راسلنا أضفني للمفضلة ضع مركز المدينة موقعاً إفتراضياً لجهازك
       
   

- تعريف الاستشراق
- نشأة الاستشراق
- وسائل الاستشراق
- أهداف الاستشراق
- مناهج الاستشراق
- أساليب الاستشراق
- آثار الاستشراق
- الظاهرة الاستشراقية
- حقيقة نهاية الاستشراق
- أزمة الاستشراق
- السعودية والاستشراق

- المدرسة الإيطالية
- المدرسة الهولندية
- المدرسة الفرنسية
- المدرسة الإنجليزية
- المدرسة الأمريكية
- المدرسة الألمانية
- المدرسة الإسبانية
- المدرسة الروسية
- دول أوروبا الأخرى
- في العالم الإسلامي
- طبقات المستشرقين

- المؤتمرات
- نموذجان للمؤتمرات العلمية
- المؤتمرات الاستشراقية الحديثة
- نظرة إلى المؤتمرات في بلادنا
- ندوة صحيفة عكاظ حول الاستشراق
- ندوة الحج والإعلام بجامعة أم القرى
- قراءة ثقافية في تاريخ دورات الجنادرية
- المهرجان 12- الإسلام والغرب
- المهرجان 17: الإسلام والشرق
- المناشط الثقافية في الجنادرية 18
- المؤتمر الدولي الثاني
- المؤتمر العالمي 1 حول الإسلام والقرن 21
- مؤتمر حول الإسلام في هولندا
- الاستشراق والدراسات الإسلامية -المغرب
- المؤتمر الدولي 35
- الرحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية
- ندوة إعلامية في جامعة نيويورك
- المؤتمر6 لجمعية القراءة العربية
- المؤتمر24 لجمعية أهل الحديث
- المؤتمر8 لكلية الإعلام بجامعة القاهرة
- المؤتمر العالمي1 بألمانيا
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي
- المؤتمر العالمي37
- مؤتمر التغيّر الديني في سياق متعدد بجامعة ليدن
- المؤتمر الدولي عن التغيرات الدينية في سياق متعدد بجامعة ليدن أغسطس 2003م
- ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل
- ندوة عن الاستشراق في تونس ، 22-24فبراير 2005م
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي الإسلام والغرب
- مؤتمر حول الاستشراق وحوار الثقافات في عمّان بالأردن أكتوبر 2002م
- برنامج المؤتمر الثاني والعشرين الاتحاد الأوربي للمستعربين والمتخصصين في الإسلام كراكو- بولندا29 سبتمبر -2 أكتوبر 2004م.

- القرآن الكريم
- الاستشراق والحديث
- المستشرقون والفقه
- الاستشراق والسيرة النبوية
- الاستشراق والتاريخ الإسلامي
- الاستشراق والأدب العربي
-

- القضايا المعاصرة

- بليوغرافيا
- رسائل علمية
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا عن الاستشراق الفرنسي زين الدين بوزيد
- مُرَاجَعَاتٌ فِي نَقْدِ الاِسْتِشراق مُقَدِّمَاتٌ لِرَصْدٍ وِرَاقِيٍّ (بِبْلِيُوْجْرَافِيٍّ)

- موقف الغرب من الإسلام
- موقف المسلمين من الغرب
- الإسلام والغرب حوار أم مواجهة؟

- الاستغراب
- معرفة الآخر
- مصطلح الاستغراب
- دعوة لدراسة الغرب
- كيف ندرس الغرب؟
- نماذج من دراستنا للغرب
- الرد على منتقدي دراسة الغرب
-
- وَحدة دراسات العالم الغربي والدراسات الإقليمية
- متى ينشأ علم الاستغراب؟؟

- المرأة المسلمة في نظر الغرب
- المرأة المسلمة وقضاياها
- المرأة الغربية وقضاياها المختلفة
- الطفل

الباحثون

اسم الباحث :الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم النملة

الجنسية : سعودي

.: معلومات إضافية :.

الشرق والغرب: المحددات والمؤثرات


الأستاذ الدكتور علي النملة


الشرق والغرب: المحددات والمؤثرات


الأستاذ الدكتور علي النملة

التمهيـد:

تتعرّض العلاقات بين الشرق والغرب إلى قدر كبير من الشّدِّ والجذب الفكري والديني, منذُ قرون, وقد دارت مساجلات فكرية طاحنة حولها, ونشأت مدارس فكرية وتخصُّصات أكاديمية, وظهر على الساحة مفكرون من الجانبين, نذروا حياتهم وفكرهم لإعمال النظر في هذه العلاقات, نشأةً وتطوُّرًا وتجاذُبًا بين عوامل التقارب والتعايش, أو الفرقة والعزلة والصراع.
ويوظَّفُ النقاش حول هذه العلاقات بحسب الرغبة في الالتقاء, أو تعميق الفجوة بين الشرق والغرب. وقد أسهمت عدةُ محدِّدات في هذا التوَجُّه أو ذاك. وتأتي هذه الورقة في محاولة لرصد هذه المحدِّدات, التي أثَّرت في وجود شكلٍ من أشكال الحوار بين هذين المفهومين.
وقد وصلتْ إلى سبعةَ عشرَ محدِّدا من محدِّدات العلاقة, بدئًا بالجغرافيا (الجهويَّة), من حيث النظرةُ إلى الجهة, ثم ما تعلَّق بالجهة,وكان فيها محاولة لتحديد مصطلحي الشرق والغرب, مع التوكيد على الاصطلاح الإجرائي, الذي قصد بالشرق الثقافة والفكر, النابعين من العربِ والمسلمين, وقصد بالغرب الثقافةَ والفكر النابعين من الغربيين بمعتقداتهم الغالبة, من حيث تطبيقُها على أرض الواقع الغربي, دون النظر إلى الجهة أو الجغرافيا, ثم عرَّجتْ على بقية المحدِّدات الأخرى, وتوسَّعتْ في بعضها دون بعض, كالاستشراق والاستغراب والتنصير والحوار, بحسب الشعور في الرغبة في التوسُّع لأهمية هذه المحدِّدات, التي جرى فيها توسُّعٌ ملحوظ.
وتحمل هذه الورقة عنوان: الشَّرق والغرب: محدِّداتُ العلاقاتِ ومؤَثِّراتُها؛ ذلك أنه ينبغي أن ينظر إليها على أنها محاولة لرصد عدد من العوامل, سواء في الماضي او الحاضر, وكان لها أثرٌ في تحديد العلاقة, فهي إذًا محدِّداتٍ ومؤثِّراتٍ في آنٍ واحد.
ولا تهدُف هذه الورقة إلى اعتبار هذه المحدِّدات والمؤثِّرات من المسلَّمات, بل هي طروحات خاضعةٌ للنقاش والحوار العلمي من قِبل المتخصِّصين والمهتمِّين في دراسة العلاقات بين الشرق والغرب, ولذا سيلاحظ القارئ والقارئة تكرار بعض الأفكار, بحسب دواعي استجلابها, عند مناسبة ذلك داخل المحدِّد نفسه.
وقد جرت المحاولة إلى ترتيب المحدِّدات بحسب تجانسها منطقيًّا, وجُمع بين الاستشراق والاستغراب والتغريب والاغتراب, والإرهاب والحروب واليهودية والتنصير, والحقوق والعرقية, والعلمنة والعولمة والإعلام. وانتهت بالمحدِّد السابع عشر: الحوار, الذي اتضح فيه تداخُل الأفكار مع المحدِّدات الأخرى, وبالتالي تكرار التعرض للمؤيِّدات, التي سبق التطرُّق لها في محدِّدات سابقة.
وكان القصد من تأخير هذا المحدِّد التوكيد على أنه مهما قامت بين الشرق والغرب من مؤثِّرات سلبيةٍ في الماضي والحاضر, إلا أن عوامل الالتقاء والتفاهم والتعايش تفوق تلك المؤثِّرات التي توحي بخلاف ذلك. ولذا جاء النقاش في هذا المحدِّد من أطولِ المحدِّدات, إن لم يكُن أطوَلَهأ.
وقد ينظر إلى هذه المحدِّدات على أنها مؤثِّرات, أكثر من كونها محدِّدات, إلا أنَّ الأولى جعلها محدِّدات، على اعتبار أنها تحدد العلاقة, أكثر من كونها تؤثر بها, لاسيما أنها صاحبت ظهور الإسلام, واستمرت معه حتى يومنا هذا, فهي في واقعها تغطي الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر وربما المستقبل.
وقد عمِد الطرح هنا إلى الموضوعية في النقاش, والهدوء في العرض, دون اللجوء إلى أسلوب عاطفي, هجوميٍّ أو دفاعيٍّ, قد يصل أحيانًا إلى تعمية الحقيقة. إلا أن الباحث في الشأن العلاقي بين الشرق والغرب, مهما حرص على أن يبدو موضوعيًا, فإن الانتماء الثقافي, وربما الجهوي, والهوية والدين, قد تطلُّ برأسها في سياق الطرح والنقاش, ولذا فإن المهم هنا ليس الحياد العلمي, بالمعنى الصارم للمفهوم, وإنما الشفافية في الطروحات, حتى لا يختلطَ الذاتي بالموضوعي, فتختلط الأوراق.
وقد جاءت هذه الوقفات في قسمين رئيسيين؛ كان القسم الأول معنيًا بالمقدِّمات, التي سُمِّيت المنطلقات. وكان القسم الثاني معنيًا بالمحدِّدات, التي عبَّرتْ عن وجهات نظرٍ, مستقاة من الرغبة في إبراز الانتماء الثقافي الواضح فيها. ولذا فقد كثُر فيها الاستشهادُ بالآيات الكريمة, والأحاديث الشريفة, ما وُجدتْ لذلك مناسبة, دون تعمُّد المبالغة في ذلك.
ولا بد من كلمة شكر وتقدير, لكل من أسهموا معي في إخراج هذه الورقة, منذ أن كانت أفكارًا مشتتةً, في بطون الصحف. وأخص بالشكر رؤساء تحرير الصحف, التي احتضنت هذا الطرح, كما أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لأخي العزيز الأستاذ الدكتور إبراهيم بن محمد الحمد المزيني, أستاذ الحضارة الإسلامية, بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, في المملكة العربية السعودية, الذي تفضَّل عليَّ بقراءة هذه, ووضع بعض اللمسات عليها, في الموضوع والشكل. وكذلك أخي العزيز الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين, المستشار لوزير الشؤون الاجتماعية, بالمملكة العربية السعودية, الذي تفضَّل كذلك بقرءة هذه الورقة, وسجَّل عليها ملحوظاته, التي أثرتها, وكان لها أثر في الصياغة النهائية لها.




القِسْمُ الأَوَّلُ:
المُنْطَلَقَــــــــــــــاتُ


المنطلق الأول: الاهتمام
يزداد الاهتمام اليوم بالإسلام والمسلمين من قِبَل أولئك الذين لا يدينون بالإسلام, وليسوا من المسلمين. وليس هذا الاهتمام جديدًا على الإسلام والمسلمين، فقد اهتم به الغير,( ) منذ بعثة محمد , فالإسلام, في نظر المسلمين, يُقدِّم نفسه بديلاً لجميع الأنظمة القائمة التي تريد أن تهييء للإنسان حياة طيبة، ولكنها, في نظر المسلمين, تقصًر دون ذلك.
وزيادة الاهتمام بالإسلام والمسلمين اليوم ناتج عن سببين رئيسيين في نظري، أولهما هذه العودة الصادقة إلى الإسلام في المجتمعات المسلمة والجاليات المتغرِّبة في المجتمعات غير المسلمة, هذا مع عدم إغفال ما ترتب على هذه العودة, التي تسمَّى بالصحوة, من تطورات في فهم الإسلام, خرجت به في حالاتٍ عن الفهم الصحيح, مما ترتب عليه نشوء حالات من الغلو (التطرُّف) برزت آثارها محليًا وعالميًا.
والسبب الثاني أنه مع العودة إلى الإسلام من قبل المسلمين, ينحسر وجود عقائد أخرى لدى الغير, كانت تشغل الساحة العالمية, كالشيوعية مثلاً، فعندما انقشعت الشيوعية عاد معتنقوها إلى خلفياتهم السابقة قبل سبعين سنة مضت، فالنصارى بدأوا يتلمَّسون نصرانيتهم من جديد، والمسلمون وجدوا في العودة إلى الإسلام بديلاً للتوجه الشيوعي أو الاشتراكي, الذي فُرِض على معظمهم بالقوة, حتى وصل بعضهم إلى الاقتناع به خيارًا وحيدًا للحياة.( )
ومن المؤسف أن الإسلام في المجتمعات غير المسلمة يقدَّم علميًا وثقافيًا من خلال مجموعة من مراكز الدراسات الإسلامية أو العربية، وبعض هذه المراكز تقوم على خلفية معادية للإسلام، فهي تصوِّر الإسلام بالصورة التي صوَّرها فيها طلائع أرباب هذه المراكز من المستشرقين, قبل أكثر من ثمان مئة سنة مضت،( ) لاسيما مع أفول نجم الحروب الصليبية, وعودة الصليبيين إلى ديارهم.
ولا يُعتقد أن المراكز الإسلامية التي يديرها مسلمون قد وفِّقت, إلى الآن, في تقديم الإسلام بصورته الواضحة لغير المسلمين, على المستوى الذي تقدمه لهم مراكز الدراسات الإسلامية الاستشراقية لأسباب متعددة، من أهمها قلة العلماء في المراكز الإسلامية, وقلة الإمكانات من الأموال, وبالتالي المعلومات, التي تقدِّم الإسلام بصورته الواضحة.
ومع أن المراكز الإسلامية, التي أقامتها الجاليات المسلمة,ذات طابعٌ دعويٌ, فإنها تقتصر في أغلب الأحيان على دعوة المسلمين أنفسهم. وإن كانت تسعى أحيانًا إلى أن تمدَّ في خدماتها إلى غير المسلمين.
ويحاول الدعاةُ والعلماءُ, الآن, في المجتمعات المسلمة نقلَ الصورة الصحيحة عن الإسلام إلى المجتمعات غير المسلمة، في الوقت الذي يحاولون فيه توضيح الإسلام الصحيح للمسلمين العائدين إلى الإسلام, مثلَ حرصهم على تقديم الإسلام الصحيح لغير المسلمين.
وليست هذه الوقفات بصدد طرح أوليات العمل الإسلامي في الغرب, بقدر ما هي توكيدٌ على أن هذا الاهتمام المتزايد بالإسلام والمسلمين, اليوم, يفرض على المسلمين نمطًا مختلفًا من التعامل مع الغير في الجوانب العلمية والدَّعوية, يستوجب الحرص المتواصل من قِبل المعنييِّن بشأن العلاقات بين الشرق والغرب, أو العالم الإسلامي والغير, على العمل على تقديم الإسلام بصورته الصحيحة, بدلاً من أن يُترك المجال لتلك الفئات التي أخطأت في فهم الإسلام, ونقلت هذا الخطأ في الفهم إلى الآخرين, فتراكمت الأخطاء, وخسر الجميع.


