راسلنا أضفني للمفضلة ضع مركز المدينة موقعاً إفتراضياً لجهازك
       
   

- تعريف الاستشراق
- نشأة الاستشراق
- وسائل الاستشراق
- أهداف الاستشراق
- مناهج الاستشراق
- أساليب الاستشراق
- آثار الاستشراق
- الظاهرة الاستشراقية
- حقيقة نهاية الاستشراق
- أزمة الاستشراق
- السعودية والاستشراق

- المدرسة الإيطالية
- المدرسة الهولندية
- المدرسة الفرنسية
- المدرسة الإنجليزية
- المدرسة الأمريكية
- المدرسة الألمانية
- المدرسة الإسبانية
- المدرسة الروسية
- دول أوروبا الأخرى
- في العالم الإسلامي
- طبقات المستشرقين

- المؤتمرات
- نموذجان للمؤتمرات العلمية
- المؤتمرات الاستشراقية الحديثة
- نظرة إلى المؤتمرات في بلادنا
- ندوة صحيفة عكاظ حول الاستشراق
- ندوة الحج والإعلام بجامعة أم القرى
- قراءة ثقافية في تاريخ دورات الجنادرية
- المهرجان 12- الإسلام والغرب
- المهرجان 17: الإسلام والشرق
- المناشط الثقافية في الجنادرية 18
- المؤتمر الدولي الثاني
- المؤتمر العالمي 1 حول الإسلام والقرن 21
- مؤتمر حول الإسلام في هولندا
- الاستشراق والدراسات الإسلامية -المغرب
- المؤتمر الدولي 35
- الرحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية
- ندوة إعلامية في جامعة نيويورك
- المؤتمر6 لجمعية القراءة العربية
- المؤتمر24 لجمعية أهل الحديث
- المؤتمر8 لكلية الإعلام بجامعة القاهرة
- المؤتمر العالمي1 بألمانيا
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي
- المؤتمر العالمي37
- مؤتمر التغيّر الديني في سياق متعدد بجامعة ليدن
- المؤتمر الدولي عن التغيرات الدينية في سياق متعدد بجامعة ليدن أغسطس 2003م
- ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل
- ندوة عن الاستشراق في تونس ، 22-24فبراير 2005م
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي الإسلام والغرب
- مؤتمر حول الاستشراق وحوار الثقافات في عمّان بالأردن أكتوبر 2002م
- برنامج المؤتمر الثاني والعشرين الاتحاد الأوربي للمستعربين والمتخصصين في الإسلام كراكو- بولندا29 سبتمبر -2 أكتوبر 2004م.

- القرآن الكريم
- الاستشراق والحديث
- المستشرقون والفقه
- الاستشراق والسيرة النبوية
- الاستشراق والتاريخ الإسلامي
- الاستشراق والأدب العربي
-

- القضايا المعاصرة

- بليوغرافيا
- رسائل علمية
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا عن الاستشراق الفرنسي زين الدين بوزيد
- مُرَاجَعَاتٌ فِي نَقْدِ الاِسْتِشراق مُقَدِّمَاتٌ لِرَصْدٍ وِرَاقِيٍّ (بِبْلِيُوْجْرَافِيٍّ)

- موقف الغرب من الإسلام
- موقف المسلمين من الغرب
- الإسلام والغرب حوار أم مواجهة؟

- الاستغراب
- معرفة الآخر
- مصطلح الاستغراب
- دعوة لدراسة الغرب
- كيف ندرس الغرب؟
- نماذج من دراستنا للغرب
- الرد على منتقدي دراسة الغرب
-
- وَحدة دراسات العالم الغربي والدراسات الإقليمية
- متى ينشأ علم الاستغراب؟؟

- المرأة المسلمة في نظر الغرب
- المرأة المسلمة وقضاياها
- المرأة الغربية وقضاياها المختلفة
- الطفل

الباحثون

اسم الباحث :فضيلة الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد-كتاب المدارس العالمية

الجنسية : سعودي

.: معلومات إضافية :.

