינטר,האוניברסיטה המשודרת,משרד
הפטחון,2003.
-האיסלאם קווי יסוד,משרד הפטחון,ת"א,מהדורה שלישית,1988.
-עוד שיחות על דת האיסלאם,משרד הפטחון,ת"א,1985.
-פרקים בתולדות הערבים והאיסלאם,רשפים ספרים,משרד ראש הממשלה,הדפסה
שביעית,1981.
- الدوريات :
- חוה לצרוס יפה:
- היחס האיסלאמית כיום לכעבה ולחג',למקוריהם ולהתהוותם,המזרח החדש,
תשל"ח,1978.
- הפרובלימאטיקה הדתית של העלייה-לרגל באיסלאם,דרכי האיסלאמיזאציה של
טקסי פולחן קדומים,דברי האקדמיה הלאומית הישראלית למדעים,כרך חמישי,
חוברת11,ירושלים,1976.
- על החגים באיסלאם,חקרי מזרח,לזכור דוד צבי בנעט,האוניברסיטה העברית,מאגנ-
ס,ירושלים,1979.

خامساً: قائمة المصادر والمراجع الأجنبية:

- Hava Lazarus Yafeh:
- Some Religious aspects in Islam, Brill, Leiden, The Netherlands,
1981.


سادساً: المعاجم والأطالس، ودوائر المعارف الأجنبية:
- ARND MCNALLY.& Company, Illustrate ed: Atlas the New world Chicago, New York, San Francisco Map, 5, 6, pp. 126-127.
- The New Book of Knowledges, Library of Congress, Cataloge, Card Number, 81-82202, Copy Right, 1982, By, Grolier, In Carporated, G. Volume, 7, 9, 14, 15, 16, printed in the united stats of America by David Mckay Company Inc.


سابعاً: مواقع شبكة المعلومات الدولية "الانترنت":

www.hareali,havri,Haifa,k12,v.newsite.
kehilluh@bezeqint.net3/1/2006
קהילת מבקשי-דרך,שדי ש"עגנון", ירושלים,43589.















 

جميع الحقوق ©  محفوظة لـ مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق 2005

تصميم و تطوير : Aziz.fm