المنطلق الثاني: الحَقَائِق
وهناك عدة حقائــق تحكم العلاقة بين المسلمين والغرب. ولابد من وضع هذه الحقائــق في الحسبان عند النظر في هذه العلاقـــة. ومن هذه الحقائق تلك التي ذكرها المؤلف هادي المدِّرسي،في كتابه: لئلا يكون صدام حضارات: الطريق الثالث بين الإسلام والغرب.( ) ومجمل هذه الحقائق يتلخص في الآتي:
الحقيقة الأولى: أن ذاكرة المسلمين تحتفظ بصور سلبية حول تعامل الغير معهم، ذلك أن العالم الإسلامي قد تعرَّض، ولا يزال يتعرَّض، لهجمات غير مسوَّغةٍ من قبل أرباب الديانات الأخرى وأتباعهــــا.
الحقيقة الثانية: أن معظم أقطار العالم الإسلامي قد تعرضت للاحتلال العسكري المباشر، وجثمت على المجتمع المسلم ردحًا من الزمان، تخطى في بعض الجهات مئات السنين، وترك آثارًا لا تزال المجتمعات المسلمة تعاني منها.
الحقيقة الثالثة: أن هناك تمييزًا ضد المسلمين, قائمًا على سوء فهم العالم الإسلامي, مبنيًا على استقاء المعلومات من علماء غربيين مستشرقين لم يكونوا في مجملهم منصفين للمسلمين. ولقد ذكر الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون المسلمين.: "ليس هنالك من شعب له صورة سلبية عند الأمريكيين بالقدر الذي للعالم الإسلامي".( )
الحقيقة الرابعة: أن هناك خلطًا بين المسلمين وبعض الحكومات, التي لا تمثِّل بالضرورة المسلمين فيها. وحتى تكون الصورة أكثر وضوحًا, فإن هذا ينطبق على بعض الحكومات الشيوعية التي فُرِضَت على شعوب مسلمة، ولكنها لم تتمكن من الاستمرار, رغم التغييب الذي زاد عن سبعين سنة، ومثل هذا يقال عن أولئك الذين سعوا إلى تبني الشيوعية, أو غيرها بديلاً عن الإسلام.
أفرزت هذه الحقائق الأربع تنميطَ العالم الإسلامي إلى أنه عالم يتعطش للحروب، وبالتالي يدعو الإسلامُ, من هذا المنطلق, أتباعه إلى العنف والإرهاب, بالمفهوم الغربي للإرهاب, القائم على الترويع, وأخذ الأبرياء بأخطاء المذنبين.
كما أفرزت هذه الحقائق اعتبارَ المسلمين قوة جيوسياسية موحَّدة متزايدة من حيث السكَّان والثروات، إذ يؤلف المسلمون الأكثرية في ستين (60) دولة, ويتجاوز نمو المسلمين 15% , من حيث تحول الناس إليه اعتناق الإسلام، ومن حيث التكاثُر، ويحتضن العالم الإسلامي 66% من نفط العالم، و37% من الغاز,( ) ونسبًا عالية من الثروات الطبيعية الأخرى, كالفوسفات مثلاً.
وبالتالي ظهرت الدعوة إلى تجزئة العالم الإسلامي, وتفتيته, ومنعه من الوحدة, عن طريق الاستعمار في الماضي, وما يشاع الآن حول التقسيم بطرقٍ أخرى، بل وإثارة المشكلات, لتُضْرَب دولُ العالم الإسلامي بعضُها ببعضها، فيُدعَمُ الطرفان بطرق مباشرة أو غير مباشرة, كما حدث بين العراق وإيران, ثم بين العراق والكويت.
ومن الدعم غير المباشر, كذلك, زيادة حدة التوترات في العالم الإسلامي, في المجال الثقافي والفكري، ثم تأييد حركات فكرية وادبية, كحركة الحداثة, مثلاً, لمواجهة الحركات الإسلامية,( ) التي تسمى بالأصولية، وضرب هؤلاء بأولئك.( )
وكذلك تقوية الدعوات الانفصالية للأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي, مثل حركة الانفصال في جنوب السودان عن السودان, وحركات الانفصال في شرق تيمور عن إندونيسيا.
وربما قيل إن هذه الحقائق الأربع لم تنطلق من واقعيةٍ في التطبيق, فهي إذًا غير صحيحة، ويذكر هادي المدّرسي أن عدم واقعيتها, وعدم صحتها ربما ينبع من عدة وجهات:
أولها: أنها تستند إلى مبدأ استعماري قديم هو: فَرِّق تَسُد.
وثانيها: أن الإسلام يقف بأتباعه وجهًا واحدًا لأي عدو خارجي, مهما كانت المحاولات لتمزيقه إلى طوائف وقوميات وأعراق.
وثالثها: أن هناك انبعاثًا جديدًا في العالم الإسلامي سمي بالصحوة، وهناك من يتحفظ على هذه التسمية، والإسلام ليس دينًا منفصلاً عن الحياة كما هو الحال في الأديان الأخرى، وأن الإسلام نفسه, بالمسلمين, هو الذي يأتي في "مقدمة الأسباب المحورية التي أدت إلى انهيار الشيوعية في العالم الشيوعي نفسه".


المنطلق الثالث: المسلَّمات
وينطلق النقاش هنا من خلال عدد من النقاط, يمكن أن ينظر إليها على أنها مسلَّمات, أو على أقل تقدير على أنها الأرضية التي تمهّد لهذه الوقفات, على ألاَّ ينظر إليها على أنها موجِّهات, بقدر ما هي تحديد للهويَّة التي تنطلق منها. ويمكن النظر إلى هذه المسلمات من خلال الآتي:
أولاً: أن الحديث عن الإسلام وعلاقته بالثقافات الأخرى, السابقة والقائمة واللاحقة حديث طويل ومتفرع, ويخضع للرأي في كثير من الأحوال, إلا أن ضابطه, من وجهة نظر المسلمين, دائما مبدأ الولاء والبراء( ) من جهة, والتعامل المطلوب والتفاعل المتوقع من جهة ثانية.
ثانيًا: لم تعد كلمة الغرب توحي بالجهة المقابلة للشرق, ولكنها أضحت مدلولا اصطلاحيا يعني ثقافةً وفكرًا, بغض النظر عن الجهة, وأمسى هذا الفكر الغربي والثقافة الغربية تعني المناقَضة للإسلام, مما يدعو إلى اتخاذ موقف من هذه الثقافة والفكر.
ثالثًا: الموقف المتخذ تجاه الغرب قد يكون على أنواع ثلاثة:
فالنوع الأول: هو الذي يلفظ الغرب, بكل ما توحيه الكلمة من فكر وثقافة مستعلية, بل وأعراق تزعم الفوقيَّة.
والنوع الثاني: هو ذلك الموقف الذي يتقرَّب إلى الغرب, ويحاول تطويع الإسلام له, لا تطويعه للإسلام, ويعتذر للغرب, إذا كان في الإسلام ما لا يتفق مع الثقافة الغربية والفكر الغربي.
والنوع الثالث: هو ذلك الموقف الذي يرى أن الغرب ساحة مفتوحة متعطشة إلى الاستقرار الروحي والذهني والاجتماعي, وأن الفرصة مواتية لتقديم هذا الاستقرار بأنواعه من خلال الإسلام.
رابعًا: أن الغرب ينظر إلى الإسلام على أنه القوة القادمة, أو العدو القادم, أو الخطر القادم, وهو على ما يبدو يخشى هذه القوة القادمة, أو العدو أو الخطر القادم, لما يعتقد من أنها ستؤثر مباشرة على معطيات الحضارة الغربية, وستعيد الشعوب والحضارات إلى الوراء, وما يتبع ذلك من خسران للتجربة الديمقراطية الغربية في المنزل والمكتب والمدينة والمقاطعة والولاية والدولة.
خامسًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق, الإسلام هنا, يقوم على فكرة استشراقية قديمة تتجدَّد, قامت على تشويهٍ للإسلام, ناتج عن موقف المسلمين في الحروب الصليبية, وعدم سماحهم للحملات بالنجاح على حساب المسلمين.
سادسًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق, المسلمين هنا, يقوم أيضا على فكرة التنصير, وأن الشرق ينبغي أن يكون غربًا في المفهوم الديني كذلك, وأنه في سبيل إنقاذ الشرق من أي شر لابد أن يتحول الشرق إلى عالم نصراني.
سابعًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق, البلاد الإسلامية هنا, يقوم كذلك على خلفية استعمارية, كانت في يوم من الأيام هي المسيطرة على الشرق, حينما كان الشرق نائمًا, لا يملك قدرات بشرية تفكِّر وتقود وتعمل.
ثامنًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق, البلاد الأخرى هنا, يقوم أيضا على نظرة عرقيَّة, مفادها تفوُّق الأعراق الأوروبية, من آرية وغيرها, على الأعراق الأخرى, بل والأجناس الأخرى, كالساميَّة فيما يتعلق بالعرب من المسلمين, وهذه النظرة وما قبلها أملت على الغرب الشعور بالفوقية, والسمو على الأجناس الأخرى.
تاسعًا:أن الشرق الآن, والعالم الإسلامي منه بخاصة, يعيش حالةً من النهوض, نسميها بالصحوة, أو نسميها بالعودة إلى الدين, مما يجعل نوع العلاقة مع الغرب يأخذ شكلا آخرَ, هو أقرب إلى الأشكال التي قامت عليها العلاقة قبل الحملات الصليبية التسع, وأثناءها, وبعدها قليلا.
عاشرًا: أننا لا نزال في حوار ذاتي حول العلاقة مع الغرب, من منطلق المواقف الثلاثة, التي ذُكرت من قبل في ثالثًا, ويعتمد الأمر عندنا على فهم الشرق, وفهم الغرب في آن واحد, مما يوحى بالتخصصية هنا.
ومن هذه النقاط العشر السابقة تبدأ هذه السلسلة من المحدِّدات في معالجة العلاقة بين الشرق والغرب من وجهة نظر, تسعى إلى أن تقف عند كل فقرة من الفقرات, أو النقاط, أو المحدِّدات, وتناقشها مناقشة, تعبِّر عن ذاتية المناقِش, مما يجعلها نفسها قابلة للنقاش, ومن باب أولى قابلة للأخذ والرَّد.