<المدارس

العالمية
الأجنبية-الاستعمارية
تاريخها ومخاطرها
بسم الله الرحمن الرحيم

المقـدمــة

الحمد لله العلي الكبير، مجيب دعوة المضطرين، وكاشف كرب المكروبين، وموهن مكر الماكرين، سبحانه لا يهدي كيد الخائنين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن المسلمين بعد انحلال وحدتهم عام 1342 عاشوا بين نازلتين حربيتين تخريبيتين –استعماريتين( )-:
الأولى: استعمار الكفار لبلاد الإسلام في معركتهم الحربية الدموية وسلاحهم المصلت على رقاب المسلمين، حتى احتلوا عامة ديار الإسلام، ولم يبق منها رقعة إلا دخلها الاستعمار سوى حرم الإسلام، قلب جزية العرب فقد حماها الله منه؛ إذ لم يحتلها استعمار كافر منذ طلوع فجر الإسلام حتى يومنا هذا –بحمد الله-، وأمام هذا الاستعمار كان المسلمون –بحمد الله- صوتاً واحداً ضده، واستمرت جهودهم في الجهاد والدفاع حتى أنقذ الله البلاد والعباد من استيلاء الكافرين، وكتب الله عليهم الجلاء من بلاد المسلمين.
أما الثانية: فإن أعداء الله عباد الصليب وغيرهم من الكافرين، أنزلوا بالمسلمين استعماراً من طراز آخر هو: "الاستعمار الفكري" وهو أشد وأنكى من حربهم المسلحة؟! فأوقدوها معركة فكرية خبيثة ماكرة، وناراً ماردة، وسيوفاً خفية على قلوب المسلمين باستعمارها عقيدة وفكراً ومنهج حياة؛ ليصبح العالم الإسلامي غربياً في أخلاقه ومقوماته، متنافراً مع دين الإسلام الحق، وكان أنكى وسائله: جلب "نظام التعليم الغربي" و"المدارس الاستعمارية – الأجنبية العالمية" إلى عامة بلاد العالم الإسلامي، ولم يبق منها بلد إلا دخلته هذه الكارثة سوى حرم الإسلام قلب جزيرة العرب – فقد حماها الله منها.
ولما حلت هذه النازلة في بلاد الإسلام لم يكن محل جدل بين العلماء في تحريم فتح المدارس الأجنبية في بلاد المسلمين، وفي تحريم إدخال أولادهم فيها، وهذان الحكمان لا يحتاجان إلى إقامة دليل؛ لقبح هذه الطامة بطرفيها، وبشاعتها، وشناعتها؛ إذ الحكم بتحريم قبول الاستعمار الفكري أولى من الحكم بتحريم الاستعمار الحسي، ولا يرضى المسلم الحق أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل مطلقاً.
لكن قدر الله وما شاء فعل، ففي هذا العام عام 1419 امتد نفوذ مدارس أعداء الله عباد الصليب وغيرهم من الكفرة والملاحدة إلى قلب جزيرة العرب، ففتحوا فيها مدارسهم، وجاءت فيها هذه الفتنة الكبيرة، والخطيئة الخطيرة، التي ظاهرها تعليم الأجنبيين وباطنها الدعوة إلى غير سبيل المؤمنين، فأثارت استياء المسلمين فيها، وجرحت إحساسهم، ورأوا أنها أعظم ضربة وجهت إلى جزيرتهم ولا عهد لقلب الجزيرة بها، وحذروا المسارعين إليها من سوء عاقبتها، فالآن لا بد من بيان سطوة هذه الكارثة على الإسلام، ومدى ما نفشته في عقيدته وأخلاقه من الإفساد، والتعددية والانقسام، عسى أن يكون هذا البيان مضخة إنقاذ، يطفئ من جذوتها، ويُذهب سعيرها وسُعارها، ولإسماع المسلمين كلمة الحق في حكمها وتشخيص مخاطرها، والخلوص من معرة الكتمان، عسى الله أن ينفع به من شاء من عباده، ولولا بشاعة هذه النازلة لما حركت للقلم ساكناً، فأقول:
إن عدداً جماً غفيراً من المصلحين الغيورين من العلماء وغيرهم في شتى أقطار العالم الإسلامي: في المملكة، ومصر، والسودان، والعراق، والشام بأقسامه الأربعة، وفي تركيا، والهند، والباكستان، وفي الكويت، والإمارات، وفي المغرب بولاياته الأربع، وفي إندونيسيا، وماليزيا… وغيرها أعلنوا موقفهم الإسلامي الصريح من المدارس المقطوعة الصلة بالإسلام عقيدة ومنهجاً ولغة وتاريخاً: (المدارس الاستعمارية الأجنبية.. العالمية) التي افتتحت في بلاد المسلمين لتكون محاضن للأجيال المسلمة محذرين منها ومن إدخال أولاد المسلمين فيها، مبينين مخاطرها على الأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها، وأنها معاقل للخيانة بالمسلمين باستعمار أجيالهم عقدياً وفكرياً وثقافياً، وما في ذلك من تذويب الشخصية الإسلامية وتشكيل العقل والفكر بما يرفضه الإسلام، وأنها بحق: "البيت المظلم". وأنها حرب جلية فكرية من عباد الصليب أعمق من حروبهم الصليبية المسلحة، وأنها "السيوف المصلتة" على القلوب، فإنهم لما اغمدوا سيوفهم عن رقاب المسلمين سلوها على قلوبهم، وإنها: "الخنجر المسموم" الذي طعن به المسلمون فأصاب منهم مقاتل متعددة فأخذوا يعالجون الجرح النازف، والخنجر المسموم ما زال مغروزاً في جسم الأمة الإسلامية، فأولى لهم انتزاع الخنجر ليزول الجرح ويقف النزيف. وأنها شر القوى المسلطة على العالم الإسلامي.
وهم لبالغ كيدهم ومكرهم، تركوا المدارس الحكومية والأهلية على ما هي عليه من مناهج سليمة لم يتعرضوا لها، لكن عملوا على جادة الأسلوب البطيء المباشر "فتح المدارس الأجنبية" بجانبها؛ لتعلم الدنيا ولا تعلم الدين، وفي بعضها جزء هو من جملة إخراج المسلمين من الإسلام، فهي بحق مثل بناء الكنائس بجانب المساجد، بيوت كفر وردة بجانب بيوت إسلام وطاعة.
ويبين الأستاذ محمد إقبال شدة مخاطر هذه المدارس على المسلمين فيقول( ): "إن التعليم -الغربي- هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكون كما شاء، وأن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيماوية".
وبذل أولئك المصلحون في إنكار هذه البلية والدفع في وجهها جهوداً مشكورة ذات جوانب متعددة ومنها: تأليف الكتب، والرسائل، والمقالات، وإصدار البيانات والفتاوى بشأنها التي زادت عن ستين عدداً سيأتي خبرها في البيانات اللاحقة إن شاء الله تعالى.
واليوم في هذا العام 1419 تزحف هذه المدارس إلى قلب الجزيرة العربية، أول مفتاح للتنصير والتغريب ودخول أول أزمة جديدة في مجال التعليم وهي أولى وسيلة في مثلث التبشير: (المدرسة – المستشفى – دار الأيتام) فتزدحم بها المدن، وتنتشر في ساعة من نهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وعسى أن لا تكون واحدة من فعاليات المؤتمرات المتتابعة لوحدة الأديان والتقريب بينها، في "ظاهرة التحول" المخيفة، كالتركيز على تغريب المرأة في فعاليات مؤتمرات المرأة والإسكان...
وعسى أن لا تكون من آثار "نظرية الخلط" –العولمة- تحت شعار "المدارس المنتسبة": "نحن نعيش في عالم واحد، ونتعلم من أجل عالم واحد"، شعار: "توأمة المدارس" وشعار: "التربية الدولية" المتجاوزة لحدود الدين واللغة.
وإننا في هذه البلاد –قلب الجزيرة العربية- حماها الله وسائر بلاد المسلمين من كل سوء –مرت بنا مواقف في مجال التعليم الوافد والمدارس الأجنبية منها:
الموقف الأول:
كنا في هذه البلاد نسمع عما حل في عامة أقطار العالم الإسلامي من المصيبة العظيمة، والرَّزية الفادحة الأليمة من السماح لأمم الكفر والضلال من النصارى، وغيرهم بفتح المدارس الأجنبية على أرض الإسلام، وجعلها محاضن لأولاد الجاليات في شعورهم الديني، وشعائرهم الدينية... فنتألم لذلك، ونسأل الله –سبحانه- أن يرفع هذه البلاء عن المسلمين، وأن يعيذنا وإياهم من شرورها وأن لا نراها على أرضنا، وهي البقية الباقية اليوم.
الموقف الثاني:
وكنا نرى جهود المخلصين من العلماء والناصحين والغيورين في مصر والشام والعراق وغيرها في التحذير من هذه المدارس وتحريم افتتاحها، وتحريم إدخال أولاد المسلمين فيها، وأن هذا من أعظم المحرمات وأكبر الجنايات على ذراري المسلمين، ومستقبل الأمة الإسلامية، وتتكون جهودهم المباركة في مناصحة الولاة بإغلاقها، وفي احتساب الأهالي بفتح المدارس الأهلية الإسلامية؛ لاحتضان أولاد المسلمين، وتعليمهم فيها، وفي نشر المؤلفات والفتاوى والمقالات الصحفية في التحذير من هذه المدارس، إلى غير ذلك مما سترى خبره –إن شاء الله تعالى- في البيانات اللاحقة.
فنحمد الله على إقامة الحجة ويشاركهم من علمائنا من شاء الله في إقامتها، وندعو لنا ولهم بالثبات والمثوبة، ونحث ذوي اليسار على مد يد المعونة حسب القدرة.
الموقف الثالث:
بالأمس القريب يبذل الناصحون منا النصح، والتحذير من مخاطر ابتعاث شببة المسلمين في هذه الديار إلى بلاد الكفر، وإلى المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية؛ اتقاءً للمخاطر على عقيدتهم وسلوكهم وتلويث أفكارهم.
الموقف الرابع:
بالأمس القريب يبذل الناصحون منا النصيحة تلو الأخرى بحماية مناهج التعليم من نفثات السوء، ونفوذ الضلال إليها، وبتقوية المواد الدينية الإسلامية وغرس العقيدة في قلوب ذراري المسلمين، وانتقاء المدرسين الموثوق بدينهم وسلامة معتقدهم والجاري سلوكهم على السلامة والسداد، والحذر من جلب المدرسين، الذين مرجت عهودهم، وداخلتهم أمراض الشبهات، والشهوات؛ لما لاحتضانهم أولاد المسلمين من مخاطر لا تخفى.
الموقف الخامس:
كل هذا يجري بالأمس –ونأمل الخير إلى الأبد- أما اليوم فيأتي موقف المواقف في فاتحة العام الدراسي لهذا العام 1419:
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاء له هوى له أحد وانهد ثهلان
اليوم يُفتح في بلادنا: "البيت المظلم"، تحل في بلادنا أعظم ضربة توجه إلى هذه البلاد إنها قاصمة الظهر/ بفتح المدارس الأجنبية العالمية الاستعمارية.
اليوم هي على أرضنا ملء السمع والبصر.
اليوم نزلت في قلب الجزيرة العربية، حرم الإسلام وعاصمة المسلمين وقاعدتهم: نازلة الشؤم والخطر، نازلة أولى وسائل التبشير، وأدهى وسائل التنصير والتغريب، والنقلة الحادة بأولاد المسلمين من محاضنهم الإسلامية –المدارس الحكومية والأهلية الإسلامية- بنقلتهم وإسلامهم إلى محاضن الكفر والضلال والإباحية والإلحاد في: (المدارس العالمية-الأجنبية).
إنها والله رزية وأي رزية تحل في قلب الجزيرة العربية بجوار الحرمين الشريفين في بلد التوحيد وتحكيم الشرع المطهر، في البلد الذي لا يجوز في تجنس الكافر بجنسيته، ولا تمليكه جزءً من أرضه، واليوم يؤذن لأعداء الله ورسوله وأعداء المؤمنين بفتح محاضن لأولادنا لمن ليسوا على ديننا: المدرس كافر أو عاهر، والمناهج مستوردة كافرة...
إنه موقف الواقف، موقف الدهشة والاستغراب، والحسرة والندامة، والفجيعة والألم.
إنها ساعة الذهول فينا، فحق أن يقال لنا: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً".
إنها قنطرة إلى مبدأ حرية تغيير الدين.
إنها درجة إلى: (عولمة التعليم) بين المدارس الدينية للملل المختلفة، وبينها وبين المدارس اللادينية –العلمانية-.
إنها حركة لهدم الماضي المشرق العريق والمستقبل المضيء باسم (تجديد البناء) ومن آثارها: كسر حاجز النفرة من الكفر والكافرين، ومنها: أنه لن يقال للكافر: يا كافر، بعد الآن.
إنها: تعطينا التفاتة، لكتاب: عبدالودود شلبي (الزحف إلى مكة) وفيه يقول عن المنصر الأمريكي روبرت ماكس: "لن تتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة، ويقام قدّاس الأحد في المدينة" انتهى كلامه –قبحه الله وخيب أمله-.
وأحسن الله إلى المؤلف شلبي، إذ قال بعده: "نحن في انتظار أبرهة الأمريكي لا على أبواب مكة، فهو لن يراها أبداً ولكن على أبواب جهنم التي تنتظره وأمثاله ليستقر هناك في دركها الأسفل" انتهى.
إن قلب الجزيرة العربية يعتبر بلداً مغلقاً أمام المبشرين المنصرين، وإن فتح هذه المدارس هي خطوة جريئة لنفوذ سلطانهم الكنسي والثقافي فالخطوة بعدها: (فتح الكنائس)، وبث الأناجيل، والكتب التنصيرية، والإعلام التنصيري، وفتح المحاكم الأجنبية وفتح مراكز الإرساليات –البعثات- التنصيرية كما هي أمامنا وخلفنا عن أيماننا وعن شمائلنا في جميع بلدان الخليج العربي بلا استثناء!! امتداداً للواقع الحزين في العالم الإسلامي.
إنها مؤامرة أمم الكفر في اقتحام حرم الإسلام، إن المشكلة أفظع مما نتصور: إنها إقامة حزام جغرافي لمجموعة الدول الكافرة تحصر المنابع الإسلامية؟!
اللهم إنا نبرأ إليك من الرضا بهذه المدارس، أو أن تطمئن لها قلوبنا وغاية ما نملكه هو بذل النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فنبين ما نعلمه عن هذه المدارس الأجنبية في تاريخها ومخاطرها وأصولها وسيرتها ووجوب نبذها عن بلاد المسلمين وإغلاقها وإيقاف نشاطها وانتماآتها مستخلصاً مما كتبه عدد من علماء المسلمين وكتابهم –لله درهم ولله أبوهم- لعل الله أن ينفع بها، وأسوة بما صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالبيان الصادر في 3/2/1420 القاطع بتحريمها والتحذير منها ووجوب إغلاقها ورفعها عن المسلمين..
وعسى أن تقرّ أعين المسلمين بتنفيس الكربة فيُنشِدوا:
الحمد لله على ما نفّسه من الكروب وسقوط المدرسة
فإلى كل مسلم هذه البيانات عن هذه النازلة (المدارس العالمية الأجنبية).
المؤلف
بكر بن عبدالله أبو زيد آل غيهب
في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم

البيـانــات

البيان الأول: جهود المصلحين من العلماء وغيرهم في مقاومتها.
البيان الثاني: أسماؤها.
البيان الثالث: تبعيتها.
البيان الرابع: تاريخها.
البيان الخامس: الأولويات في فتح المدارس الاستعمارية.
البيان السادس: برامج المدارس الاستعمارية وإدارتها وأساتذتها.
البيان السابع: أهدافها وآثارها المدمرة للمسلمين.
البيان الثامن: نماذج من أقوال العلماء وبياناتهم وفتاويهم عن المدارس الاستعمارية.
البيان التاسع: حكم الشريعة الإسلامية في المدارس الأجنبية المبني على النصوص الشرعية والقواعد والمقاصد العامة.

البيان الأول
جهود المصلحين من العلماء وغيرهم في مقاومتها

مضى على الأمة الإسلامية نحو: "1300" عام وحياتها قائمة على الولاء والبراء، الولاء للإسلام والمسلمين والبراءة من الكفر والكافرين، وعلى الحب والبغض في الله، محبة الإسلام والمسلمين، وبغض الكفر والكافرين، فبينهم وبين الكفار حاجز من الإيمان تنقطع عن نواله أعناق الرجال، ومن دونه خرط القتاد، فلا غرابة أن يُقابلو بالرفض كل ما يرفضه الإسلام، فضلاً عما ينابذه ويهدم كيانه.
وكان من تلك المرفوضات: "المدارس الأجنبية الاستعمارية التبشيرية" التي أوفدتها البعثات والإرساليات النصرانية لإنشاب مخالبها الاستعمارية في جسد الأمة الإسلامية، وكان أول قدم تُمهّد لهم نشوب الاستعمار الذاتي: الاستعمار العقلي والفكري والثقافي "بالتعليم" بداية من حضانة الأطفال، وتعليم البنات، إلى نشر المدارس، إلى التعليم العالي في الكليات والجامعات وتكثيف بثها في بلدان المسلمين.
ولا شك أن هذا غريب علىجسد الأمة الإسلامية يخترق قواعدها ومسلماتها من الأساس، فرفضته شكلاً ومضموناً، وتعالت الصيحات، والنداآت من الناصحين من العلماء الغيورين وغيرهم بالتحذير من هذه المدارس، ومن افتتاحها، وإدخال أولاد المسلمين فيها.
وكانت جهودهم الدفاعية في الخطوة الآتية:
الخط الدفاعي الأول: في إصدار الكتب والرسائل والمقالات والفتاوى والبيانات وإليك قائمة بأهم ما تم الوقوف عليه حسب الوفيات أو تاريخ النشر:
1- إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى.
2- مختصر إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى.
كلاهما من تأليف: يوسف بن إسماعيل – المتوفى سنة 1350.
3- مضار تعليم الأبناء في مدارس الأجانب/ السيد علي حبيب –مجلة الإسلام- ربيع الآخر سنة 1352.
4- مدارس التبشير/ محمد السيد صبحو –مجلة الإسلام- جمادى الأولى سنة 1352.
5- بيان مشيخة الأزهر عن معاهد المبشرين/ مجلة الإسلام – جمادى الثانية سنة 1352.
6- تفسير المنار/ محمد رشيد رضا - المتوفى سنة 1354. في مواضع من تفسيره: 10/410-411،514-515.
7- فتاوى محمد رشيد رضا أيضاً ج6 ص2387 بعنوان: تعليم أولاد المسلمين في المدارس اللادينية الحكومية وغيرها أو مدارس النصرانية. وأصل هذه الفتوى منشور في مجلة المنار سنة 1350 مج32، ج3 ص178،181.
8- الغارة على العالم الإسلامي – لخصها ونقلها إلى العربية/ مساعد اليافي المتوفى سنة 1363. ومحب الدين الخطيب المتوفى سنة 1389.
9- جدد نفسك/ للشيخ محمد صبري عابدين – مجلة الأزهر سنة 1373 مج25 ج3.
10- المدارس الغربية في البلاد الشرقية/ أحمد أمين – المتوفى سنة 1373. فيض الخاطر 10/1150-1154.
11- المدارس الأجنبية والإسلام/ أحمد حمزة – مجلة لواء الإسلام – ذو القعدة سنة 1375.
12- نصيحة مختصرة في الحث على التمسك بالدين والتحذير من المدارس الأجنبية/ للشيخ عبدالرحمن السعدي المتوفى سنة 1376.
13- تعليم الدين في المدارس (ضمن مقالات: حكم الجاهلية/ ص174،176) للشيخ أحمد بن محمد شاكر المتوفى سنة 1377.
14- الدعوة إلى الإصلاح ص/152-158.
15- رسائل الإصلاح ص/152-158.
16- الهداية الإسلامية، ص/151-152.
جميعها للشيخ محمد الخضر حسين التونسي المتوفى سنة 1377.
17- مطابقة الاختراعات العصرية. ص65،66/لأحمد محمد الصديق المتوفى سنة 1380.
18- آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي المتوفى سنة 1385.
19- البكاء ليس وسيلة إيجابية لمقاومة المدارس التبشيرية/ مجلة المجتمع –عدد93 صفر سنة 1392.
20- معاقل التبشير في الجابرية وواجب المسؤولين/ مجلة المجتمع – عدد 288 صفر سنة 1392.
21- تصفية المدارس التنصيرية في الكويت ضرورة ملحة/ مجلة المجتمع – عدد 288 صفر سنة 1396.
22- الغزو الفكري (مجموعة بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة 1396) مطبوعات جامعة الإمام سنة 1404.
23- المدارس التبشيرية التضليلية.. إلى متى؟/ مجلة المجتمع – عدد 350 جمادى الأولى سنة 1397.
24- حكم الشريعة الإسلامية في تعليم المسلمين أولادهم بالمدارس الأجنبية/ للشيخ حسن مشاط المكي المتوفى سنة 1399.
25- خاتمة كشف الشبهات/ للشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري المتوفى سنة 1399.
26- الأجانب والتعليم بمصر/ صالح رمضان محمود – مجلة المؤرخ العربي العدد 17 سنة 1401.
27- المدارس الأجنبية (ضمن المنتقى من محاضرات جمعية الشبان المسلمين ص324-335).
28- هل هذه النهضة خاضعة لسلطان العلم؟ مجلة المنار سنة 1348 - مج30 ج3.
كلاهما لعجاج نويهض المتوفى سنة 1402.
[والعجيب أن هذا الرجل ذكر عنه أحمد العلاونة أنه درزي كما في ترجمته في ذيل الأعلام ص137].
29- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر.
30- حصوننا مهددة من داخلها/ كلاهما لمحمد محمد حسين المتوفى سنة 1403.
31- مخاطر التعليم الأجنبي في البلاد العربية/ عمر السباخي – مجلة العربي.
32- التبشير والسياسة التعليمية في مناطق جبال النوبة/ كمال عثمان صالح – مجلة دراسات إفريقية – العدد الأول رجب سنة 1405.
33- التبشير والاستعمار (ص65-90)/عمر فروخ المتوفى سنة 1408. ومصطفى الخالدي المتوفى سنة 1397.
34- الآثار التغريبية لمدارس اللغات -المدارس الأجنبية – للأستاذ طلبة الدمنهوري (ضمن دراسات وآراء في التربية الإسلامية) الكتاب الأول. محرم سنة 1411.
35- التعليم في بلاد الشام في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين/ عبدالكريم الباني – مجلة التراث العربي – دمشق عدد 45 ربيع الثاني سنة 1412.
36- المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام/ محمد محمود الصواف المتوفى سنة 1413. (ص212-224).
37- أسلمة التعليم في ديار المسلمين. عمر بن سليمان الأشقر. طبع دار النفائس عام 1414.
38- التبشير الصليبي/ الوسائل والأهداف. من رسائل جمعية الإصلاح بالإمارات طبع عام 1413.
39- المدارس التنصيرية/ نديم هزاز – مركز البلقان للدراسات والأبحاث العلمية – استانبول سنة 1415.
40- انحراف الشباب عن الدين والتحاقهم بالمرتدين/ للشيخ عبدالله بن زيد آل محمود المتوفى سنة 1417 (مجموعة الرسائل ج2 ص217).
41- أباطيل وأسمار/ محمود محمد شاكر المتوفى سنة 1418.
42- تعليم الغالب للمغلوب (قصة 150 عاماً من التعليم الأجنبي في مصر) مجلة الأسرة عدد 59 سنة 1419.
43- غزو في الصميم/ عبدالرحمن بن حسن حبنكة الميداني.
44- الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية/ محماس بن عبدالله بن محمد الجلعود. ج2 ص/669-681.
45- أساليب الغزو الفكري/ علي محمد جريشة ومحمد شريف الزيبق ص/62-70.
46- واقعنا المعاصر/ محمد قطب. ص/ 217-234.
47- بلاد شنقيط: المنارة والرباط. ص/355-366 طبع سنة 1987م.
48- إفريقيا المسلمة 100 الهوية الضائعة ص/ 100-131 كلاهما تأليف / الخليل النحوي.
49- أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية/ خادم حسين إلهي بخش. ص/ 109-167.
50- أفيقوا أيها المسلمون قبل أن تدفعوا الجزية.
51- الزحف إلى مكة.
كلاهما للأستاذ عبدالودود شلبي.
52- التربية الإسلامية الحرة/ للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.
53- الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية. لأبي الحسن الندوي. ص173-187.
54- أين محاضن الجيل المسلم/ للأستاذ يوسف العظم.
55- احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص/71-80 لسعد الدين السيد صالح.
56- التغريب في التعليم في العالم الإسلامي (وخاصة ص76 فما بعدها) محمد عبدالعليم مرسي – منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة 1409.
57- الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون/ أنور الجندي.
58- التطوير بين الحقيقة والتضليل/ جمال عبدالهادي وعلي أحمد لبن.
59- المؤسسات التعليمية الأجنبية في اسطنبول. تأليف سهيل صبان رسالة ماجستير من جامعة الإمام بالرياض عام 1409-1412. ونشر ملخصها في مجلة عالم الكتب في المجلد الحادي عشر: العدد الأول.
60- المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية/ عبدالله بن حمد الشبانة. ص/63-73، 161-181. طبع عام 1409 بالرياض.
61- ملامح عن النشاط التنصيري في الوطن العربي/ إبراهيم عكاشة علي. نشر جامعة الإمام بالرياض عام 1407. ص/28-32، 127-128 بالحواشي.
62- فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برقم (4172) وتاريخ 4/12/1401.
63- فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز بتحريم تأجير الأماكن للمدارس الأجنبية. ورقم هذه الفتوى (20262) في 3/3/1419.
64- بيان اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بالمملكة العربية السعودية في 3/2/1420 بتحريم فتح المدارس الأجنبية في بلاد المسلمين. برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ أعانه الله وسدده.
وكان قد نظر فيه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز قبيل وفاته وأقره وزاد فيه قبل وفاته بيومين اثنين، وكانت زيادته في النص على خصوصية جزيرة العرب والأحاديث في ذلك، وعاجلته المنية قبل أن يوقعه فرحمه الله رحمة واسعة ورفع درجته في عليين فقد كان يحمل هم إصلاح الأمة وردها إلى الجادة إلى آخر يوم من حياته.
هذا ما تم الوقوف عليه فضلاً عن المصادر الأساس في ذلك، وهي الكتب التي تتحدث عن التبشير والاستعمار، والغزو الفكري، والتعليم وتاريخه، والتربية، والتبعية، والثقافة، والإرساليات –البعثات- النصرانية، وفي المقالات المتتابعة في الدوريات.
الخط الدفاعي الثاني: إغناء الناس عن هذه المدارس الاستعمارية بفتح المدارس الإسلامية الحكومية والخاصة؛ لأن المدارس الأجنبية داءٌ يجب أن يستأصل بالدواء، وهذا من الأدوية التي تخفف استقطابها لأولاد المسلمين.
الخط الدفاعي الثالث: نشر النصيحة بالكلمة من الموعظة الحسنة والخطب التحذيرية والدروس العلمية العامة تحذيراً من هذه المدارس الاستعمارية وأن على أولياء الأولاد أن يتقوا الله في أنفسهم وفي أولادهم فلا يدفعوا بهم إلى هذه المدارس التي تصدهم عن دينهم، وتُمرض أخلاقهم، وتوهن عقيدتهم، وأن كل تهذيب بلا إسلام فلا خير فيه وكل تأديب من غير تقوى الله لا أثر له.
الخط الدفاعي الرابع: تكونت لجنة أزهرية لمكافحة التنصير في مصر، وصار لها فروع متعددة في أنحاء مصر عام 1350 فما بعد، تصدّت للتنصير، وصد عادياته عن المسلمين.
ولقاء هذه الخطوط الدفاعية تعرّض المصلحون لبعض المحن الدنيوية منها أنه في عام 1350 فُصِل بضعة وسبعون عالماً من وظائفهم في الأزهر( ). فإنا لله وإنا إليه راجعون والحمدلله على كل حال.