المنطلق الرابع: التسويغ
يصعب على المرء أن يمرَّ في هذا الظرف المؤلم, المتمثِّل في أحداث الحادي عشر من ستمبر 2001م, الموافق 26/6/1422هـ وتداعياتها, دون أن يعمل الفكر عمله في التصدِّي لهذا الحدث, من خلال الإسهام في بيان ما أحدثه من شرخ كبير, بين الشرق والغرب, في الوقت الذي تسعى فيه النظرة المتسامحة, وهي النظرة الواقعية, إلى تجسير الفجوة, المتصنَّعة أحيانًا, بين القطبين, الشرق والغرب.
والذين يقرأون بعض الكتابات الغربية في الصحافة الغربية يقرأون عجبًا من القول, إذ جُنِّدت أقلامٌ للتعليق على الحدث/النتيجة, الذي تضررت منه الحضارة اليوم, وأعادت التفكير في هذا التقدم المادي الذي بدت عليه الهشاشة، لاسيما أنه تقدمٌ قام على حساب الُمثُل والمعطيات الروحية للأمم. ولقد قيل كثيرًا من قبل إن هذه الحضارة التي نعيشها اليوم إنما تؤكد على البعد المادي للحياة، وكانت هناك دعوات, ولا تزال, إلى الالتفات إلى البعد الروحي للحياة, مع هذا الالتفات للبعد المادي.
ومن الصعب علينا أن نقف موقفًا ذاتيًا حول هذا الظرف المؤلم, الذي يمرُّ به العالم الإسلامي خاصة، ويمرُّ به العالم عامة، فمهما قيل على المستوى الرسمي، إلا أن الطرح الإعلامي, والسلوكيات الشعبية في أوروبا وأمريكا, ثم في أستراليا وما جاورها, حمَّلت الإسلامَ والمسلمين مسؤولية ما حدث، وهذا يذكّر بالدعوة الملحِّة إلى أن تصرفات المسلم, أيًّا كان هذا المسلم, ليست دائمًا هي حجة على الإسلام، بل إن الإسلام نفسَه هو الحجةُ, على تصرفات المسلمين وسلوكياتهم.
ومع بساطة هذا الطرح إلا أنه لم يؤخذ في الحسبان عند النظر والتحليل لأحداث الحادي عشر من سبتمبر, التي يُزعم أنها قامت بسبب من أفراد ينتمون للإسلام.
يقول عبدالوهاب المؤدِّب: "ليس الإسلام أصل الداء الذي أقصد تناوله, فأولئك الذين اعتنقوا الإسلام عملوا على إبدال حتى بنية الحضارة, فليس الإسلام بالتالي هو أصل المصيبة, بل المصيبة هي ما فعله المسلمون أنفسُهم بالإسلام".( )
وتعلو المُتابع الدَّهشةُ من أخوة غير متخصصين في علوم الشرع, ينبرون على المنابر, وفي وسائل الإعلام, بجرأة غير مسبوقة, في طرح آرائهم واعتقاداتهم, حول موقف من المواقف، أو حادثة من الحوادث، ويصيغون من هذه الآراء أحكامًا شرعية صريحة قاطعة.



المنطلق الخامس: الجُِغرافيا
انطلق الحديث عن البُعد الجعرافي في العلاقة بين الشرق والغرب في القرن التاسع عشر, عندما كتب نورمان دانييل كتابًا أعطاه هذا العنوان: الإسلام والغرب.
ولقد كُتب الكثير عن الشرق والغرب من كتب ومقالات ومحاضرات، ولا يزال الموضــــوع يزداد حيويــــةً, بزيادة الحوار بين الشرق والغرب، أو بين المسلمين والغرب على وجه التحديد، مهما أخذ الحوار من أشكال، كان من آخرها ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية, وفي كل من واشنطون ونيو يورك خاصَّةً, في الثلــث الأخير من السنـــة الميلادية (11/9/2001م)، الموافق 23/6/1422هـ.
ولا بُدَّ من التوكيد على إغفال الجهة, فيما يتعلَّق بالمفهوم المتبادِر للشرق, وهو الإسلام, إذ يلاحظ المتابع أن هناك وجودًا لهذا الدين في أماكن شتَّى.
وإذا أُمعن النظر في الوجود الإسلامي في الغرب, يتبيَّن أنه يعيش الآن في الغرب ما يزيد على سبعة وخمسين مليون وست مئة وخمسين ألف (57.650.000) مسلم ومسلمة، لهم منشآتهم التي يؤدون فيها عباداتهم, وأوجه نشاطهم, كالمساجد, التي تقدر بالولايات المتحدة الأمريكية نفسها بأكثر من (6000) مسجد،( ) وفي فرنســــا حوالي (3.500) مسجد، منها (110) مساجد في باريس الكبرى وحدها، هذا عدا عن المدارس الرسمية والخاصة، والمقابر والمجازر والمحلات التجارية والنوادي والمكتبات.
واعترفت بعض الدول بالدين الإسلامي, وفي دول أخرى يكوِّن الإسلامُ الدين الثاني في الدولة, مثل بلجيكا، ودخل المسلمون المعترك السياسي في الحكومات المحلية والمجالس البلدية، مثل فرنسا, مما يوحي أن هناك تأثيرًا للمسلمين في الغرب يفوق حادثة عارضة، مهما كانت آثارها السلبيذَة التي خلفتها، وكانت قد حُسِبت على المسلمين بعامتهم. وهذا يدل على مزيد من التنامي للإسلام في الغرب.
وفي ضوء هذا التنامي المستمر للإسلام, بفعل التأثير الطيب, والممارسة الجادة للإسلام من قبل أهله, وترسيخ مفهوم القدوة ينتشر الإسلام في الغرب, كما انتشر من قبل في الشرق, وفي جنوب العالم القديم.
وهناك وجهة نظر, غير منتشرة, عند طرح هذا الموضوع, هي أن حادثة 11/9/2001م, مهما كانت قوتها، ومهما كان وقعُها, إلا أنه لا يؤمَّلُ لها أن تؤثر سلبًا على العلاقة بين الشرق والغرب, لاسيما إذا تبيَّنت الظروف التي أحاطت بهذه الأحداث المؤلمة, ليس تقليلاً من آثار ما حدث، بل إن الظروف التي أحاطت به لا تزال موضع جدل وحوار.( )
وسيدوم هذا الجدل والحوار طويلاً، سينتج عنه تعضيدٌ لحركة الاستشراق, التي مرَّ عليها حين من الدهر كانت فيه راكدة، فجاءت الأحداث لتعيد لهذه الظاهرة شيئًا من بريقها وحيويَّتها التي كانت عليه, بما في ذلك تركيزها على الظاهرات الاجتماعية, واتخاذ الأنثروبولوجيا مرتعًا خصبًا لها,( ) وستثري المكتبة العالمية، ومنها العربية والإسلامية، بالمزيد من الكتب, التي ستتحدث عن الإسلام والمسلمين، وبيان الموقف الإسلامي من الأحداث القائمة, التي تلت حادث 11/9/2001م الكبير.
وسيكون هناك طرح من المدرسة اليهودية/الصهيونية في الاستشراق, في محاولة لبيان أنَّ هذا هو الإسلام، وستكون هناك ردود فعل من المتلقِّين من غير اليهود، وقد تعرفوا على موقفهم من العرب والمسلمين.
ولا بُدَّ من التوكيد, مرة أخرى, على إغفال البعد الجغرافي/الجهوي, رغبةً في سدِّ الطريق على أولئك الذين يسعون إلى ان يظل هناك فجوات حضارية, وثقافية, وفكرية بين الشرق والغرب. وسيأتي المزيد من تحليل البعد الجغرافي, على أنه محَدِّدٌ مهم ورئيسي, من محدِّدات العلاقات بين الشرق والغرب, لمزيد من التوكيد على التجسير.









القِسْمُ الثَّانِي:

الُمحدِّداتُ


المحدِّد الأوَّل: الجهويَّة
في القسم الأوَّل جرى التوكيد على إغفـــال الجغرافيـــا, أو الجهة, عند مناقشة محدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب، ذلك أن نعت الطرفين بصورة قابلة للمقارنة يؤيد هذا الإغفال، وهما طرفان, في ظاهرهما, غير متقابلين؛ فالغرب جهة، والشرق, المتمثِّل في هذا الطرح بالإسلام, لا يعترف بالجهات من حيث التأثير.
ولعل من أسباب التوكيد على أن المراد بالشرق في هذا الطرح الإسلام في مقابل الغرب, الإيعازَ الفعليَّ بأن الغرب فكرٌ وثقافة، وبالتــالي ضرورة الابتعاد عن المقابل الجغرافي، وهو الشرق. والحديث لا ينصب على الغـــرب في مقابل الشرق جهويًّا، بل الإسلام الدين, في مقابل الغرب الفكر والثقافة والتوجَّه.
والابتعاد عن الشرق, الجهة والثقافة والفكر, مقصود أيضًا بالتوكيد على الإسلام، لأن مدار الحديث هو المقابلة بين الإسلام, لكونه اليوم متركِّزًا أكثرَ في الشرق, بالنسبة للغرب، ولكون الشرق أيضًا مليئًا بالثقافات والملل والنحل الأخرى, غير الإسلام. وبالتالي فإن إطلاق الشرق هنا قد لا يقتصر على حصره بالشرق الإسلامي.
ويؤيد هذا التوزيع زعم بعض مفكري الغرب، وهو الشاعر روديارد كيبلنج بمقولته المشهورة أن الشرق شرق والغرب غرب، وهو يعني بهذا أنهما لا يمكن أن يلتقيا أبدًا، فسيظل الشرق شرقًا, بمعطياته الفكرية والثقافية والحضارية، وسيظل الغرب غربًا, بمعطياته الفكرية والثقافية والحضارية. ( )
ويزعم هذا الادِّعاء أن الشرق قد أدى دوره في الحياة، ثم تنازل للغرب الذي يقود اليوم مسيرة الحضارة، وبقي الشرق على ما هو عليه، ماضيًا وتاريخًا، مجالاً للدراسة والسياحة والهروب من الغرب في رحلات استجمام, وتعرُّف على التراث واطلاع على الآثار، ثم يعود الغرب ليواصل البناء بعد أن قضى مدة من الراحة.
ثم ينهل الشرق من الغرب عندما يهاجر الشرقيون هجراتٍ دائمةً, أو مؤقتةً, إلى الغرب, فينصهرون فيه، ويتمثَّلون معطياته, متنازلين عن ماضيهم وعراقتهم, إلا في مجالات العروض في مناسباتٍ, يكون فيها لباسٌ شعبي أو أكلات شعبية أو رقصات شعبية وغناء شعبي، وكأن الشرق لم يكن يجيد سوى هذه المظاهر التي لا تعبر عنه، وإن كانت قد أضحت جزءًا من تراثه. وهــــذا التوجه هو جزء من حملة التغريب.( )
ثم قامت المؤسسات السياسية للمغتربين المسلمين, وخاضوا غمار التأثير السياسي من خلال قيام مفهوم الدهلزة( ) العربية والإسلامية، وأضحى هناك نوَّابٌ مسلمون, وعمدٌ مسلمون للمدن، وافتتحت بعض البرلمانات دوراتها بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم، وحصلت اعتذارات, من جهاتٍ تجاريةٍ أو ثقافيةٍ, لأي إهانة مدسوسة, ضد الإسلام, في دعاية أو إعلان, أو منتج ثقافي، وذلك بفضل تأثير الدهلزة العربية الإسلامية.
ولم تلاقِ هذه الأساليب ترحيبًا من بعض المسلمين في البدء؛ لأسباب مختلفة. وعندما ظهر تأثيرها الإيجابي بدأ الاعتراف بها على استحياء، وهي على أي حال الآن تسير سيرًا حسنًا، تؤيِّدها وتدعمها في ذلك جهود البعثات الدبلوماسية العربية والإسلامية في البلاد الغربية, التي لا يخفى تأثيرها كلما وفقت إلى رجال واعين مدركين, يتمتعون بمصداقية وثقة عالية بمبادئهم ومثُلهم وسلوكيَّاتهم.
والحق أن البعثات الدبلوماسية قد سبقت مفهوم الدهلزة المنظمة، باتباع هذا الأسلوب من قبل، فكأنها هي التي مهدت الطريق إلى القبول.
وقد أثبت الإسلام في الزمان الماضي, وفي الوقت الحاضر, بُطلان نظرية الشاعر روديارد كيبلنج أن الشرق شرق والغرب غرب، فأمكن للمسلمين أن يعيشوا في الغرب, ويتعايشوا مع أهله, مع احتفاظهم الكامل بهويتهم, وتأثيرهم إيجابًا على أهل الغرب، الأمر الذي فرض احترام الغربيين للمسلمين, ومراعاة مشاعرهم في المناســـبات الدينـــية كالصلاة والصيــــام والعيديـــن والزواج ونحوهـــا.
وهــــذا يثبـــت لنا, موضوعيًا, أن الغرب ليس كلُّه متحاملاً على الإسلام والمسلمين، وأن الخير باقٍ في الناس, حتى لو قام بينهم اختلاف في المنطلقات، هذا مع عدم إغفال النصوص الشرعية الصريحة "المحكمة" التي تؤكد على عدم الاتفاق مع الخلفية الثقافية الغربية القائمة على مرتكزات نصرانية ويهودية من مثل قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}[الآية 120من سورة البقرة], وقوله تعالى:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ}[الآية 82 من سورة المائدة].
ولا تأتي هذه الورقة لتتناسى هذه الآيات ومدلولاتها, في سبيل التقريب بين الشرق والغرب، بل إن الطرح, هنا, يحذِّر من ذلك, حتى لو كان الزمانُ زمانَ معايشة وتطبيع وحوار، إلا أن هذا كلَّه لا يأتي على حساب ما نؤمن به, ونعتقده جازمين من استمرار هذه المواقف المبدئية من اليهود والنصارى, على تباينٍ في درجات الاختلاف.
ومن هنا، ومن واقع هذا التأثير الإيجابي داخل الغرب نفسه, ندرك حكمةً من حكم الله تعالى في إغفال الجهويَّة لهذا الدين، وبالتالي تستمر مسؤولية المسلمين, في كل مكان من هذا الكون, في نشر الإسلام, بالوسائل المناسبة والمقبولة والمؤثِّرة، وقبل ذلك تمَثُّل المسلمين إسلامَهم في أنفسهم وفي مجتمعهم، وذلك ليبدأوا بالوسيلة التي اثبتت جدارتها وجدواها, عندما يكونون قدوةً للآخرين, في سلوكياتهم وتعاملهم مع بعضهم, ومع غيرهم.
والحديث عن الغرب قد يُقصد من ورائه الحديث عن أولئك الذين يتبنَّون الفكرة الغربية في النظر إلى الإسلام، وإن كان الناظرون إليه في أقصى الشرق، بل إن كان الناظرون إليه في الوسط, حيث يتركَّز المسلمون العرب في الجزء الغربي من قارة آسيا, والجزء الشمالي من قارة أفريقيا, دون التحديد الدقيق لهذه الأجزاء.
ومن ناحية أخرى لا يعني الغربُ, جغرافيًا, مناهضَةَ الإسلام، فليس كل الغربييـن يضمـرون العداء للإسلام والمسلمين، بل إن فيهم المتعاطفين مع هذا الدين, المدركين أنه يحتلُّ مكانةً في النفوس, وأن أحكامَه ذات قابليَّة للتبنِّي، ولذا فلا أصل لنظرة البعض في رفض كل ما هو غربي, وافتراض أنه يضمر للإسلام والمسلمين العداء. ولا بُدَّ من التمييز من خلال الممارسات والأفعال, من منطلق الحكم على الظاهر, دون الدخول في النيَّات، ودون طرح الانطباعة المسـبّقة, القائمة على النمطية في النظرة إلى الغرب.
وإذا كان الغرب قد نظر إلى الإسلام والمسلمين بنمطية مؤداها سلبي، فليس من الحكمة أن ينظر المسلمون إلى الغرب هذه النظرة القائمة على ردِّ الفعل:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِِزْرَ أُخْرَى}[من الآية 18 من سورة فاطر].
وليس الهدفُ المجابهةَ والتصدِّي, بقدر ما يكون الهدفُ المواجهةَ والعملَ على إقناع الغير بعصمة ما نملك, رغبةً في إقباله عليه لا رغبةً, بالضرورة, في التغلّب عليه، ولذا فإن النظرة الإسلامية الإيجابية إلى الغرب ينبغي أن تؤكِّد على أنه أرضُ خصبةٌ, تتمثَّلُ بها القابليَّة لهذا الدين من ناحية, وعلى أنه بحاجة إليه من ناحية أخرى.
وينبغي التوكيد على أن هناك من يتزعّم السعي إلى تقليص رقعة الإسلام، ومن ثم تقليص عدد المسلمين, بالوسائل المباشرة أو بالوسائط المبطَّنة, وكأنَّ الإنسان, في نظرهم, أرحمُ من الله تعالى بعباده، وكأنهم هم الذين يقسِمون رحمةَ الله تعالى على البشر. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[الآية 32 من سورة الزخرف].
وأولئك هم (النخبة) الدينية أو السياسية أو الثقافية أو الراسمالية أو الاستعمارية, التي لا تحب أن ترى الإسلام منتشرًا؛ لأنها تدرك أنه سيحول دون تحقيق رغباتٍ خاصة, فرديةٍ أو طائفية أو حزبية، وسيجعل الناسَ سواسيةً؛ لأنه سينظر إلى الإنسان على أنه إنسانٌ, مجرد من أي وصف لاحقٍٍ لإنسانيته، فهو برئ من العنصرية والإقليمية والطبقية والعرقية، وهذا التجرد قد يتعارض مع بعض السياقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للغرب، ولذا فهي ترفض الإسلام.