البيان الثاني
أســماؤهــا

للاسم شأن عظيم؛ لتنوع دلالته، فالأسم دليل على المسمى يُعرف به ويدلك على حقيقته، فترغب إليه أو تحذره، وتواليه أو تعاديه، إذ الأسماء قوالب للمعاني، وفي حال يحصل اللبس والتلبيس لقاء التضليل بالأسماء على خلاف ما تحويه من الحقائق، فتكون العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ لهذا صار لا بد لنا من استقراء ما أمكن من أسماء هذه المدارس الوافدة؛ ليعرفها المسلمون بأسمائها المطابقة لحقيقتها، أو المُضلَّلُ بها، فيحذروها.
وبالتتبع وجد أن أسماءها على أنواع ثلاثة هي:
1- أسماؤها العامة:
باعتبار وِفَادتها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وهي: "المدارس الأجنبية" ويقال: "الإفرنجية" و"الغربية" و"الحديثة" و"العالمية" و"مدارس دنلوب" نسبة إلى القسيس دنلوب الذي تولى كبرها في مصر. ويسميها بعض علماء المسلمين: "المدارس.................( ) بالغايات والمقاصد، فإن الكفرة لما .................(1) طالما أعملوها في رقاب المسلمين سلَّو سيوفهم على الإسلام في صدور المسلمين عن طريق التعليم... ولهذا لقبها أنور الجندي بلقب: "الخنجر المسموم" وعنون به كتابه: "الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون"، ولقبها الأستاذ/ عبدالعزيز الثنيان بلفظ: "السيوف الخفية" في مقالته المنشورة في جريدة الجزيرة. وأرى أن اسمها بلا مواربة: "المدارس الكفرية".
2- أسماؤها العامة:
باعتبار هدفها التبشيري بالنصرانية، وهي: "الإرسالية" –البعثات النصرانية-، "الإنجيلية"، "التنصيرية" "التبشيرية"، "الشيوعية"، "البروتستانتية"، "الكاثلوكية"، "الأرمنية"، ويسميها بعض المستشرقين: "دق الأسفين". يُقال: دق بينهم أسفيناً أي فرّق بينهم، كما في: "المعجم الوسيط": (1/18).
وتُسمّى مدارس المبتدئين باسم: "مدارس التلقين" وهي التي تسبق التعميد، وباسم: "مدارس الأحراش".
3- أسماؤها الخاصة لكل مدرسة:
باعتبار تبعيتها التبشيرية ومنها ما ذكره يوسف العظم في رسالته: "أين محاضن الجيل المسلم" إذ قال:
"ولو اتسع المجال هنا لسردت لكم أسماء تلك المدارس جميعاً وأسماء المؤسسات أو الطوائف أو الأفراد الذين يكمنون خلفها، ولكن لن أحرمكم من تلمس الداء والإحساس بالخطر فأنقل لكم موجزاً عن ذلك في عرض سريع:
أما المدارس فمنها: المدرسة اليسوعية. مدرسة المطران المارونية. الفرير. المعمدانية. التراسنطا. راهبات ماريوسف. الراعي الصالح. المطران. المانويت. راهبات الفرنسيسكان. الكلية الأهلية. ميتم الأرض المقدسة. هانوميان بوزباستيان البيلار. المدرسة الأميريكة. والأرمن الأرثوذكس. طاركنشاتس. الشبان المسيحية. الافنستت. المخلص. السالزيان. الصناعية . السبئيين. راهبات سيدة الرسل. الكلية البطريركية. اللاتينية. الناصري. الإنجيلي. التقارب. المسيحي. راهبات الوردية. الثقافة الأرثوذكية. السريان. راهبات صهيون. القبطية. دار الطفل. الشهيدة دميانة. سيدة البشارة. السلام. المحبة. القدسية مريم. القديس نقولا. العائلة المقدسة. المدرسة الليسية. الراهبات الفرنسيسكان.
هذا قليل من كثير.. ولكن ملحوظتين لا بد من إبدائهما هنا:
أولاً: أن معظم هذه المدارس ذات فروع متعددة للرياض والبنين والبنات.
ثانياً: أن كل هذه المدارس لا تستأجر بيوتاً، وإنما تمتلك البيوت والحدائق والعمارات في ظل الكنيسة وأفياء الدير.
وأما المؤسسات والطوائف التي تكمن خلف هذه المدارس التبشيرية فمنها:
البطريركية اللاتينية. جمعية القدس والمشرق. المجمع الكنسي. بطريركية الأرمن. إرسالية المعمدانية. جمعية المانونيت. الأسقفية الإنجليكانية لكنيسة المعمدانية. راهبات الفرنسيسكان. أخوة المدارس. المسيحية. الآباء الفرنسيسكان. الرهبنة السالية. الكنيسة اللوثرية. الاتحاد اللوثوري العالمي. مؤسسة الأمريكان. جمعية اتحاد القدس. جمعية السريان الخيرية. إرسالية الأفدنستت. بطريركية الروم الكاثوليك. وبطريركية الروم الأرثوذكس. بطريركية الأرمن الكاثوليك. مطران السريان الأرثوذكس. جمعية التقارب المسيحي. واضح من سياق ذكر المدارس التي سمعتم أسماءها لم آت عليها جميعاً كما لم أعرض أسماء كل الجمعيات والمؤسسات التي تمولها لأن ذلك يطول بنا ولكنه عَرْض لأهمها وأبرزها وأشهرها.. وهناك الكثير المنتشر الذي تعرفه كل مدينة، وقرية، وحي أردني وجد فيه النصارى أم لم يوجدوا لأن هذه المدارس لا تقام لأبنائهم وإنما لأبنائنا ولا تؤسس لِتُعلِّم إنم لِتُضِلَّ، ولذلك فحظنا منها حظ وافر وحصتنا من وجودها حصة الأسد والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه.." انتهى.
ومنها أيضاً: الكلية الفرنسية. كلية الجيزويت. كلية الفرير. كلية فكتوريا الإنجليزية. كلية سان مارك الفرنسية. كلية سانت كاترين، بجانب كنيسة سانت كاترين بالقاهرة. مدارس أم الإله؟ مدارس بنات الإحسان. مدارس العازاريين.
ورأيت في البحرين: "مدرسة القلب المقدس".
وأما في قلب جزيرة العرب، ففتحت على نحو بعض هذه الأسماء ولما حصلت جفوة واستنكار غُيِّرت الاسم للتعمية فمثلاً : "مدارس الأفق الأمريكية" غيرت خلال شهر باسم "مدارس الأفق العالمية"، ومنها: "مدرسة نافذة المستقبل العالمية"، و"الأكاديمية الفلبينية العالمية" وهكذا بلغت ما يزيد عن مائة وخمسين مدرسة في ظرف عام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

البيان الثالث
تـبـعـيـتـهـا

إن افتتاح هذه المدارس، يكون تحت إحدى مظلتين، وقد تجمعهما وهما نوعان:
1- مدارس تابعة للإرساليات –البعثات- التنصيرية، الكاثوليكية والبروتستانتية: "جمعيات التبشير" الإيطالية، والفرنسية، والبريطانية، والألمانية، والأمريكية، واليونانية.. وكل إرسالية تحمل لقباً منها: "إرسالية الفرير" و"إرسالية الجزويت" وهكذا حسب الانتماء الدعوي لأمم الكفر.
2- مدارس تابعة للسفارات الأجنبية؛ ولهذا تجدها مدارس: "فرنسية" و"ألمانية" و"أمريكية" أو غيرها، وقد تسمى باسم: "المدارس القومية" وهي مشتهرة باسم: "مدارس الجاليات".
وكل مدرسة من النوعين المذكورين تخدم ما تنتمي إليه من دين ونحلة وسلوك ومنهج، لكن النوع الأول المقصود به استعمار مواليد المسلمين والتأثير عليهم، وأما النوع الثاني فقد يكون مقصوراً على أولاد الجالية فقط، ففيه مبدأ وجودها على الأرض الإسلامية، وقد يُسْمَح بإدخال أولاد المسلمين فيها، فتشارك النوع الأول في آثارها الاستعمارية.
وقد تسمح بإدخال أولاد الكفار الذين ليسوا على ملتها فتكون مراكز للتنصير إن كانت نصرانية. أو مراكز للتهويد إن كانت يهودية، أو للإلحاد إن كانت لا دينية وجميعها مدارس إلحاد.
فهي على كلا الحالين: "بيوت مظلمة" و"مدارس كفرية" ولا يقول مسلم بجواز فتح بيت يكفر فيه بالله تعالى مثل: "الكنائس" في بلد إسلامي ولا يختلف أهل الإسلام في تحريم فتح مكان يكفر فيه بالله تعالى كالمدرسة والكنيسة في بلد إسلام، فكيف في حَرَمِه.

البيان الرابع
تــاريخـهــا

مضى ثلاثة عشر قرناً وأقطار العالم الإسلامي لا تعرف شيئاً من مدارس التعليم الأجنبية، ولا يجرؤ أرباب الديانات والنِّحَل من يهود ونصارى ومجوس وهندوس وغيرهم على افتتاح مراكز للتعليم في ديار المسلمين، لكن على مشارف انحلال الدولة العثمانية أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر وانتعاش الروح الاستعمارية التبشيرية في العالم ونشوب الاستعمار في عامة أقطار العالم الإسلامي كان المبشِّر الأول هو (المدرسة)؟! وهي شر قوى الغزو الفكري والثقافي المسلطة على النفسية العامة في هذه البلدان الإسلامية.
إنها المدارس الأجنبية والكليات والجامعات بلا فرق بين التبشيرية منها وغير التبشيرية، وإن كان السواد الأعظم منها هو التبشير على كل حال.
وإنما كانت: "المدرسة" و"التعليم" أولى خطط التبشير لسببين مهمين:
الأول: ان حاجة الناس إلى العلم لا تنقطع فالإقبال عليه غريزة دافعة إلى طلبه.
الثاني: أن التعليم يتضمن تنشئة الأجيال وهذه المدارس تصبغهم بصبغتها وتوجههم بوجهتها.
وما إن كفّ الكفار عن غزو المسلمين بالسيف والنار، إلا وقد كثّفوا غزوهم للمسلمين بطريق التعليم.
وكانت أول شرارة قدحت في افتتاح المدارس الأجنبية في بلاد المسلمين:
في بيروت: بإنشاء مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية سنة 1830م؛ لأن البنات سيكن أمهات فإذا تربين في هذه المدارس النصرانية أثّرن على أولادهن!! وكانت تُعنى ببنات الأسر والبيوت الكبيرة اللاتي ستكون لهنّ السيطرة على الجيل المقبل، ولهذا قال بعض دعاتهم: إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني!!
ولبنان هو الذي تركزت فيه جهود الأمريكيين والفرنسيين.
وفي مصر عام 1840م من خلال البعثات التنصيرية قام الآباء بتأسيس الكلية الفرنسية بالإسكندرية والجمعية الإنجيلية البروتستانتية، ثم تبعتها مدارس الآباء اليسوعيين عام 1880م مقدمة لاحتلال مصر عام 1882م وبلغ عدد مجموع الطلاب من المسلمين 7117 طالباً مسلماً حتى عام 1891م وكان انتشار المدارس الأجنبية فيها مكثفاً حتى أنها الآن تبلغ عشرات الآلاف من المدارس ويبلغ نسبة الدارسين فيها من المسلمين 52% من الطلاب بمصر. ويشير مؤرخو المدارس الأجنبية أن الجالية اليونانية كلما حلوا في بلد أنشأوا فيه كنيسة ومدرسة كما فعلوا في الإسكندرية عام 1843م ثم في المنصورة، وطنطا، وبور سعيد، والسويس، والقاهرة وغيرها.
وهكذا الجالية الإيطالية منذ عام 1862م والجالية الألمانية عام 1866م واليهود منذ عام 1872م والمارونيين السوريين، وكانت أولى الجاليات الجالية الأرمنية عام 1828م في بولاق.
ونشرت مجلة: "المجتمع" عددها/350 في 29/5/1397 موافقة السادات لكارتر على إنشاء جامعة في مصر للتبشير بالدين المسيحي في الوطن العربي بشرط قيام الحكومة الأمريكية بتمويلها.
وفي سوريا في نحو هذا التاريخ جهود موسعة لفتح المدارس الإرسالية حتى كان نصيب سوريا وحدها من المدارس الأمريكية عام 1909م: (174) مدرسة في المدن والقرى.
ثم تطورت بهم الحال إلى إنشاء الكليات للتعليم العالي وكان أولاها في بيروت سنة 1862م التي تحولت فيما بعد باسم: (الكلية السورية الإنجيلية) ثم هي اليوم: (الجامعة الأمريكية في بيروت).
ثم فتحوا في استنابول: (كلية روبرت).
ومن خبرها أن أول مُنَصِّر أمريكي وصل إلى استانبول عام 1831م، فولد له مولود فيها وسماه: "قسطنطين واشنطن" للربط بين تركيا وأمريكا؛ لنجاحه في مهمته التنصيرية.
وفي عام 1863م طرح المنصِّر هاملين على صديقه روشلد اليهودي إنشاء مدرسة ثانوية بجوار "قلعة الروملي" قائلاً: "لقد أنشأ الأتراك حصناً لتفح اسطانبول وأنا سأُنشئ هنا مدرسة لهدمهم".
وكان من عملاء هؤلاء المنصرين في تركيا الجنرال: أحمد وفيق باشا الذي أمَّن أرضاً للمدرسة؛ ولذا لما سُئِلَ السلطان عبدالحميد الثاني عن المكان الذي سيدفن فيه الجنرال، قال: "في قلعة الروملي"؛ ليستمع الرجل الذي باع للبروستانت أرضاً ليؤسسوا عليها صوت أجراسهم، أصوات هذه الأجراس إلى يوم القيامة( )" انتهى.
ثم في القاهرة: (الكلية الأمريكية).
ثم أنشأ الفرنسيون كلية في مدينة: (لاهور) من مدن الهند.
وفي السودان: أسس الإنجليز كلية في الخرطوم عام 1903م بإسم: (كلية غوردن) باسم ضابط إنجليزي.
وفي السودان من أنواع المدارس والبعثات التنصيرية الشيء الكثير، بل إن عدد الكنائس في الخرطوم يفوق عدد المساجد!!
وأما في جبال النوبة فقد استولت على التعليم فيها الإرساليات البريطانية منذ عام 1919م وحاصرت توسع الإسلام واللغة العربية وأقفلت ما يفتح من المدارس الإسلامية عام 1931م.
وفي العراق: في أوائل القرن العشرين الميلادي كانت أول مدرسة تبشيرية في البصرة: (مدرسة للبنات) ومكتبة في العشائر، ثم انتشرت مدارسهم في أنحاء العراق.
وفي موريتانيا: جاء في كتاب: "بلاد شنقيط" للخليل النحوي. ص/357-360 ما مختصره عن المدارس الفرنسية: "وتلك الحقيقة أدركها السكان الذين جعلوا المدرسة –الفرنسية- نازلة فقهية، فطرحوا على بساط الجدل الفقهي مسألة حكم إرسال الأبناء الصغار إلى مدارس الكفار.
وكان المستفتين شعراً محمد بن محمد المصطفى البارتيلي، من أهل بوتيلميت الذي قال:
مِلْح البلاد ما جواب سائل عن حكم أمر في البلاد نازل
إسـلامُنا أولادنا الصغارا طوعـاً إلى مدارس النصارى
اعتبر بعض العلماء الاستفتاء من باب السؤال عن المعلوم و"السؤال عن المعلوم مذموم" وواجه بعضهم بالصمت خوفاً أو تقية، وأجاب بعضهم تلميحاً فوق التصريح.
وكان الشيخ أحمد بن الشيخ عبدالرحمن بن فتى الشقروي من فرسان هذا الميدان، فقد قاوم المدرسة الفرنسية، وظل يرفضها حتى بعد استقلال البلاد. وله في ذلك شعر كثير.
وإلى تحريم المدرسة الفرنسية ذهب المختار بن بلول المتوفى سنة 1398/1978م في فتوى منشورة، صرح فيها بمنع إرسال الأطفال إلى المدرسة الفرنسية، مذكراً بأن كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما جاء في الحديث، وعلى أبوي الطفل ومعلميه حراسة عقيدته ورعايتها، فقد نُهي الرجال البالغون عن مجالسة أهل البدع، فكيف بالصبيان.. ونقل المختار كلاماً في المعنى عن ابن الحاج في كتابه "المدخل" وعن النبهاني في كتابه: "إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى".
وهكذا وقعت المدرسة الفرنسية على الشناقطة وقع الصاعقة وكانت تفتح في الأحياء والقرى بقرار مركزي لا يُستأمر السكان فيه، ولا يُعذرون في عدم تنفيذه. فنفرت من العلماء طائفة تطلب النجدة من المدرسة – الكارثة.
من ذلك أن الإدارة الاستعمارية قررت في الخمسينات فتح مدرسة في حي "أولاد أعمر أكداش" الحسنيين، فهب الشيخ محمد حام ابن آلا المتوفى سنة 1379/1959م لإجهاض القرار، فاستنجد بزعيم قبيلته محمد بن إبراهيم بن الشيخ الحسن وبالشيخ عبدالله بن الشيخ سيديا، وكانا مسموعي الكلمة عند الفرنسيين.
وقد آتت جهود الشيخ محمد حامد أكلها، فتقرر إلغاء المدرسة وتلقى الحي التهاني بهذا النصر العظيم، فحمد الله عليه بلسان الشيخ أحمد بن أحمد دام:
الحمد لله على ما نفّسه من الكروب وسقوط المدرسة
إلى آخره..." انتهى.
وهكذا بذروا مدارسهم لتعليم أولاد الجاليات الأجنبية ثم آلت إلى محاضن لأولاد المسلمين في عامة أقطار العالم الإسلامي ولم يبق إلا قلب الجزيرة العربية وفي عام 1419 افتتحت المدارس الأجنبية في قلب الجزيرة العربية فكانت أول دفعة منها تربو على (100) مدرسة في أنحاء مختلفة.. وقد أفرزت بعض هذه المدارس نشرة تبشيرية في شهورها الأولى من الافتتاح، كما جرى اللباس للطالبات في احتفال التخرج بلباس الراهبات!!:
لمثل هذا يموت القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان

البيان الخامس
الأولويات في فتح المدارس الاستعمارية

إن جرّ الشعوب كلها مسلمة كانت أم غير مسلمة إلى الانحراف بين الإلحاد والإباحية، وخاصة جرُّها إلى "الكنيسة" هي الغاية القصوى من هذه المدارس، لكن لهم أولويات في فتحها استعجالاً للأثر، واستغلالاً للغرض منها:
1- الأولوية للبلاد التي يكثر فيها الفقر والجهل؛ لأن كلاً من عاملي الجهل والفقر، ينتج الفرصة أكثر لنشر الانحراف، وبخاصة إلى التنصير.
ولذا كثّفوا نشاطهم في مجاهل أفريقيا، وأدرك أعداء الله عباد الصليب مأربهم، ويُجسد هذا التأثير بعض الأفارقة، فيقول: "عندما جاء النصارى إلى بلادنا كان لديهم الإنجيل ولدينا الأرض واليوم لدينا نحن الإنجيل ولديهم الأرض"( ).
2- الأولوية للبلاد التي يكثر فيها الصراع الفكري، والتعداد الملي، مثل: لبنان، ومصر، وسوريا، وفلسطين، والأردن، والهند، والباكستان...
3- الأولوية للولايات ذات الرقع الصغيرة؛ لضعف نفوذها ومعنوياتها.
4- الأولوية في مجال مراحل التعليم، فتح محاضن الأطفال؛ لأن سن الطفولة وما قاربها هو البيئة الخصبة؛ لتلقيح التنصير، وسهولة التحويل، وسرعة التأثير، قبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية عقيدة وشريعة.
5- الأولوية في مجال الجنسين للبنات؛ لأن البنات سيكنّ أمهات، وهن أسرع وأقوى تأثيراً على مواليدهن من الآباء، فتؤدِّي الأم الغرض الاستعماري في قلوب أولادهن بلا مؤونة يقول أحد المبشرين: "جسب": "إن مدارس البنات في بلاد الإسلام هي بؤبؤ عيني، لقد شعرت دائماً أن مستقبل الأمر في سوريا إنما هو بمنهج تعليم بناتها ونسائها".
وقبل هذا وبعده المقايضة لقاء الاستعمار المعنوي، مثل: سابقة يد الإفضال، وعمليات الإنقاذ من الأزمات السياسية، والصحية، والاقتصادية، وغيرها، من خلال هذا الاستعمار المعنوي يُقحمون أولى وسائلهم للاستعمار الفكري: "المدارس" باسم الإمداد بالتعليم الحضاري.

البيان السادس
برامج المدارس الاستعمارية وإدارتها وأساتذتها

لما كان هناك أهداف من وراء فتح المدارس الاستعمارية في بلاد المسلمين، فليس غريباً أن تُتَّخذ التدابير اللازمة، والضمانات الكافية، لتحقيق تلكم الأهداف والغايات؛ ولهذا وجهوا العناية إلى الآتي:
1- برامج التعليم فيها ومناهجها هي المتبعة في بلادها، وعلى اتصال دائم بخطط التعليم القومي الديني في بلادها.
2- الابتعاد في مناهج هذه المدارس الاستعمارية عن المناهج الرسمية للبلد المسلم التي تُفتح فيها؛ لأن التقيد بها يفقدها عنصراً أساساً في صفتها التبشيرية؛ ولهذا تشتد مطالبتها بجعل التعليم حراً.
3- اختيار المدرسين الذين على مللهم ونحلهم علماً وتطبيقاً من القسس والرهبان وغيرهم من الكفرة والملاحدة.
4- رصد أضخم ميزانية في العالم لمواجهة الإسلام من طرق شتى، أهمها ما يصرف على المدارس والجامعات ورياض الأطفال.