المحدِّد الثاني: الإرهاب
من محدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب هذه الظاهرة العالمية التي تعارف الناس عليها واختاروا لها مصطلحَ الإرهاب, المقابل السريع للمصطلح الأجنبي Terror الذي كان الأولى أن ينظر إليه على أنه أقرب إلى العنف منه إلى الإرهاب، ويمكن الادعاء بأن الذين تصدوا للمصطلح الأجنبي, وأعطوه المقابل العربي الإرهاب, لم يكونوا دقيقين في الترجمة، لا سيما أن إشاعة هذا المصطلح العربي قامت على أكتاف الإعلام الذي روَّج لهذا المصطلح, دون النظر إلى الدقة في النقل عن المقابل الأجنبي.
وهذا الاعتراض نابعٌ من أن المفهوم الإسلامي للإرهاب يختلف, في المؤدى, عن المفهوم الشائع الآن، ذلك أن المسلمين مطالَبون بإعداد ما استطاعوا من قوة وعتاد ليرهبوا فيه عدوَّ الله وعدوَّهم: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[الآية 60 من سورة الأنفال].
والمعلوم, لدى علماء الأمة المعتبرين, أنه ليس المقصود هنا أن هذا الدين يدعو إلى الإرهاب بهذا المفهوم المطروح إعلاميًا, ذلك أن الإسلام لا يقرُّ هذا الإرهاب بحال من الأحوال، وقد فهم غير المسلمين الإرهابَ على أنه استخدام العنف, في التدمير والهدم والترويع والتعرُّض للأبرياء, دون التفريق بين المستهدف, وغير المستهدف، بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ والشجر والبِيَع والكنائس, والمشآت المدنية والمنازل, وما إلى ذلك.
ويكفي, لإثبات أصالة هذا المنهج, العودة إلى وصايا أبي بكر الصديق, خليفة رسول الله  وإخوته من الخلفاء الراشدين ــ رضي الله عنهم أجمعين ــ, وهي من سنة المصطفى ــ عليه الصلاة والسلام ــ: "... فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ".( ) وكذا وصية خليفة خليفة رسول الله  عمرَ بنِ الخطاب إلى الفاتحين من القيادات العسكرية الإسلامية، فلا إرهاب في ذلك بالمفهوم الجديد, المتداول حاليًا, للإرهاب، ولا عنف ولا ترويع ولا هدم، ولا تعذيب ولا اغتصاب، ولا اجتياح، ولا إهانة للمعابد.
هذا في حالة المواجهة الحربية التي تكون في أوج الرغبة في النصر واختصار الطريق إليه، ولكن ليس على حساب كرامة الإنسان والحفاظ على الضرورات الخمس التي أمر الله بحفظها له في كل الأحوال، النفس والمال والدين والنسل والعقل. وهي التي, كما يقول الشاطبي: "لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا, بحيث إذا فقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة, بل على فساد وتهارج وفوت حياة. وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين". وهي التي, كما يقول الرازي: "تتضمّن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة, وهي حفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل, التي جاءت الشرائع بالمحافظة عليها".( )
أما في حالة السلم فالوضع أدقُّ وأوضح من حالة الحرب، فليس هناك ما يسوِّغ الترويع والعنف في أي حال.( )
وإذا ما تمَّ التسليمُ, جدلاً, بالمصطلح بالمفهوم الحديث لهذه الكلمة الإرهاب من منطلق أنه لا مشاحةَ في الاصطلاح, فإن هذا قد يعني التخلِّي عن المفهوم الشرعي للإرهاب، ولذا كان لزامًا دائمًا أن تحديدُ هذه الكلمة بمحدِّدات, تنقلها عن المفهوم الشرعي.
وكان الأولى أن البحث عن المصطلح العربي المقابل للمصطلح الأجنبي, الذي لن يكون الإرهاب، بل ربما العُنف, أو أي مصطلح عربي, ذي دلالة تخريبية ترويعية عنيفة.
ومنــــذ أن وقعت أحداث الحادي عشـــر من شهر أيلول/سبتمبر من سنة 2001م (26/6/1422هـ) والكتابات تترى حول موضوع لم يتفق عليه بعد, من حيث المفهوم, وإن اتفق عليه ــ تقريبًا ــ من حيث اللفظ لمصطلح الإرهاب، مع أن بعض الكتاب المسلمين لا يزالون مترددين في قبول المصطلح؛ لأنه مصطلح أخفُّ وطأةً من المفهوم الذي يحمله, وعلى أي حال, يبدو أن المصطلح قد طغى على هذا المفهوم، بحيث أصبح أي نشاطٍ غير عادي داخلاً في هذا المفهوم.( )
ولقد اقترن التخريبُ لدى الغرب بالمسلمين، لاسيما في الوقت الراهن. وأضحت أي عملية تخريبية, مقرونة بالعرب المسلمين، بغضِّ النظر عن الوجهة الجغرافية, التي حدث بها التخريب, وقام بها العنف.( )
ولأن العالم أصبح اليوم عالة على الإعلام الغربي في ترسيخ المفهومات، فإن الإعلام الغربي استطاع أن يبعد النظر والتركيز والأضواء عن التخريب الصادر عن الأمم الأخرى، لاسيما الأمم المنحدرة عن أصول أوروبية، كما يحصل في الأمريكيتين، وكما حصل من اليهود في فلسطين المحتلة.( )
بل إن الإعلام الغربي قد استطاع أن يتناسى العمليات الترويعية التخريبية التي قام بها أفراد غربيون في عقر دارهم، وقامت ضد رؤساء الدول، كمحاولة اغتيال رونالد ريغان الرئيس الجمهوري للولايات المتحدة الأمريكية في الثمانينات الميلادية، أو ضد الشعوب، كتفجير مبنى الحكومة الفيدرالية في مدينة أوكلاهوما، بولاية أوكلاهوما، أو ضد المنشآت الحكومية والحيوية, أو مدارس الأطفال, في الغرب نفسِه، مما يؤكد, دائمًا, على أن الإرهاب لا يحمل هويَّة, ولا يمكن أن يعزى إلى ثقافة بعينها, بل إن مؤثرات آنية, في حساب التاريخ, قد تكون مسؤولة عن ترسُّخ الإرهاب في جهة, أكثر من ترسّخه في جهات أخرى من العالم، بل إن التركيز الإعلامي, وحساسية الموقع قد يكون لها أثر في التركيز الجهوي على العمليات الإرهابية, من خلال إرهاب الأفراد من جهة, وإرهاب التنظيمات أو الجماعات من جهة أخرى, وإرهاب الدولة من جهة ثالثة,( ) كما أنه يتناسى أولئك المرتزقة من الغربيين الذين عاثوا في الأرض فسادًا.( )
وليس هذا تسويغًا لقيام تخريب عربي، ولكن النسبة بين الفعلين غير قابلة للمقارنة. وإذا درسنا أسباب بعض هذه العمليات التخريبية العربية, نرى أنها انبعثت عندما قدَّم الغرب الوعود والتسهيلات والدعم, لقيام دولة يهودية في قلب الأمَّة, تخلُّصًا من عُقَدٍ أوروبية, على حساب شعب آخر, ونصرها, ظالمًة لا مظلومًة، وسعى إلى ترسيخها, بكل ما أوتي من قوة مادية ومعنوية، وليس هذا, أيضًا, مسوِّغًا لقيام العمليات التخريبية العربية، وإنما هو تتبُّع للبواعث والأسباب.
وليس العربُ, وبالتالي المسلمون, تخريبيين، ولا دينهم ولا ثقافتهم المستمدة من الدين, ولا آدابهم, تدعو إلى الترويع الإرهاب, وفق المفهوم الغربي للإرهاب.( )
وليسوا كذلك متعطشين إلى الدماء، وليسوا همجيين متوحشين، وكل هذه وغيرها اتهامات ليست جديدة على الإسلام, ولا على المسلمين، بل إنها جزء من تلك الحملة التي يهمها ألا يكون هناك تقارب بين الشرق والغرب، رغبة في حماية الغربيين من الإسلام، ورغبة في الحدِّ من انتشار الإسلام في الغرب, وفي غير الغرب.( )
وهي حملة قديمة, تتجدد وتتضافر فيها جهود مختلفة من تنصير واستشراق واستعمار وعلمانية،( ) وأعانت عليها حركات محليَّة داخل المجتمع المسلم قامت بأعمال لا تتفق مع التوجه الإسلامي في الحكم على الأحداث والتعامل معها، فكانت القابليَّة لذلك, وكانت هذه الحركات وبعض الجماعات أرضًا خصبة للتدليل على أن الإسلام والعرب ميَّالون إلى التخريب والترويع والهدم.
وفي الوقت الذي يوجَّه اللوم فيه على الغرب في تشويه الإسلام, يظهر من يُعين على هذا التشويه, من المسلمين أنفسهم, بسبب سوء فهم البعض للإسلام, وبالتالي سوء التطبيق له على المستوى السياسي, وعلى مستوى العلاقات الدولية, على الخصوص، ثم على المستويات الأخرى الفكرية والاجتماعية والسلوكية والمظهرية، مما أدى إلى اتهام المسلمين واتهام دين الإسلام, واتهام علمائه, بالاهتمام بالأحوال الشخصية، والبعد عن الواقع وفقه الواقع.( )
وعليه, فإنـــه في هذا المحدِّد من محدِّدات العلاقـــة بين الشرق والغرب تُحمَّل المسؤوليـــة كلا الطرفين, دون تغليـــب طرف على الآخر، ذلك أنه عندما وفِّق مَن قَبلَنا في تقديم الإســـلام كانت النتيجة قبولـــه والإقبال عليه.
وهذا يضاعفُ من مســـؤولية المسلمين من الدعاة وغيرهم, وعلى مختلف الصُّعُد, في حمل الإسلام إلى الآخرين بصورته التي ينبغي أن يُحمَل عليها، عندها يمكن ضمان تقبُّل غير المسلمين له, وتخليصه من تلك الشبهات التي أثيرت حوله وحول معتنقيه، ومنها شُبْهَة التخريب والترويع والهدم، شُبهة الإرهاب بالمفهوم الإعلامي للإرهاب.
وحيث كان هناك ضخٌ مكثف على ربط الإرهاب، بهذا المفهوم، بالمسلمين فقد أضحى أي نشاط يقوم به المسلمون داخلاً في هذا المفهوم,( ) حتى لقد تطرَّف من تطرَّف بوصم المترددين على المساجد، أو المتمسِّكين ببعض المظاهر الإسلامية بهذا الوصف.
ولا بُدَّ من التركيز على مفهوم الاعتدال والوسطية والسماحة, التي جاء بها هذا الدين، ومن الواجب التنبيه إلى ما تعيشه بعض الجماعات من غلوٍّ وتنطُّع وتشدُّد وتزمُّت لا ينكر، بل لابد أن يُكشَف ذلك كله, من علماء الأمة ومفكريهاو لا من تلك الفعاليات الإخبارية التي تعتمد, ولا تتعمَّد, التسطيح في طرح المعلومة.
وهناك أسماء ظهرت في هذا المجال، وكان لها تأثير واضح على المتلقِّين، منهم مثلاً من يكتب في أعمدة الصحافة وتتناقل كتاباتهم، منهم من يحاضر في المنتديات الثقافية والفكرية والأدبية فيسمع لقولهم، بل ويقدمون على أولئك الذين هم أقرب منهم إلى الصواب والعلم الشرعي الصحيح.( )
وعدد المسلمين أكثر بكثير من أن يحسب عليهم تصرفات أشخاص معدودين أساءوا إلى أنفسهم, وأساءوا إلى غيرهم بما قاموا به من ترويع للناس, ونشر الرعب بينهم، فهم مسؤولون عن فعلتهم:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِِزْرَ أُخْرَى}[من الآية 18 من سورة فاطر]، وعدم الاتفاق معهم في الأسلوب والوسيلة لا يصل إلى أن تتعطل شعائر إسلامية اعتذارًا للغير، أو تلبية غير مباشرة لطلبات أو رغبات كانت في الماضي قائمة، وهي الآن تتجدَّد، ولم تعد غريبة على المجتمع المسلم.
والمطلوب الوصول إليه هو ألا يُستغلَّ موقف, لم يكن في مصلحة المسلمين, ليكون مجالاً لبعض الكُتاَّب, لتقويض أصول الدين، والحطِّ من قدر القائمين عليه من الولاة والعلماء والدعاة والمنتمين إليه انتماءً في حمل الهمِّ, على درجات متفاوتة من ثقل هذا الهمّ المحمول، وفي هذا عونٌ للغير على الذات, بحسن نية,أحيانًا, أو بخلاف ذلك، دون إدراك ذلك إدراكًا واضحًا، وذلك من خلال ممارسة ما يمكن أن يسمّى بالإرهاب الثقافي.( )