البيان السابع
أهدافها وآثارها المدمرة للمسلمين

الحديث عن هذا البيان في أمور:
الأمر الأول: منزلة التعليم لأي أمة:
التعليم مثل أي كائن حي مستقل بذاته، له جُرمٌ وجَوهرٌ، وله شَبحٌ ورُوح.
وما روح التعليم وجوهره إلا ظل لعقائد واضعيه وأخلاقهم، فلابد أن ينتج الأهداف والغايات التي تعكس آثار هذا التعليم بكليته على العقائد، والأخلاق، والثقافة، والسياسة، والاجتماع.
فإذا تَبنّت أمة نظام التعليم في عقيدتها وأخلاقها، أنتج أهدافه منعكسة على شدِّ الأمة إلى عقيدتها وأخلاقها، وسياستها، وآدابها الاجتماعية، والثقافية، ووحدتها في ذلك، وتضييق مساحة الصراع والتبدد والانقسام.
أمّا إذا تبنت أمة نظام تعليم وافد في ظل عقيدة غير عقيدتها، وأخلاق غير أخلاقها، فإنه ينتج أهدافه منعكسة عليها في الاعتقاد والأخلاق والسياسة والاجتماع؛ لما تنطوي عليه نقوس ناشئتها في أفكار وانحرافات مغايرة لما عليه إيمانها وعقيدتها وسلوكها، مفضياً ذلك إلى زعزعة العقيدة، ثم الردة الفكرية، فالعقدية، وبه تؤول حياة الأمة إلى تبدد وانقسام، وتصدع وصراع، وتعيش في ظله بين البناء والهدم، والتصديق والتكذيب، والاحترام والازدراء، والتشقق في تزايد وامتداد، والصراع في تصاعد واتساع، ولا تسأل حينئذٍ عن فشو الفوضى، واضطراب الأحوال.
والحاصل أن نظام التعليم الوافد ينفذ إلى صخرة الوحدة والاجتماع، ويفككها إلى الفوضى والصراع، حتى تصل إلى حال يصعب التغلُّب عليها، فتكون بداية النهاية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
هذه حقيقة مُسَلَّمةٌ في تصورها، وأهدافها، وآثارها، فما هي آثار هذا النظام التعليمي الأجنبي على الأمة الإسلامية؟! وما هي وسائل إغراء الغزو به؟!
الأمر الثاني: وسائل الإغراء في التعليم الاستعماري:
لفظاعة الأهداف والغايات الإفسادية، في المدارس الاستعمارية، وعظيم نكايتها بالمسلمين بين الإلحاد والإباحية، لبسوا لها المسوح من اللين، وأفاضوا بغشاوة على أبصار المسلمين، وخادعوا بصائرهم، وأتقنوا فنّ الخداع والمكر، إنها وداعة الأفعى في صورة العلم والحضارة والتقدم والثقافة، ثم سياسة الانفتاح والخلط والعولمة. فهرع إليها جهّال المسلمين، وفسقتهم ومُرّاقُهم. ولذا صارت الإغراآت بها في مرحلتين:
المرحلة الأولى: وسائل إغراء هي بمثابة: "بطاقة الدخول" للمدارس الأجنبية –نظام التعليم الغربي- في البلاد الإسلامية.
فأنشئت باسم أنها:
1- مدارس تثقيفية تهذيبية تهدف إلى التثقيف العام وتنوير الأذهان.
2- ولنشر العلوم الحضارية بين المسلمين.
3- وإقناع الناس بأنها نماذج متقدمة للثقافة والعلوم وتعليم اللغات.
4- وإيهام الناس بأنها رفيعة المستوى فيلهثون وراءها مصابين بداء الغرور والاستعلاء.
5- وباسم مكافحة ما يعانيه المسلمون من الجهل والتخلف.
6- وباسم تعليم أولاد الجاليات.
7- ورصد الأموال الطائلة لها وبذلها.
المرحلة الثانية: وسائل إغراء هي بمثابة: "بطاقة دخول" أولاد المسلمين فيها.
اتخذ أعداء الله وسيلتين لضمان الإقبال عليها ودفع أولاد المسلمين إليها، وهما:
1- جعلها وسيلة للرزق من ناحية جعل الأولوية للمتخرجين منها في الوظائف.
2- أكسبوها مكانة اجتماعية تفوق مكانة الدارسين في المدارس الحكومية أو الخاصة؛ ولهذا يلقب المنتسبون إليها: بالطبقة الجديدة، والطبقة المعاصرة، والطبقة المتطورة.
الأمر الثالث: أهداف نشر التعليم الأجنبي بين المسلمين:
من معجزات النبوة الظاهرة، وآثارها الباهرة، الحديث المتفق على صحته "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ومن مآثر علماء المسلمين المشكورة، العمل على تلقين عامتهم وأولادهم هذا الحديث، وقاية لهم في فطرتهم ودينهم، وحماية لهم من الضلال.
ولذا صار حقاً أن احتضان الصغار وتعليمهم قبل تشكلهم بالإسلام علماً وعملاً، هو البيئة الخصبة للقاح الأول في توجيههم نحو الخير أو الشر؛ ولهذا استعمل المبشرون من عباد الصليب وغيرهم من أرباب الديانات الكافرة هذه الخاصية فعملوا عملهم بالاستعمار العقلي والفكري والثقافي والعقدي في العالم الإسلامي، بسعيهم جادّين إلى فتح المدارس الاستعمارية في بلاد المسلمين، وزرعها هنا وهناك من أرض الإسلام لنشر حقدهم الأسود لإفساد العقائد والعقول، بداية من رياض الأطفال إلى نهاية التعليم الجامعي، مصانع لهم لعلهم يظهرون، وأوكاراً ومصايد يتصيدون بها من ضعفت عقولهم، أو مرجت عهودهم، أو من عضّهم الفقر بنابه، أو من أوقعهم سوء حظهم في قبضة هؤلاء الضالين كل هذا لغاية الغايات لديهم تحويل المسلمين بِرِدّة شاملة عن دينهم الحق: "الإسلام" ولو لم يكن من مساوئها: إلا تقليب النظر من أولاد المسلمين في وجوه الكافرين من المدرسين والإداريين، والتلاميذ ورحم الله الإمام أحمد فكان إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه:
تلك الوجوه التي ضلت بأجمعها بئس الوجوه عليها الذل والعار
ما أحلم الله عن قوم مقـررهم على الرعيـة أغلال وآصـار
وإن الأمة الإسلامية هي الأسوة الحسنة لأهل الأرض، فإذا ما داخلها التعليم الأجنبي عنها، فإنه سيصيبها في غربة في دينها، وغياب في أخلاقها، ولغتها، وآدابها، واحتقار لتاريخها في ماضيها وحاضرها، وانشطار في وحدتها وآليات حياتها، وفرقة بعد اجتماع، وخلاف بعد وفاق.
وتَسَلُّم قيادتها من جيل جديد، هو على الأقل: إسلامي في الاسم، وعقد النكاح، وتسجيل المواليد، أجنبي في اللسان، والذوق، والرأي، والتفكير، يسهم في قتل روح أمته وفي طمس جوهرها.
ألا إن هذه الموجة الطاغية التي أجتالت العالم الإسلامي جلب: "التعليم الأجنبي" لتثقيف ناشئتها هي في الحقيقة مؤامرة على الدين والأخلاق والمروؤات واللغة والتاريخ، فلعنة الله على الظالمين الذين يبغونها عوجاً وبالآخرة هم كافرون.
واليوم أقبلت أمم الكفر على فتح هذه "البيوت المظلمة" المدارس الاستعمارية في قلب جزيرة العرب كشأنها في بلاد المسلمين الأخرى قائمة على تعصب ديني وتثقيف قومي في اللسان والتاريخ، فكل مدرسة تُعنى بدين بلادها، ولغتها، وتاريخها، ومقومات حياتها، تلقنها طلاب مدارسها، وتسعى بواسطتهم لنشرها بين أهليهم ومن يسمع صوتهم، وينفذ إليه بصرهم وهذه بالطبع تفضي إلى الآثار المدمرة في: اللغة، والتاريخ، والدين.
أما في اللغة: فهذه المدارس المظلمة بالقومية القائمة، مِهادٌ لنشر التثقيف القومي بلسانها ولغتها، ولضرب الحصار الثقافي اللغوي علىعقلية الجيل المسلم باستعمار لسانه بالرطانة الأعجمية، ومعلوم أن كل لغة تحمل فكر الناطقين بها، ففي تغليب اللغة الأجنبية على اللغة العربية لتدريس المواد، بثٌّ للفكر الأجنبي في عقول الناشئة، وهذا يفضي إلى الآثار الآتية:
1- إن فرض اللغة الأجنبية لغتة لتعليم المواد الدراسية، هو في حد ذاته اقتحام للحصن الإسلامي: "اللغة العربية" بإبعاد مظهريتها شعاراً لأهل الإسلام، وحجبها عن لسان الناشئة، وكم في هذا من إضعافها وتبغيضها في نفوسهم؛ بل عزل لهم عن إسلامهم، فإنه إذا حيل بين المسلم ولغته لغة القرآن، تم العزل له بطبيعة الحال عن إسلامه وأمجاده، وحضارته، وأول ما ينزع منه اعتقاده في كتاب ربه. "القرآن العظيم" الذي نزل بلسان عربي مبين على خاتم الأنبياء والمرسلين ليكون نذيراً للعالمين.
2- نتيجة لتدريس المواد بغير العربية، يتكون لدى الطالب عقدة الإحساس المعمق بقصور لغته عن تدريس العلوم الحديثة، ثم قطع صلة هذه العلوم بالإسلام ولغته العربية.
3- ثم أنفة الشباب المسلم من لغتهم وآدابها، وزهدهم فيها حتى لا يعلموا منها إلا ما يعلمه العامي منها، وهذا سبب فعّال في تدهور اللغة العربية وحجب شيوعها واستعمالها.
4- ومن آثار هذه الخطة الغضبية وجود استعداد تام لدى عامة هذا النشأ المسلم –إن كان بقي له شيء من إسلامه- الذي تربّى في هذه المدارس الأجنبية بتصويب السهام إلى اللغة العربية من كل جانب، وأصبحت عنده حساسية مفرطة ضد من يخطئ في اللغة الأجنبية التي تلقنها، وأما لغته العربية فلا حجر أن يجمع هو أو يمر على سمعه جميع سوآت اللحن.
وهذا الوضع المزري ينتقل بالطبع إلى كل ما هو مكتوب باللغة العربية وأعظم ذلك "القرآن الكريم" الذي نزل بلسان عربي مبين، فلا يحسن قراءته فضلاً عن فهمه وتدبره.
وهذا آخر المطاف المطلوب صرف الجيل عن تراث الأمة الإسلامية المكتوب بلسانها العربي، وفي مقدمتها الوحيان الشريفان "الكتاب والسنة".
والانصراف إلى التراث الوافد المكتوب باللغة التي تلقنها وشب عليها، وكسر عقود حياته في دراستها، كما هو مشاهد ومعروف في أبناء كثير من الدول العربية التي سلخ الاستعمار لسانها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في: "اقتضاء الصراط المستقيم": (ص/306-307): "واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، واللغة، والدين، تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل، والدين، والخلق.
وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، وإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" انتهى.
وأما في التاريخ: فهذه المدارس المظلمة بالقومية القائمة مِهادٌ لنشر ثقافتها التاريخية، ولضرب الحصار على عقلية الجيل المسلم عن تاريخه وشحنه بتاريخ أوروبا وأمريكا مثلاً، فهو لا يرى من خلال دراسته، وموادها، واساتذتها، ومناهجها إلا تاريخ أوروبا مثلاً، وأنها أرقى الشعوب، مدنيتها هي الأم للعالم، وأنها هي الحقيقة بالسيطرة على العالم، وأما تاريخ الإسلام فمحجوب عنه مشوب بالنقص والاحتقار.
والحاصل أن التعليم الأجنبي إبادة للأجيال المسلمة، وصياغة لها في ثقافتها التاريخية بما لا صلة له بالإسلام ولا بالمسلمين.
وأما في الدين: فإن غزو هذه المدارس التثقيفي القومي هو تمهيد للغزو الديني فهي معاقل تبشير بالديانات والنِحَل التي محاها الإسلام وأبطلها، والتي لا يزال الكافرون ينتمون إليها كالنصرانية بمذاهبها الثلاثة: الكاثوليك، والبروتستانت، والأرثوذكس.
وإن الوليد المسلم الذي يرمي به أبواه في أحضان هذه المدارس الاستعمارية:
إما أن يخرج مسلماً خواء مفرغاً من مقوماته من حيث لا يشعر مشحوناً بمقومات غيره في دينه وثقافته، يستخدمونه لأغراضهم وغاياتهم.
وإما رِدّة إلى دين باطل كالنصرانية.
وإما رِدّة إلى غير دين: "اللادينية". نعود بالله من ذلك ونسأله سبحانه الثبات على الإسلام.
أما الرِّدة إلى النصرانية:
فإن مدارس عباد الصليب هي أكثر المدارس انتشاراً، وأقواها دعاية للكفر إلى دين النصارى الحيارى، أو إلى اللادينية؛ لأنهم يتسنمون قارتي أوروبا وأمريكا ويتملكون القوة المادية الصناعية في العالم، فسحروا أعين الناس، واسترهبوهم.
ولهذا فإنه يقع في هذه المدارس التنصيرية التي تفتح في بلاد المسلمين وتحتضن مواليدهم، من شعائر عباد الصليب ما يكون كفيلاً بتلقين التقوى المسيحية، والسلوك المسيحي، وتنشئة طلابها على فلسفة مسيحية للحياة –هكذا على حد قولهم-؟!
ومن هذه الفعلات الكفرية:
1- إقامة شعائر الصلوات النصرانية، والترانيم، وغيرها، ومشاهدة أولاد المسلمين لها على الأقل، أو إلزامهم بالمشاركة فيها.
2- إلزام الطلاب بالذهاب إلى الكنيسة.
3- إلزام الطلاب بالمشاركة في المراسيم الدينية الكنسية.
4- إرشادهم إلى تقبيل الصليب حتى تغفر لهم ذنوبهم.
5- كفارة خطأ الطالب تقبيل الصليب.
6- إثارة الشبه حول الإسلام وتلقينها تلكم النفوس البريئة.
7- عرض الكتب التي تطعن في الإسلام.
ولهذا فإن بعض منظري المدارس الأمريكية التنصيرية في بلاد المسلمين، يُمثِّل: "المدرسة" بالطُّعم، ويمثل: "التنصير" بالسُّنَّارة للاصطياد، ويقول: "لا خير في سُنَّارة بلا طُعم" أي لا خير في مدرسة بلا تنصير؟!
الردة إلى اللادين: سلخ هذه المدارس الاستعمارية لدين المسلم إلى الإلحاد والعلمنة هي أوسع مساحة من ردته إلى دين باطل كالنصرانية.
وهي مهمة الذي كفروا في الذين أسلموا بهدم كيانهم المعنوي والحسي:
هدم العقيدة الإسلامية.
هدم الأخلاق الإسلامية.
هدم الوحدة الإسلامية.
هدم الدولة الإسلامية.
فهدم العقيدة الإسلامية ينتج الإلحاد.
وهدم الأخلاق الإسلامية: ينتج الإباحية؛ ولذا كانت هذه المدارس الاستعمارية هي أول من أدخل فتنة الاختلاط بين الجنسين؛ لما فيه من إشاعة الفساد والمنكرات وهدم العفة والاحتشام( )، وحصل فيها رفض قبول الطالبات المحجبات( ).
وهدم الوحدة الإسلامية: ينتج الفوضى.
وهدم الدولة الإسلامية: ينتج الولاية الكافرة.
الأمر الرابع: آثارها المدمرة في المسلمين:
إن الهدف ينتج الأثر، فكل هدف من أهداف هذه المدارس الاستعمارية تأتي آثاره المدمرة ومخاطره البالغة على المسلمين بواسطة ناشئتهم الذين ارتموا في أحضان هذه المدارس، وقد تحقق لعباد الصليب وغيرهم من أمم الكفر بواسطة مدارس الضرار هذه، تكوين قوى مضادة للمسلمين من أنفسهم وذراريهم وبني جلدتهم، خَلَفوا أساتذتهم الكفرة بِنَوْبة المستعمر لبلاد الإسلام، وهم على طبقات متعددة كل فرد منها بقدر تأثره بما تلقاه من الإباحية والإلحاد، وهي:
1- طبقة المتاثرين بالنصرانية:
تَجِدُ عامة من كَتَبَ عن المدارس الاستعمارية، يذكر نماذج لأحداث مؤلمة وقعت في قطره أو في غير قطره من بلاد الإسلام تكشف الأخطار التي تؤدي إليها هذه المدارس من الردة إلى النصرانية وخدمة السياسة الاستعمارية:
فمن الحوادث في مصر أن شاباً مسلماً ارتد إلى النصرانية فحمله النصارى على الوعظ والدعوة إلى النصرانية في مجامعهم وكنائسهم فحز ذلك في نفس جمال الدين الأفغاني، فاتفق مع آخرين على اختطافه وهو يعِظ في كنيسة في الأزبكية ففعلوا، ووضعوه في مكان خفي، فذهب هو وتلميذه الشيخ محمد عبده إليه، وأقنعاه حتى عاد إلى دينه الإسلام( ).
وفي عام 1351 حصلت أحداث تنصيرية في مصر مروعة لأعداد من اليتامى والقاصرين وقد حصل لها ردة فعل من المسلمين طُرِد على اثرها بعض المنصِّرين( ).
وفي عام 1413 عملت بعض المدارس الأجنبية بالكويت غِناءً يحكي قصة نبي الله يونس –عليه السلام- وفيها مقاطع افتراء على الله تعالى لتلقينه الطلاب فأصدرت لجنة الفتوى في الكويت فتوى في إنكار ذلك وبيان خطره( ).
وبعض أولياء أمور الطلاب الذين زجوا بهم في هذه المدارس، يستمع من أولاده ترانيم كنسية فيستغرب ذلك وعند المتابعة يعلم أنهم قد علموهم الصلاة المسيحية( ).
وكان مدرس في المدارس اليسوعية في بيروت يسأل الطلاب في صباح كل يوم: "هل أنت بنعمة الله مسيحي" فيجيبوا بنعم، وفي يوم أجابوا جميعهم بذلك إلا مسلماً أجاب بقوله: "أنا مسلم" فناله من الغضب والأذى ما ناله، وما زال المدرس به حتى أجاب بقوله: "نعم"( ).
ومن حوادثها أن طالباً يَعلم والده نشاطه وذكائه، أخفق في دراسته، فذهب إلى المدرسة يسأل عن سبب ذلك، فأجابته المدرسة بأن الطالب لم يكمل تثقيفه الديني، لأنه شوهد يصلي صلاة المسلمين في خفية عن إخوانه، فلذا اعتبر سيء السلوك وأخفق في دراسته( ).
ومن حوادثها تعلُّق الطلاب بعيد ميلاد المسيح، وإدخال بيوت أهليهم: "شجرة الميلاد" وسرور أهلهم بذلك؟!( ).
2- طبقة المسلوبين :
ومن آثارها وجود طبقة بين المسلمين من ذراريهم، مسلوبة خاوية مفرغة من موالاة المسلمين والبراءة من الكافرين، والغيرة على الدين يعيشون بين أمراض الشبهات، وعقدة الشك والصراع الفكري والعقدي وبين أمراض الشهوات، فيعايشون الحياة الغربية بلسانهم، ومعلوماتهم، ولباسهم، ونمط حياتهم وغدوهم ورواحهم في غاية من التغريب والتفرنج.
وهم بهذه المعايشة في الفكر والسلوك ينشرون التغريب والتشبه بأعداء الله بين المسلمين.
وهذه الطبقة خسارة في الوجود الإسلامي، وانكسار في رأس مال المسلمين.
3- طبقة المنافقين:
ومن آثارها وجود طبقة المنافقين الذين يحملون نصيبهم من الإسلام ظاهراً بالإسم، وعقد النكاح، وتسجيل المواليد، وتشييع جنائزهم ودفنها في مقابر المسلمين. وهم يستبطنون الإلحاد، ويظهرون الإباحية والفساد.
4- طبقة الملحدين:
ومن آثارها وجود طبقة الكافرين ظاهراً وباطناً الذين يعلنون كفرهم وإلحادهم، فيسبون الله والرسول والإسلام، ويستهزؤون بالمسلمين ويسخرون من الدين. وما بقي لهم من الإسلام إلا ما بقي لإخوانهم المنافقين ليزداد الفريقان بها كفراً فيداخلون المسلمين بالتزاوج، وولاية الأعمال والتصرف في شؤونهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
ومن فعلات هذه الطبقات في بلاد الإٍسلام:
1- أن مدرسة التنصير التي افتتحت في استانبول عام 1863م هي التي قادت حركة التمرد على الدولة العثمانية بزعامة قائد الإلحاد والعلمنة والتغريب أتاتورك (1924-1938).. وهذا هدم للدولة الإسلامية( ).
2- أن مدرسة التنصير التي افتتحت في بيروت عام 1823م هي التي طرحت فكرة "القومية العربية" وتولت قيادتها في الوسط الإسلامي.
وهذا هدم الحكم بالإسلام عقيدة وشريعة.
3- ومنها ما قاله الاستاذ أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى في كتابه: "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية": (ص/182): "إن القادة وولاة الحكم في البلاد المسلمة كلهم إنتاج نظام التعليم الغربي ووليد حضارته. أما الذين لم يتح لهم أن يتثقفوا في بلد أوروبي وينشأوا في بيئته فإنهم تعلموا في مراكز هذا التعليم في بلادهم، وتثقفوا بها تحت إشراف ممثلية الكبار ورقابتهم، إن بعضهم تخرجوا في الكليات الحربية التي يعنى فيها بالتعليم والتربية الغربية عناية فائقة. وذلك هو السر في أن العالم الإسلامي يتأرجح بين عقليتين وفلسفتين ووجهتين مختلفتين تتصارعان دائماً..." انتهى.
4- ومن تفعيل دور هذه الطبقات في انحراف الوسط الإسلامي توليتهم الأعمال القيادية، وتلميع شخصياتهم، وتحسينهم في نظر المسلمين، حتى يؤدوا رسالتهم المشؤومة على الأمة الإسلامية( ).
5- ومن فعاليات هذه الطبقات وآثارها في انحراف المسلمين ما يحصل من ابتلاء الأمة الإسلامية بهذا الجيل مما هو شوكة في نحرها إذ تتعالى صيحاتهم، وتتعدد نداآتهم بفرنجة المسلمين، وتجاوز القيود الشرعية عن حياتهم، وبث جرائمهم وأدوائهم الأوروبية أو الأمريكية مثلاً بين المسلمين، ويتكرهون حياتهم المبنية على العبودية لله والاحتشام والمثل العليا في الإسلام، ويبغونها إباحية ماجنة، وهم في الحقيقة دعاة التمرد على الوحي، والإرهاب بين أهليهم وذويهم وبني جلدتهم لا على شيء إلا على نعمة الإسلام.
وهذا الجيل المظلوم –من أبويه- الظالم لأعقابهم، هم سعاة الفتنة في المبادئ الإباحية والإلحادية، مثل إلحاحهم على: قضايا فصل الدين عن الحياة، وتهميش دور العلماء، وصرف النظر عن تحريم الربا والخمر والميسر، والتركيز على قضايا المرأة باسم تحريرها، وحريتها، ومساواتها بالرجل، وبالجملة الدعوة إلى صياغة المجتمع الإسلامي وصبغة من جديد بالصبغة الأوروبية، أو الأمريكية أو... كل بحسب فكر من تولى تلويثه( ).
ومن هذه الآثار المدمرة يتبين أن هذه المدارس التبشيرية منها وغير التبشيرية على اختلاف أنواعها ومراحلها مرتبطة في الأهداف والغايات:
أنها شر القوى المسلطة على العالم الإسلامي لتوهين الإسلام في نفوس أهله وتقويضه.
أنها مراكز مسلحة بأحدث آلات الإفساد بين الإباحية والإلحاد.
وأنها مراكز للإغارة على الأمة وأجيالها شر من الغارات العسكرية.
وأنها آلة استلاب العقائد والأخلاق.
وأنها سند لتحقيق مطامع الأعداء في المسلمين.
وأنها مِدْرَةُ طعن للأمة الإسلامية في ذاتها والتشكيك في قُدراتها، ثم القضاء عليها.
وصبغ رعايا المسلمين في أجيالهم المقبلة بصبغة تنابذ الإسلام.
وقلب الانتماء في قول الناشئة من الولاء لدينهم ولغتهم وتأريخهم.
وتفريغ العقل المسلم من مقوماته واستسلامه لمن يقوده. وهذا يلغي بالطبع أول شرط لأي نهضة إسلامية.
وبالجملة إيجاد أنواع من التعددية الفكرية، والعقدية، والانتماآت المتنافرة لبث الصراع، وانفجار الانقسامات السياسية والطائفية، وفي هذا تفكيك الوحدة الإسلامية، وتهديد الأمن الإسلامي بمقوماته كافة. والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
وهذه الغايات الإفسادية هي حقيقة في الإرهاب إن كان له حقيقة، ونشر الرُّعب والتمرُّد باسم العلم والتعلُّم...
الآن يا معاشر المسلمين: (قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) [البقرة: 256].