المحدِّد الثالث: الحقوق.
من محدِّدات العلاقة بين المسلمين والغرب النظر إلى الحقوق والواجبات، فالإسلام قد رسخ مفهوم الحقوق في توكيده على الضرورات الخمس: النفس والعرض والمال والدين والنسل،( ) وانبثقت من هذه الضرورات الخمس ضرورات فرعية تقوم عليها الضرورات الأصليَّة، وبالتالي فإن الإسلام نظر إلى الحرية, على سبيل المثال, من منطلق رباني محدِّد غير مطلق، وهو يؤمن بحرية الفكر, وحرية الرأي, وحرية السلوك, وحرية التصرف في الممتلكات، كل ذلك في حدودٍ إنما قامت, لتضمن عدم إساءة مفهوم الحرية, بحيث لا تجرح شعور الآخرين, أو تؤثر على المصلحة العامة.
وعندما انتفض الغرب, وبدأ النهضة, أوجد المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية, التي تعنى بالنظر إلى تصريف شؤون الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، ثم بدأ بعد ذلك بوضع الأنظمة والقوانين, التي صاغها من منطلقاته ومن منطقه وعقليته, دون النظر, بالضرورة, إلى المنطلقات والعقليات الأخرى، ثم صاغ هذه الأنظمة والقوانين على شكل اتفاقيات دولية, ترعاها مؤسسات دولية, مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وطالب الدول الأعضاء في هذه المنظمات بالمصادقة عليها، وبالتالي تطبيقها في مجتمعاتها.
ومن هنا برز الإشكال لدى كثير من الدول الإسلامية، إن لم يكن لديها كلها، ذلك أنه وجدت مواد وفقرات تتعارض, صراحة, مع المفهوم الإسلامي لحقٍّ من الحقوق، فكان أن تحفظت بعض الدول على هذه المواد، وامتنعت دول أخرى عن التوقيع على الاتفاقيات, بله والمصادقة عليها. ومن ذلك حقوق الإنسان, وحقوق المرأة, وحقوق الطفل.
ومن الحقوق والواجبات التي افترق فيها الإسلام عن الغرب حق الحياة لكل إنسان يتماشى في سلوكياته مع السمت العام، فإذا خالف هذا السمت العام, المبني على مفهوم إسلامي للسمت, فَقَدَ حقه في الحرية أو الحياة, بحسب المخالفة التي تبدر عنه.
وعلى أي حال, فالإسلام واضح في مسألة حماية المجتمع من العبث، وذلك من خلال الحزم في إقامة الحدود الشرعية, متى ما ثبتت التهمة على المدعى عليه, ولذا فإن مفهومات الحريَّات الشخصية, وحقوق الإنسان في الإسلام, مختلف عنه في الأنظمة الوضعية الأخرى.
هذا الاختلاف الجوهري يحدُّ من قيام علاقات قوية بين المسلمين والغرب, ما لم يتنازل الغرب عن الشعور بأن قوانينه هي الصالحة, ونظم غيره من الأمم الأخرى غير معتبرة.
وقد بدأ يظهر أن واضعي الاتفاقيات الدولية, في مسائل تتعلق بالإنسان, يدركون شيئًا من هذا التضارب, وبالتالي بدأوا يستأنسون بالأنظمة الأخرى، لاسيما حقوق الإنسان في الإسلام.
ولا يتوقَّعُ أن تتجرد القوانين الدولية من الخلفية الدينيَّة, مهما صيغت في مجتمعات غير متديِّنة، أو تتبنى منهج العَِلمانية في الحكم والحياة.
ومهما قيل عن علمانية الأشخاص العاملين على وضع مشروعات القوانين الدولية, إلا أنه لا يخلو الأمر من وضوح بصمات الخلفيات الثقافية لهم. وهذا ما صرحت به بعض الدول الإسلامية, عندما سوَّغت تحفظها على بعض مواد هذه القوانين وفقراتها، مما يعني "أنها سيطرةُ نظام غربي, ذي نكهة دينية,ٍ على دين آخر يملك البديل، ويعتقد أنه الأولى من ذلك النظام الموضوع".( )
ويتعرض تطبيق المسلمين للشريعة، بما في ذلك الحدود, لنقد جارح من تلك الأوساط الغربية، وتُتَّهم الحدود في الإسلام ببعدها عن الإنسانية والتحضر واحترام حقوق المرء المجرم الذي يقام عليه الحدُّ.
ويؤثِّر هذا النقد الجارح على العلاقة بين الشرق, المسلمين, والغرب، إذ إن أحدهما ليس مقتنعًا بأسلوب الآخر, في النظر إلى الحقوق والواجبات، ذلك أن المنطلق مختلف بين الثقافتين.
أما حقوق المرأة فالاختلاف فيها واضح وجلي، وكلا النظامين ينظر للمرأة نظرةً مختلفة كذلك في المنطلق.
ولا تهدف هذه الوقفة إلى الانسياق في هذا الموضوع الحساس, سوى التوكيد على أنه محدِّد من محدِّدات العلاقة بين المسلمين والغرب.


المحدِّد الرابع: العِرقيـَّـة
العرقية محدِّدٌ أساسيٌّ من محدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب, وذلك من خلال نظرة الغرب إلى الآخر غير الغربي، بل إن الشخص الأوروبي ينظر إلى غير الأوروبي نظرة قائمة على الفوقية,( ) بغض النظر عن الخلفية الثقافية لهذا الشخص, فيستوي في ذلك الشرقي وغير الشرقي, سواء أكان هذا الشرقي مسلمًا, أم كان من ذوي الثقافات الأخرى, كالهندوس والبوذيين والزرادشت والمجوس والوثنيين الآخرين.
ولذا لم يتحمَّل بعض الغربيين أن ينظروا إلى الإسلام على أنه دين شامل، بل نظروا إليه على أنه دين قادم من الشرق، ومن العرب على وجه الخصوص، ولذا يُستخدم المصطلحان الإسلام والعرب تبادليًا، بل إن مصطلح العرب عند الغرب طاغٍٍ على مصطلح الإسلام. ويندر ذكر مصطلح الإسلام في مقابل مصطلح العرب, إلا لدى المستشرقين الذين تمكنوا من التفريق بين المصطلحين.
ويستغربُ بعض الغربيين أن يتحوَّل الأوروبي إلى الإسلام، وكأنَّهم ينظرون إليه على أنه تحوُّل عرقيٌّ من الجنس الأنجلوساكسوني, أو الجنس الآري, إلى الجنس العربي، ولم يتحول من النصرانية أو اليهودية إلى الإسلام دينًا, بل عرقًا.
والإصرار على تغليب العرب مصطلحًا على الإسلام ناتج, فيما يظهر, عن الرغبة في التوكيد على محليَّة الإسلام، وأنه مقصور على العرب الذين كانت لهم نظرة خاصة عند غيرهم, مبنيَّة على ما كانوا عليه, قبل الإسلام, في مقابل الأمم الأوروبية المتحضرة من رومان ويونان (إغريق) ويبزنطيين، قبل النصرانية وبعدها.
وهم يدركون بحماسهم العرقي أنهم يتنازلون, هنا, عن الحماس الديني, من حيث التوزيعُ الجغرافي، ذلك أنهم برغم كونِهم, في الغالبية, نصارى كاثوليك أو بروتستانت أو أرثودوكس, يدركون أن النصرانية، إنما جاءت من الشرق، ولا يزالون يقصدون بيت المقدس، وأعظم قُدَّاس عند الاحتفال بمولد عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ هو ذلك القُدَّاس الذي يقام في بيت لحم, على اعتبار أن بيت لحم في فلسطين المحتلة, هي المكان الذي ولد فيه عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ.( )
وكذا الحال يقال عند اليهود، إذ إن جغرافية اليهودية انطلقت من الشرق موطن العرب الآن، ولدينا في هذه المواطن مواطنون عرب لا يزالون يحتفظون بديانتهم النصرانية الأرثوذوكسية ــ غالبًا ــ واليهودية، وهؤلاء يدركون أهمية الفصل بين المصطلحين الإسلام والعرب، لأنهم عرب ولكنهم غير مسلمين، ويفتخرون بعروبتهم كما يفتخرون بنصرانيتهم ويهوديتهم، وإن قدَّموا أحدهما على الآخر في التفضيل, بل إن منهم من يفتخر بأن ثقافته إسلامية, رغم أنه غير مسلم, وذلك لما لقيه وبني عقيدته من تعايش ودِّي يين المسلمين.
وتأسيسًا على ذلك, يمكن الزعم بأن هذه النظرية العرقية الفوقية قد حالت دون تقبل الأوروبيين, الغرب, للإسلام، وحالت دون قبوله دينًا شاملاً رغم تزايد أعداد المسلمين في المجتمعات الغربية من المهاجرين ومن المقيمين.
ولا تزال بعض المجتمعات الغربية لا تعترف, بالإسلام دينًا, يمنح أتباعه ميزات رسمية في العمل والدراسة، وتراعى سلوكيَّاتهم المبنية على ما يمليه عليهم الإسلام, كاللباس المحتشم للرجال والنساء، والأعياد، لاسيما عيدي الفطر والأضحى، وصلاة الجمعة، وإقامة المساجد والمراكز الإسلامية, وغير ذلك كالمدارس والمقابر, والذبح على الطريفة الإسلامية.
في حين أن المسلمين قد تخلوا عن العرقيَّة المؤدِّية إلى التفاضُل الجنسي, منذ أن أبدلهم الله الإسلامَ نسبًا عن أي انتماء آخر، فلا فضل لعربي على عجميٍّ إلا بالتقوى, ولذا أصبحت التقوى هي معيار التفاضل {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللهِ أَتْقَاكُمْ}. وإنما هي فورة عربية, ظهرت عندما بزغ التوجه إلى القومية العربية، فحاول القوميُّون التوكيد على العروبة, أولاً ثم الدين, أيًّا كان, ثانيًا، حتى لَيقول عمر فروخ ــ رحمه الله ــ: إنه كان من العيب التعرُّف على دين العربي, على حساب الوحدة العربية.( )
وعليه, فإنَّ العرقية, من حيث كونٌها محدِّدا من محدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب, لاسيما الإسلام, هي عامل مؤقت يزول مع وضوح الرؤية نحو الإسلام, بانتشاره في المجتمع الغربي على الصورة الصحيحة, التي يراد له الانتشار بها ,دينًا خالصًا من أي شائبة تنفِّر الناس منه.


المحدِّد الخامس: الحروب
الحروب التي قامت بين المسلمين وغير المسلمين على مرِّ العصور الإسلامية من محدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب. ولذا فمن التهم, التي توجَّه إلى الإسلام, أنه انتشر بالسيف، وأُجبرَ الناسُ على القبول به بالقوة، أي أن الإسلام صنع الناس مسلمين رغمًا عنهم، وتزعَّم هذه التهمة نفرٌ من المستشرقين، وجعلوا الجهادَ في الإسلام دليلاً صارخًا على انتشار الإسلام بالسيف، ووجدوا في القرآن الكريم آيات بينَّات تدعو إلى القتال, بالإضافة إلى آيات الجهاد، فانبرى نفرٌ من المسلمين, الاعتذاريِّن المدافعين, يؤكدون على أن الإسلامَ لم ينتشر بالسيف، بل بالإقناع، ويستدلون على ذلك بانتشار الإسلام في شرق آسيا, وجنوب شرق آسيا, وأفريقيا.
والواقع أن الحروب بين الشرق والغرب تُشكِّل فترة تاريخية واضحة المعالم في العلاقة بين المسلمين والغرب، فالرسول  بدأ ينشر الإسلام بالدعوة, وإرسال الوفود إلى قيادات العالم القديم, ثم لمّا لم يستجيبوا لجأ إلى الغزوات, التي انطلقت إلى شمال الجزيرة العربية, أي إلى الغربو حيث الروم.
ولم يجبر المسلمون أحدًا على الدخول في الإسلام، ولكنهم حموا أولئك الذين آثروا البقاء على دينهم, اليهودية أوالنصرانية, مقابل الجزية التي تؤخذ من القادرين منهم، ذلك أنهم دخلوا في حمى الإسلام, وعاشوا في كنف المسلمين, وعايشوهم, وعملوا معهم في الدواوين, وفي نقل التراث الإغريقي, والروماني, فخدموا ولاة الإسلام, وإن لم يدخلوا فيه مسلمين, فصارت لهم أحكام خاصة بهم, تعارف أهلُ العلم على تسميتها بأحكام أهل الذمة, ( ) وعاملهم المسلمون على أنهم جزء من المجتمع المسلم.( )
ثم يأتي ختام القرن الخامس الهجري, الحادي عشر الميلادي, لتبدأ سلسلة من الحروب الهجومية, القادمة من الغرب, وقد حملت الصليب شعارًا لها.
وكانت تملي شعاراتُ الإغراء الديني قبل الدنيوي، مما يؤكد على أن الدافع الأول لهذه الحملات المتتابعة كان دينيًا, ثم تأتي الدوافع الاقتصادية والسياسية بعد ذلك، وهي دوافع غير مغفَلـَـة، ولكنها ليـــست الدوافع الأساسية لهذه الحملات، وصاحبها نوعية خاصة من الناس ممن لفظهم المجتمع الغربي، فبحثــوا عن البديــــل في أرض السمن والعســـل, في أرض الميعاد، ولكن هذه الفئة كانت قلـيلــة, ذكرتْها تفصيـــلاً بعض كتب التاريخ التي عاصرت هذه الحملات، وهناك نصوص تاريخيـــة عجيبة, قـــد لا تسمح طبيعة هذه الورقة بذكرها على الملأ فيرجع إليها في مظانها.( )
وعلى أي حال استمرت هذه الحروب قرنين من الزمان (495–692هـ/ 1095 ــ 1290م) لم يتح فيها النصر للصليبيين، بل وفَّق الله المسلمين إلى إجلائهم, وإعادتهم إلى حيث أتوا, على يد القيادات الإسلامية من أبناء المسلمين, من أمثال عماد الدين زنكي, ونور الدين زنكي, وصلاح الدين الأيوبي, وعلماء المسلمين من أمثال القاضي الفاضل, والصاحب بن عباد, والعزِّ بن عبدالسلام, وأسامة بن منقذ, وغيرهم.
ومع انتهاء هذه الحروب الصليبية لم ينته الشعور بها، فلا تزال تُذكر وُتردَّد, سواء بسواء, بين المسلمين والنصارى، فمن القيادات النصرانية الحديثة غورو الذي وضع قدمه على قبر صلاح الدين الأيوبي ــ رحمه الله ــ وقال: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".( )
ومنهم من دخل بيت المقدس الجنرال اللنبي إبَّان الاستعمار, فقال: "الآن انتهت الحروب الصليبية".( )
ومن المسلمين من يردِّد أن الحروب الصليبية لا تزال قائمة، ووضحت وضوحاً قوياً إبان حروب البوسنة والهرسك مع الصرب, إلى درجة أن قائد صرب البوسنة رادوفان كاراديتش, المختفي الآن, قال فيما نقل عنه: "لو كان الأمر لي لما توقفت إلا في مكة"! وكذا الحال في الحرب ضد المسلمين في كوسوفا.
كما أن الكلمة, الحروب الصليبية, قد خرجت من لسان الرئيس الأمريكي, يوم الاعتداء على مركز التجارة العالمي في 11/9/2001م, الموافق 23/6/1422هـ., فاضطرَّ للاعتذار, وقام بزيارة للمركز الإسلامي في واشنطُن, العاصمة، تعبيرًا عن أسفه عن الإساءة لمشاعر المسلمين.
ويؤخذُ الحكم على هذه الحروب من المتخصصين المنصفين, الذين تتَّبعوا هذه الحروب, ففطنوا إلى منطلقاتها وبواعثها, وأدركوا غاياتِها وأهدافَها، ومزجوا بين الدافع الديني والدوافع الأخرى الاقتصادية والسياسية، ولم يعتذروا للغير, بطمس دافع, على حساب دافع آخر.( )
وعلى أي حال فإن الحروب التي دارت رحاها بين المسلمين والغرب قرونًا طويلة لا تزال محدِّدا قويًا من محدِّدات العلاقة بين المسلمين والغرب، وستظل كذلك ما اعتقد الغرب أن الإسلام يهدد وجوده، وأنه خطر داهم, وأنه العدو الجديد,( ) أو التحدي الجديد,( ) الذي سيقضي على المكتسبات الحضارية التي نعم بها الغرب, وسعى إلى تصديرها إلى العالم الآخر ردحًا من الزمان، لاسيما بعد زوال الخطر الأحمر.( )
ويؤجج ذلك الشعورَ عناصرُ تستفيد ماديًا من هذا التأجيج، وتسعى إلى الإعانة على طمس الحقائق بالتشويه لهذا الدين.( )
ومن هنا يستحضر ما كتبه روبرت مكنمارا في جريدة الحياة, وقد كان هذا الرجل وزيرًا للدفاع, إبان الحرب الأمريكية في فيتنام, ثم صار يدير البنك الدولي, فقد ذكر أن الحرب في فيتنام, كما الحرب في العراق, مصحوبة بالكره والبغض للفيتناميين وللعرب المسلمين في العراق, وليست كالحرب مع دولة أوروبية تشارك في الهوية الدينية والثقافية والفكرية. ولذلك فإن هذا العامل ظاهر في التعامل مع العراقيين, ومن ذلك مَن وقعوا في الأسر, أو تعرضوا للاستجواب,( ) بما في ذلك ما يتعرَّض له الأسرى في معتقل جوانتانامو في كوبا, وسجون العراق, لاسيما ما أشيع حول سجن أبو غُرَيْب.
ولقد شاعت مقولةٌ تُحمِّلُ اليهود كل ما يجري في المنطقة, ثم أضحت هذه المقولة طُرفةً تتداول, ويبدو أنها عادت الآن تطرق أبواب النظرة الجدية, بعيدًا عن الطُرفة, إذ يعود السبب الرئيسي لما تشهده المنطقة من قلاقل متلاحقة إلى الاحتلال, وسياسات القمع, التي تمارسها الدولة العبرية تجاه الفلسطينيين, حتى لقد قيلَ: إن الحرب على العراق كانت, في أساسها, تأمينًا وضمانًا وحمايةً للدولة العبرية في فلسطين المحتلَّة, طبقًا للوثائق التي ظهرت, مؤخَّرًا, عن جماعات المسيحيين المحافظين الجدد.( )
ويشهد العالم اليوم محاولات لتصحيح التاريخ, يتمثل التصحيح من خلال جملة من الاعتذارات, التي يقدمها من جنوا على غيرهم في الزمن الماضي, رصد عددًا كبيرًا منها الأستاذ/ محمد السمًاك في كتابه مقدمة إلى الحوار الإسلامي ــ المسيحي.( ) ومن هذه الاعتذارات الآتي:
 ارتكبت اليابان مجازر ضد الصين في الحرب المعروفة بالحرب الصينية ــ اليابانية قبل الحرب العالمية وأثناءها, فاعتذرت اليابان على لسان الإمبراطور, عندما زار بكين سنة 1412هـ/1992م, وأبدى استعداد بلاده لتعويض الصينيين, بتمويل مشروعات تنموية ضخمة.
 ونتيجة لما ارتكبته اليابان, كذلك,ـ في حق الصين والفلبين وكوريا, لاسيما النساء منهم, اعتذرت عن ذلك وتعهدت بتقديم تعويضات لأسر آلاف النسوة اللاتي أسيء التعامل معهن, خلال الحرب العالمية الثانية.
 وتعرض المواطنون الأمريكيون المنحدرون من أصول يابانية للإهانة من بني وطنهم الجديد, عندما ضربت اليابان بيرل هاربر, فجمعوا في معسكرات (محميات) اعتقال إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية, فاعتذرت الولايات المتحدة لهم عن ذلك, وعوَّضتهم ماديًا.
 وتعرض الأمريكيون المنحدرون من أصول إفريقية للتمييز العنصري والاضطهاد لأجيال عديدة, فتطرح الآن قضية الاعتذار لهم من مواطنيهم البيض, وتعويضهم بالمشروعات التنموية الاجتماعية والاقتصادية.
 وأساءت روسيا معاملة الأسرى اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية, وقد قتل جميع الأسرى في الجبهة الشرقية, فاعتذرت روسيا لليابان, وكان هذا الاعتذار مدخلاً لمناقشة وضع الجزر اليابانية, التي احتلتها روسيا.
 وارتكبت النازية جرائم بحق العالم, فاعتذرت ألمانيا لليهود, فقط, وقدمت لهم تعويضات مالية ضخمة, كان لها أثر كبير في بناء الاقتصاد اليهودي في فلسطين المحتلة.
 وقد كفَر الفاتيكانُ العالمَ الإيطاليَّ الشهير جاليليو سنة 1633م, عندما قال بكروية الأرض, فصدر الاعتذار من الفاتيكان, في وثيقة سنة 1412هـ/1992م تبرئ جاليليو من تهمة الكفر.
 ويعتقد النصارى أن الذين صلبوا المسيح عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ هم اليهود, وكانت الإدانة قد صدرت رسميًا سنة 1581م, فجاء الاعتذار في الثمانينيات الهجرية/ الستينات الميلادية, ببراءة اليهود من صلب المسيح عيسى ابن مريم ــ عليهما السلام ــ.( )
 واعتذر الفاتيكان, مرة أخرى, لليهود سنة 1413هـ ــ 1993م, بسبب سكوته عن المجازر التي ارتكبتها النازية بحق اليهود, وأوقف بناء دير قرب معسكر أوشوفتز في بولندا, لأن بناءه يُعَدُّ إجراءً مدنِّسًا لأرواح اليهود, الذين قتلوا في المعسكر.
 واعتذرت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية لليهود, بعد موافقة المرجعية الدينية العليا للكنيسة في الفاتيكان, وجاء الاعتذار بسبب الدور السلبي الذي مارسته الكنيسة إزاء الاعتقالات, التي تعرض لها اليهود الفرنسيون, أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا.
 وتعرضت الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية, الهنود الحمر, للاضطهاد وأعمال السُّخرة, من قبل الحملات الاستعمارية البرتغالية والإسبانية, التي سارت تحت راية التنصير الكاثوليكي, فاعتذر الفاتيكان عن ذلك.
وينتظر المسلمون جملة من الاعتذارات كذلك منذ الحروب الصليبية إلى حروب البوسنة والهرسك وكوسوفا وفلسطين المحتلة وغزو أفغانستان, والعراق, وما يجري الآن تجاه المسلمين في أصقاع متعددة, يستدعي الاعتذار,تصحيحًا لمسار التاريخ.
ولن يتم ذلك إلا بتغيير الصورة النمطية السائدة, في مناهج التعليم, والإعلام, والسينما, في الدول الغربية التي تصور الإسلام على أنه همجية وأصولية, وما إلى ذلك من النعوت, التي يوسم بها الإسلام والمسلمون.



المحدِّد السادس: اليهودية
ومن محدِّدات العلاقة بين الشرق, المسلمين هنا, والغرب, اليهودية, ذلك أن اليهود قد حاربوا النصرانية, حين ظهورها, حتى اتهمهم النصارى أنفسهم بقتل المسيح عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ صلبًا، الأمر الذي أضحى بعدئذ شعارًا للنصارى والنصرانية، ولم تبرأ اليهود من مقتل عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ إلا في الثمانينات من القرن الرابع عشر الهجري، الستينات من القرن العشرين الميلادي (1965م), إبان رعاية البابا بولس السادس للكنيسة الكاثوليكية، فيما سمي ب"فاتيكان اثنين", إشارة إلى المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني.( ) ويُعَدُّ هذا البراء وجهة نظر كاثوليكية قد لا تتفق مع الطوائف الأخرى، فالعداء بين اليهود والنصارى مستحكم، وراسخ في الصحيح. {وَقَالَتِ اليَهُوْدُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ, وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُوْدُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُوْنَ الْكِتَابَ}[الآية 113من سورة البقرة].
ونظرة المسلمين لعيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ ونظرية القتل والصلب واضحة, نزل بها القرآن الكريم: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}[الآيتان 157 ــ 158من سورة النساء].
ويدعم الغربُ اليهودَ في فلسطين المحتلّة, حتى تحولت بعض دور العبادة النصرانية إلى منابر تأييد للوجود اليهودي في فلسطين على حساب المسلمين، ولهم في ذلك آثار يزعمون أنها دينية، ومنها أن المؤمنين, النصارى هنا, سيقاتلون الكفار, المسلمين هنا, في فلسطين بمعاونة اليهود. ولا تكاد تجد كنيسة مشهورة, أو قس مشهور, لا يدعو إلى دعم قيام دولة اليهود في فلسطين، هذا في المجتمع الغربي خاصة، وليس في المجتمع النصراني الشرقي, الذي خبر اليهود, وأصر على موقفه منهم.
وقد حذَّر بنجامين فرانكلين من فتح باب الهجرة لليهود إلى أمريكا الشمالية، وأكد على أن الأمريكيين النصارى سيكونون عمالاً لليهود, إذا ما حلَّ اليهود بأرض القوم. وهذه وثيقة محفوظة في قاعة الاستقلال في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا.( )
وكان هذا الموقف الغربي إزاء اليهود, وبالتالي المسلمين, محدِّدا قويًا من محدِّدات العلاقة بين المسلمين والغرب، إذ يحرص على استمرار هذا الشدِّ بين الطرفين؛ لأن اليهود يدركون أنه ليس في مصلحتهم وجود بذور تقاربٍ أو تلاقٍٍ بين الطرفين، إذ إن ذلك سيكون على حساب الوجود اليهودي، ليس في المنطقة فحسب، بل على الأرض كلها، لأن الصورة الصادقة عن اليهود إنما هي عند المسلمين، ولدى بعض النصارى غير الظاهرين للناس، ويكفي أن نتذكر الآن موقف الغرب كله من رجاء (روجيه) جارودي( ) والقس الفرنسي, الذي آزره في قضية واحدة حديثة, تتعلق بادعاء اليهود إبادة الملايين الستة منهم في خضم الحرب العالمية الثانية.( )
والناس هناك تُغلِّب جانب المصالح على أي معنىً آخر من المعاني الإنسانية القائمة على الموضوعية والحقوق.
هذا على المستوى المعلن, الذي تترتَّب عليه قراراتٌ ومصائر. أما غير المعلن رسميًا, والمتروك للمجالس الخاصة فإن الغرب, أفرادًا ومؤسساتٍ, يدرك الهويَّة اليهوديَّة، ولا يصرِّح بهذا الإدراك شخصٌ إلا فقد مكانته السياسية أو العلمية، حتى لو جاء التصريح على سبيل الطرفة واللطافة.( )
ويُذكر في هذا المقام ما حلَّ بوزير البيئة جيمس وات, في بداية ولاية الرئيس الراحل رونالد ريجن, في مطلع الثمانينات الميلادية, عندما لمز اليهود بتصريح, كانت نتيجته أن قدَّم استقالته من الوزارة.( )
واليهود في الغرب يسعون إلى تسيير ذلك المجتمع, على ما يرون من مفهوم للحياة، ولم يقتصروا في تسييرهم هذا على الغرب، بل سعوا إلى انتشار نفوذهم على البلاد والمجتمعات الأخرى, التي أفادت من الحضارة الغربية على حساب حضارتها هي, وثقافتها ومبادئها هي, ومثلها هي، وهذا ظاهر واضح في شرق آسيا وضوحًا تامًا.
والعقبة الكأداء التي وقفت، ولا تزال تقف, في طريق اليهود رغم كل شيء، هي الإسلام وأتباعهُ المسلمون الذين ينبني عليه دينهم, مع ما ينبني عليه من فهم حقيقة اليهود وتطلعاتهم في الحياة، ومواقفهم من الأمم السابقة ومن الأنبياء من قبل.
ويحاول عبدالوهاب المؤدِّب, مرة أخرى, الاعتذار لليهود, بالتفريق بين اليهود زمن المصطفى محمد  الذين نزل بهم القرآن الكريم, ويهود اليوم, ويرى أن هناك من "ينظر إلى يهود المدينة (من معاصري النبي محمد) وإلى يهود إسرائيل, المتحاربين مع الفلسطينيين والعرب, النظرة نفسها, أي أن العداء لليهودية يختلط بالعداء للصهيونية, ( ) ثم يتطوَّر عداءً للسامية, دون التنبُّه إلى أن هذا الأخير من مستوردات الغرب".( ) وهذه إشكالية لا تفتأ تتردد حول التفريق بين اليهودية والصهيونية,( ) لاسيما فيما له علاقة باليهود في فلسطين المحتلة, وقيام دولتهم على البعد الديني والقومي.( )
ومن الكتب التي أعطت موضوع اليهود اعتبارًا مناسبًا لهذه المحدِّدات كتاب حديث ألَّفه جورج قُرم بعنوان: شرق وغرب: الشرخ الأسطوري, حيث يتعرَّض لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين المحتلة، ذلك الموقف الذي بانت آثاره إلى اليوم على العلاقة بين الشرق والغرب، لاسيما ما يسمى بالشرق الأوسط الذي يدين بالإسلام, ويتبنَّى غيرُ المسلمين, داخلَ المجتمع المسلم, الثقافةَ الإسلامية، حتى يهود هذه المنطقة العربية, قبل الاحتلال, كانوا يتبنون الثقافة الإسلامية, دون أن يؤمنوا بالإسلام دينًا، إذ إن لهم دينَهم الذي يؤمنون به.
ولا يخلو الحديث عن الشرق والغرب وإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين المحتلة, لاسيما من المفكرين الغربيين والمستغربين، من الحديث عن المحرقة التي تعرض لها اليهود في ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية التي بدأت سنة 1360هـ/ 1939م، وانتهت سنة 1366هـ/1945م. ومن ذلك الحديث عن معاداة السامية، وأسباب هذه المعاداة، فكانت هناك "مماحكات ثقافية عديدة عن طبيعة النازية وجنون معاداة السامية وأسبابه، فقد تحولت إلى مشاحنات مزَّقت العالمين الأكاديمي والإعلامي لسنوات من دون أن يتم الاتفاق حول المسؤولية المنسوبة إلى هذا العامل أو ذاك فيما جرى، وبالأخص المسؤولية التي تقع على عاتق الألمان بشكل جماعي".( ) وما أثاره كتاب دانيال .ج. جولدهاجن بعنوان: الجلادون المتطوعون لهتلر: الألمان العاديون والهولوكست. باريس 1417هـ/ 1997م. وكتاب نورمان فنكشتاين بعنوان: صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال عذابات اليهود. باريس 1421هـ/ 2001م، حيث يرى أن ما قام به الألمان في المحرقة أوجد نوعًا من الطقوس أخذت طابع القدسية.
يقول جورج قُرم: "إن صورة اليهودي "التائه" صورة خلقتها الثقافة الغربية. لذا من الخطأ القول إن معاداة السامية ترقى إلى أقدم الأزمنة, بل إن رفض التعددية، والفردانية، وإيثار ما يجمع ويوِّحد في إضمار الأخوة الشاملة في المسيحية، هي التي أدت إلى نبذ كل الذين لا يعترفون بالمسيح، واضطهادهم في أزمنة القلاقل والحروب. لكن هذا النبذ كان يلائم المحافظين والمتشددين من اليهود، الذين بدا لهم عالم "المشركين" مدنَّسًا. مما ساهم في تعزيز عقلية الغيتو".( )
ورغم المحاولات لدمج اليهود في المساق الوطني, كما فعلت فرنسا، ورفع شعور اليهود بالدونية، إلا أن اليهودية لا تزال تعيش نوعًا من الانفصام العقائدي، "وتتنازعها التيارات المتعارضة". فكان أن أُنشئت دولة يهودية، أو أُنشئَ وطن قومي لليهود في فلسطين المحتلة، باسم دولة إسرائيل التي وصفها المؤلف جورج قُرم بطفل الأنابيب. فلقد "بذلت الدول الغربية جهودًا خارقة لإرساء دولة إسرائيل، بل سعت، بكامل وعيها، إلى إيجاد هذه الدولة مسخرةً كل طاقاتها الممكنة".( )
ثم يتساءل المؤلف تساؤلاً منطقيًا:" كيف يمكن أن يكون الغرب علمانيًا وجمهوريًا، ويساهم في الوقت نفسه، من دون تحفظ، في إيجاد دولة مصطنعة تطالب بـ"حقها" في الوجود، استنادًا إلى نص ديني؟ إذا كان التبرير الأخلاقي الذي شرًّع وجودها بنظر الغرب، هو الاضطهاد الذي أُلحق باليهود على يد شعب آخر (أي الألمان)، فإنما تمَّ ذلك بمصادرة أرض شعب آخر، أي الفلسطينيين، لا علاقة له بما حصل من اضطهاد في أوروبا للجماعات اليهودية".( )
والسؤال منطقي، والمبرر (المسوِّغ) غير منطقي. ويبدو أن هذه القضية التي أثارت ما أثارت في المنطقة، بحيث تكون سببًا رئيسيًا فيما يجري في المنطقة، هذه القضية لم تخضع للمنطق، بل إنها دليل صارخ على الكيل بمكيالين، مما هو موضع قناعة تامة من قبل عدد غير قليل من المفكرين والمناطقة الغربيين، ويزداد هذا العدد مع مرور الأيام، فهل سيصل ذلك العدد المتزايد من ذوي القناعة بعدم منطقية زرع وطن قومي لليهود في فلسطين المحتلة، إلى أن يكون هناك تأثير ما على هذا الوجود اليهودي في قلب العالم الإسلامي, وبالتالي يخفِّف من حِدَّة التوتُّر في العلاقة بين الشرق والغرب؟


المحدِّد السابع: الاستعمار
لا يُرضي بعضَ الباحثين مصطلحُ الاستعمار, ويفضِّل المصلحَ البديل الاحتلال. إلا أن مصطلح الاستعمار, قد طغى وصار مميزًا لهذا الحديث، بحيث ينصرف الذهن إلى مفهوم الاحتلال عندما يطلق مصطلح الاستعمار.
ولم يألُ الاستعمار, عبر تاريخه الطويل في البلاد العربية والإسلامية, جهدًا في تغريب المجتمع المسلم, بنزع الإسلام انتزاعًا من نفوس المسلمين؛ رغبةً في ضمان التبعية السياسية, والثقافية, والفكرية, والاقتصادية، وغيرها من مناحي الحياة, التي يراد بها أن تسير بهدي من الإسلام.
وليس المقصود, هنا, إلقاء اللوم على الغرب وحده في هذا, وتحميله كل ما حلَّ بالمجتع المسلم, نتيجةً للاستعمار، لأن الغرب في هذا إنما يسعى إلى ترسيخ مصالحه في هذا المجتمع وغيره، ويسعى إلى إبعاد أي عامل من عوامل التنغيص لهذا الترسيخ، وكان لهذا الجهد مؤيِّداته, التي أثارها مالك بن نبيِّ, من أن الاستعمار قد وجد قابليَّة لدى المسلمين للاستعمار، فربض بينهم عقودًا طويلة، لم ينغّص وجوده إلا تلك الأصوات العاقلة, التي نـبّهت إلى أخطاره، ودعت إلى مقاومته, والوقوف في وجهه.
والذين يدرسون الاستعمار ومقاومته يعلمون أن الذين وقفوا في وجهه هم المسلمون القادة, الذين خلّدهم التاريخ، وإن كانوا قد عانوا في سبيل إخراج المستعمر حسًا وروحًا.
وظلت التبعيَّة للاستعمار والمستعمر قائمة, حتى مع مرور عقود عديدة من السنين على أفول نجم الاستعمار. ولا تزال المجتمعات المسلمة تعاني من آثار الاستعمار التي تمثلت في وسائل شتى منها:
أولاً: محاولة القضاء على اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، التي تربط المسلم بمقومات وجوده، وقصرها على المعابد، أي دور العبادة، وإبعادها عن المعاهد. ولا تزال بيننا مؤسسات علمية وتعليمية تصرُّ على التعليم بلغة أخرى, غير اللغة العربية في بلاد العرب.
ثانيًا: السعي إلى فصل الدين عن الدولة، وإبعاد العلماء عن التأثير في السياسة في كثير من الدول الإسلامية، وليس بالضرورة في جميع البلاد الإسلامية، وقصر الدين على السلوكيات الخاصة، والأحوال الشخصية، وبالتالي تولي أمور الدولة من أشخاص ليسوا متحمِّسين لإدخال الفكرة الدينية في السياسة، وإن كانوا قد انطلقوا في البداية من الدين.
ثالثًا: إبعاد الدين عن الاقتصاد، والسعي إلى زَجِّ المجتمع المسلم في نظامين اقتصاديين كانا قائمين، الاشتراكية والرأسمالية، بل كلنا يذكر أن بلدًا قياديًا من بلاد المسلمين عندما تبـنّى الاشتراكية, جعل الإسلام هو دين الاشتراكية، وجعل محمدًا  وصحبه ــ رضي الله عنهم ــ هم الاشتراكيين، وتغنَّت المغنية بأن النبي محمدًا ــ عليه الصلاة والسلام ــ هو إمام الاشتراكيين، ووصف أحدُ الكُتَّاب أبا ذر الغفاري ــ رضي الله عنه ــ أنه ذلك الاشتراكي الزاهد.( )
رابعًا: تبنـّي الثقافة والآداب الدخيلة، بل تلك التي سئمها أصحابها، (فصدّروها) إلى مَن تلقَّفَها، ورأى فيها مخرجًا للمأزق الثقافي الذي عاشته الأمة في فترة تغييبها عن الوعي، تلك الفترة الاستعمارية، وما سبقها. فظهرت على المجتمع ظاهرة الحداثة التي تبـنّت الحرب على التراث، وكان هناك صراع مفتعل بين التراث والمعاصرة، وحورب التراث في سبيل النهوض بالحداثة,( ) وأهينت أوعية معلومات التراث، الكتب والمخطوطات، وصارت تدعى بالكتب الصفراء، وصار هذا المصطلح يوحي بالتخلف والرجعية.
خامسًا: دعوة المرأة إلى التمرُّد على الأوضاع التي تعيشها، وهنا خلط بين الأوضاع السيئة التي تعيشها المرأة بسبب تقاليد وعادات محليَّة، لا تحترم بالضرورة المرأة، ونظرة الإسلام الواضحة للمرأة، بل ربما كان هناك تعمّد بلصق هذه العادات والتقاليد بالإسلام، وأنه لم يعطِ المرأة حقوقها التي حصلت عليها نظيراتها في المجتمعات المتقدمة، مما يعني الثورة على هذا الوضع، وتبنـّي النموذج الغربي في التعامل مع المرأة، دون النظر إلى سلبيات هذا النموذج على المرأة نفسها، وبالتالي على المجتمع والأمة.
سادسًا: بذر الشقاق بين المسلمين على المستويات الرسمية بالمغالطات في رسم الحدود، وإيجاد تداخلات فيما بين الدول، بحيث تبقى المنطقة في قلق دائم، ومنازعات مستمرة، مما يرسِّخ الحاجة الدائمة إلى الغير في فض النزاعات، واللجوء إلى التحكيم الدولي، بل النزوع إلى المؤسسات الدولية في الحكم على نزاعات نَعُدُّها سطحية، وإن كانت العزيمة قائمة على التفاهم والودِّ، ونبذ الخلاف، والتلاقي عن نقاط اللقاء.
وغير هذه العوامل التي يطول بذكرها المقام ، ويظل الاستعمار برغم أفوله عاملاً مهمًا ومؤثرًا من محدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب، مما يستحق معه إطالة الوقوف مع هذا العامل الذي ترك آثارًا سلبية على المجتمع المسلم، لا يزال المسلمون يعانون منها، وقد يحتاجون إلى زمن طويل, قبل الخروج من هذه المؤثرات, لهذا المحدِّد الواحد.



المحدِّد الثامن: التنصير
التنصير واحدٌ من أهمِّ المحدِّدات التي مارست دورًا/أو أثرًا كبيرًا, في العلاقات بين الشرق والغرب, لاسيما تلك الحملات التَّنصيرية التي كانت، ولا تزال، موجَّهةً إلى المسلمين, وغير المسلمين, بصور مختلفة تتقلَّب, بحسب الحال وبحسب البيئة، بل وبحسب الزمان والمكان، فالحملة التنصيرية الموجَّهة إلى مجتمع مسلم تختلف عن الحملة إلى مجتمع غير مسلم, بعيد عن الإسلام في عقيدته, وتختلف عن الحملة التنصيرية الموجهة إلى مجتمع مسلم قوي في عقيدته.
وعندما قدم وفد من نصارى نجران إلى المصطفى محمد  كانت بينه وبينهم مناقشات وحوار وحجاج، انصرف بعدها الوفد فافترقوا في قبول الرسالة، فمنهم من عاد وآمن بمحمد ، ومنهم من بقي على نصرانيته.
ويُعدُّ هذا الموقف, والموقف الذي تمَّ في الحبشة بين النجاشي ومهاجرة المسلمين, نواة العلاقة بين النصرانية والإسلام, التي تجسدت في هذا الحوار والنقاش, الذي دار حول طبيعة المسيح عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ، يضاف إليه الحوار الذي تمَّ في الحبشة بين النجاشي والمهاجرين الفارين من ضيم قريش.
ومنذ ذلك الحين والحوار قائم, مصداقًا لأمر الله تعالى المسلمين إلى الحوار في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا}[الآية 64 من سورة آل عمران].
وسواء أكان الدافع الأول للحملات الصليبية هو الدين، أم أن هناك دوافعَ أخرى اقتصادية وسياسية، إلا أنه يمكن أن يُقال إن الحملات الصليبية كانت, في ظاهرها على الأقل, حملات تنصيرية أخذت صورة الغزو المسلَّح, واحتلال الأرض وإخراج المسلمين منها.
وحيث لم تنجح هذه الصورة عمد التنصير إلى الدراسة والتحليل للمجتمعات المسلمة, فواجهها بما تحتاجه من تعليم وتدريب, أو علاج, أو هبات مالية, على شكل مشروعات تنموية، هذا في الوقت الذي استعان فيه المنصِّرون بالمستشرقين في الدخول في عمق المعتقد الإسلامي, وامتهان مهنة الاستشراق القديم في التشكيك في هذا الدين بجميع مقوماته ورموزه.
وعندما لم تنجح هذه الصورة أيضًا بالشكل الذي يوازي الجهود البشرية والمالية المبذولة، عمد التنصير إلى اتباع الصور الأخرى, التي اتفق على تسميتها بالوسائل الخفيَّة للتنصير, التي تظهر شيئًا غير التنصير، فجاء التنصير مع العاملين النصارى في المجتمعات المسلمة,( ) سواء أكان هؤلاء العاملون مهنيين فنيين خبراء، أم كانوا عمالاً غير مؤهلين مهنيًا، وتبع هذا وجود مؤسسات تُظهر أنها تعمل أعمالاً خدمية مدنية تنموية, ولكنها تخدم التنصير مباشرة, كبعض البعثات الدبلوماسية والملحقيات الثقافية والتجارية والإعلامية والشركات وغيرها. ومن المهم التوكيد على أن هذا الاتهام لا ينسحب على الجميع، ولكن التنصير ظهر في بعض هذه المؤسسات.
ومع هذا كله، ومع هذه الجهود كلها, فشل التنصير في تحقيق هدفه الظاهر والقريب، وهو أول ما يتبادر إلى الذهن من الكلمة نفسها, مصطلح التنصير, الذي يوحي بإدخال غير النصارى في النصرانية، فقد تنازل التنصير عن هذا الهدف مرحليًا، لاسيما في المجتمعات المسلمة، وأضحت مهمةُ التنصير في المجتمع المسلم خاصة، العملَ على إخراج المسلمين من الإسلام.
ولم يتحقق هذا الهدف, أو هذه المهمة, بالسهولة المتوخاة، إذ إن الإسلام يقوم على عقيدة التوحيد التي تتماشى مع فطرة الإنسان. هذا بالإضافة إلى أن الإسلام بقى نقيًّا محفوظًا من كل محاولات التغلغل فيه لتقويض دعائمه، ذلك أن الله تعالى قد تكفَّل بحفظه, مادام على هذه الدنيا نفس تتعطش للأمان الروحي, وتسعى إلى توطيد العلاقة، علاقة المخلوق مع الخالق. قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وِإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ}[الآية 9 من سورة الحجر].
وهنا عاد المنصِّرون إلى المستشرقين في مسألة التشويه, والدخول في عمق العقل البشري المسلم، وتشكيكه في عقيدته من خلال التشويه القديم للاستشراق، الذي لم يَعُد بحق مقبولاً اليوم حتى من مستشرقي اليوم أنفسهم.
ولما لم تُجدِ هذه الوسيلة عمد التنصير الموجَّه للمجتمع المسلم إلى إدخال أفكار غربية على المفهومات الإسلامية في الممارسات وفي الأفكار, الأمر الذي دعا المسلمين إلى التحذير من هذه الحملات التنصيرية والتصدي لها بالتأصيل أو الأصالة, وأسلمة العلوم وتوجيهها الوجهة الإسلامية. ( )
ونشرت مجلة الكوثر التي يصدرها الدكتور عبدالرحمن بن حمود السميط في عددها الثاني والأربعين لشهر محرم وصفر 1424هـ (أبريل 2003م) إحصائية عن التنصير لعام 1424هـ/2003م،( ) ذكرت فيه أن مجمل التبرعات للإغراض التنصيرية بلغت ثلاث مئة وعشرين مليار (320,000,000,000) دولار للعام 1424هـ/2003م. وكانـــــت قــــد بلغت عـــــــام 1390هـ/1970م سبعــــين مليار (70,000,000,000) دولار وبلغت عام 1420هـ/2000م مئتين وسبعين مليـــــار (270,000,000,000) دولار، ويتوقع أن تبلغ سنة 1445هـ/2025م ثمان مئة وسبعين مليار(870,000,000,000) دولار. وسيبلغ عدد المنظمات والجمعيات لتي ترسل منصرين أربعة آلاف ومئة وخمسين (4150) منظمة وجمعية، وكانت قد بلغت سنة 1390هـ/1970م ألفين ومئتي (2200) منظمة وجمعية، وبلغت سنة 1420هـ/2000م أربعة آلاف (4.000) منظمة وجمعية. ويتوقع أن تبلغ سنة 1445هـ/2025م ستة آلاف (6.000) منظمة وجمعية.
وذكرت مجلة الكوثر نقلاً عن النشرة الدولية لأبحاث التنصير أن عدد المنصِّرين المفرَّغين, من المحليِّين والأجانب, بلغ للعام 1424هـ/ 2003م خمسة ملايين وسبع مئة وتسعة وثمانين ألف (5.789.000) منصِّر ومنصِّرة. وأن عدد الأناجيل التي طبعت في منتصــــف ذلك العام 1424هـ/ 2003م, ووصل إلى إثنين وستين مليون (62.000.000) إنجيل, وأن عدد محطات الإذاعة والتلفزيون التنصيرية وصل في المدة نفسها إلى أربعة آلاف وخمس وسبعين (475) محطة إذاعة وتلفزيون، يستمع إليها ويشاهدها ما لا يقلُّ عن ست مئة وثمانية وخمسين مليون (658.000.000) مستمع ومستمعة ومشاهد ومشاهدة.
وقد أعد هذه الدراسة الإحصائية للنشرة الدولية لأبحاث التنصير كل من الأستاذ الدكتور ديفيد باريت, المتخصص في إحصاءات التنصير بجامعة ر يخت في فرجينيا، ورئيس مركز أبحاث التنصير في مدينة ريتشموند بفرجينيا كذلك، والأستاذ الدكتور نود جونسون,

 

جميع الحقوق ©  محفوظة لـ مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق 2005

تصميم و تطوير : Aziz.fm