البيان الثامن
نماذج من أقوال العلماء وبياناتهم وفتاويهم عن المدارس الاستعمارية

جرد علماء المسلمين أقلامهم في التحذير من فتح المدارس الأجنبية في بلاد المسلمين، والتحذير من إدخال أولاد المسلمين فيها. وقد كان لعددٍ من علماء المملكة العربية السعودية –حماها الله من كل سوء- كلمات مشهودة في هذا قبل أن تحل في ديارهم، لكن من باب البيان والنصرة لأهل الإسلام والنصح لهم.
والآن هذه نماذج من أقوالهم وأقوال غيرهم من علماء الآفاق وكتابههم، وبعض من البيانات والفتاوى وهي:
1- قال أحمد أمين في مقالته: "المدارس الغربية في البلاد الشرقية": "وبعد: فواجب الشرق ألا يُشجع هذه المدارس لأنها مأوى التبشير والاستعمار معاً، وهي تجعل من نفسها داعية لدين غير دين البلاد، كما تجعل من نفسها حكومة داخل حكومة البلاد، وفي ذلك إهدار الاستقلال، ومدعاة للفساد.
إن الأمم الحريصة على توحيد كلمتها وتوحيد آمالها، تصب أبناءها في قالب واحد، حتى يكونوا متفقين متساندين، أما هذه المدارس فتجعل أبناء البلاد شيعاً كل طائفة تصطبغ بصبغة خاصة، وإذ ذاك تتضارب الميول، وتتنازع الآمال، ويكون أبناء البلد الواحد، بعضهم أعداء بعض وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى" انتهى من: "مقالات أحمد امين. ج10/1154".
2- وفي صحيفة الفتح الإسلامية لمحب الدين الخطيب محاضرة بعنوان: "المدارس التبشيرية" جاء فيها:
"فحرامٌ أن يُسلِم الوالد ولده والأخ أخاه إلى المدرسة التبشيرية لتأخذه عدة سنوات، فتتسلمه ولداً صحيحاً بعقيدته وثقافته ودينه، ثم بعد حين ترده إلى أهله وأمته وبلاده ولداً مزيفاً، ما كان فيه قد أُخِذَ منه، وما أعطيه ففاسد لا جدوى منه ولا منفعة" انتهى.
3- وقال الشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله تعالى-: "ولتضع الحكومات العربية القوانين الصريحة بإغلاق كل مدرسة أجنبية إنكليزية أو فرنسية أو أمريكية، وإلا ذهب عملنا هباء، وكان عبثاً، وأخرجت هذه المدارس من أبنائنا أعداء لنا وأعواناً لعدونا، كما وقع في الشام حين تولّى ضرب دمشق رجل عربي أبوه شيخ اسمه علاء الدين الإمام –عليه لعنة الله" انتهى من: "مجلة الرسالة – العدد/743".
4- وقال الشيخ/ محمد أحمد الغمراوي –رحمه الله تعالى- في كتابه: "الطريقة المثلى للمحافظة على كرامة الإسلام ورد عادية الطاعنين عليه": (ص/15) ما نصه: "وأسباب ضعف الروح الإسلامي في البالغين من المسلمين اليوم يمكن إجمالها في شيء واحد هو سوء التربية الإسلامية، وإذن فَعَلى المسلمين أن يعنوا العناية كلها بإنشاء أولادهم نشأة إسلامية في مدارس إسلامية ينشؤونها من أجل ذلك.
ولا يَدَعوا أولادهم فريسة للمدارس غير الإسلامية الروح، تُربيهم على غير غِرار الإسلام، وتخرجهم عنه بالتدريج، فإن المسلمين إن لم يصونوا أولادهم –وهم صغار- عن تحكم الملحد أو غير المسلم في عقولهم ونفوسهم لم يكن لهم أن يعجبوا من خروجهم –وهم كبار- عن طريق الدين، ومتابعتهم من يطعن باسم العلم أو الأدب أوحرية الرأي أو حرية التفكير" انتهى.
5- وقال شيخ الجامع الأزهر/ الشيخ محمد الخضر حسين –رحمه الله تعالى- في: "الهداية الإسلامية": ص/151 ما نصه:
"أبناء المسلمين في مدارس التبشير: من الذي يستطيع أن يُهيء لولده عيشاً راضياً، وينبته نباتاً حسناً، فينشأ سليم القلب طاهر اللسان، صديقاً لأسرته، عاملاً على إعلاء شأن أمته، ولكنه يأبى أن يفعل هذا الذي ينصح به لولده ويجني ثمار الحمد من عواقبه، فيعمد إليه وهو صافي الفطرة، فيلقيه في بيئة يتولاه فيها من لا يرقبون إلاً ولا ذمة، فلا يزالون يلقنونه زيغاً، ويبذرون في نفسه شراً، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً.
ذلك مثل المسلم الذي يهبه الله ولداً ليسلك به في هداية، ويعدّه لأن يكون عضواً يرتاح لسعادة قومه، ويتألم لشقائهم، فإذا هو يبعث به إلى مدارس أسست لمحاربة الدين الحنيف، ولقتل العاطفة القومية، وهي المدارس التي تنشئها في بلادنا الجمعيات التي يُقال لها "جمعيات التبشير".
إن الذي يقذف بولده بين جدران هذه المدارس، لا تكون جريمته من جريمة أولئك الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق ببعيد، ألم يقم الدليل إِثْر الدليل على أن القائمين فيها بأمر التعليم يلقنون أبناء المسلمين معتقدات ديانة غير إسلامية، ويحملونهم على تقاليدها، ويتعرضون للطعن في شريعة الإسلام بطرق شأنها أن تؤثر على الأطفال ومن هم بمنزلة الأطفال في عدم معرفتهم بحقائق الدين معرفة تقيهم من شر ذلك الإغواء؟! ليس ذلك الذي يزج بابنه في مدارس التبشير بالذي يقتل نفساً واحدةً ولكنه يقتل خلقاً كثيراً، ويجني بعد هذا على الأمة بأجمعها، ولا أقول هذا مبالغة، فقد يصير هذا الولد أستاذاً من بعد، ويفسد على طائفة عظيمة من أبناء المسلمين أمر دينهم ووطنيتهم، كما أفسد عليه أولئك القسس أمر دينه ووطنيته، وقد أرتنا الليالي أن المتخرجين في هذه المدارس من يملك سلطة على قوم مسلمين، فيجدون فيه الغلظة والمكر وعدم احترام الشريعة ما لا يجدونه في الناشئ على غير الإسلام" انتهى.
6- وقال أيضاً –رحمه الله تعالى- في: "رسائل الإصلاح": (ص/155):
"ومن الذي لا يعلم أن معاهد تقام في أوطاننا باسم العلم أو العطف على الإنسانية والغاية منها صرف النفوس عن صراط الله السوي، دَلّ على هذا كتب يدرسونها في هذه المعاهد، وهي كما قرأنا نبذاً محشوة بالطعن في الإسلام والحط من شأن الرسول الأعظم –صلى الله عليه وسلم-... وقد رأينا لهذه المدارس التي تفتح في سورية ومصر وغيرها من البلاد آثاراً محزنة.
فكم من فتى مسلم بعث بها إليها فتخرج منها وهو يحمل من التنكر لقومه وشريعتهم مثل ما يحمله خصومهم المحاربون" انتهى.
7- وقال أيضاً –رحمه الله تعالى- في كتابه: "الدعوة إلى الإصلاح": (ص/74-75) ما نصه:
"لم يتفشّ زيغ العقيدة فيما سلم تفشيه اليوم، لأن وسائل ساعدت على سريان وبائه لم توجد قبل، وأمهات هذه الوسائل ثلاثة أمور:
أحدها: هذه المدارس التي يفتحها الأجانب في أوطاننا باسم العلم، ويغفل بعض المسلمين عن سريرتها، فتأخذهم بمظاهرها، حتى يسلموا أطفالهم وهم على الفطرة إلى من يصبغ هذه الفطرة بسواد، وينزع منها روح الأدب الذي يجعلهم أولياء لعشيرتهم نصحاء لأمتهم.
ثانياً: تهاون بعض الآباء بواجب أبنائهم، إذ يرسلون الناشئ إلى معاهد العلم في أوروبا قبل أن يتلقن من علوم الدين ما يجعل عقيدته مطمئنة، فيلاقي في أثناء الدراسة هنالك أو في بعض المحادثات شُبهاً لا يجد في نفسه من الحجج ما يدفعها، وإذا تواردت الشبه على الناشئ رانت على قلبه، وأصبح يُبصر وجه الحق أسوداً قائماً، فيعود إلى وطنه وهو يحمل لأبويه عقيدة أنهما في ضلال قديم. وذلك جزاء من يستهين بهدي الله، ولا يهمه إلا أن يكون لابنه مورد رزق واسع، أومنصب في أحد الدواوين.
ثالثها: أن كثيراً من الحكومات الإسلامية ضعف فيها روح الاعتزاز بالدين الحنيف، فاستباح واضعوا برامج التعليم العام في مدارسها أن لا يضربوا لعلوم الدين بسهم، ومن يضرب لها فبسهم لا يغني من جهل، والتعليم الذي يهضم فيه جانب العلوم الدينية، لا يُرجى منه تهيئة نشء تتساقط عليهم الشبه فيطردونها، أو توسوس إليهم الشياطين فيستعيذون منها" انتهى.
8- وقال الشيخ محمد رشيد رضا –رحمه الله تعالى- في: "تفسير المنار": (10/514):
"ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة فجنوا على دينهم وملتهم وأمتهم، فصاروا أسوأ من جميع الأمم حالاً في مصالحهم الملية والسياسية، حتى فقدوا ملكهم وعزهم وشرفهم، وصاروا عالة على أهل الملل الأخرى حتى في تربية ابنائهم وبناتهم، فهم يلقونهم في مدارس دعاة النصرانية أو دعاة الإلحاد فيفسدون عليهم دينهم ودنياهم، ويقطعون روابطهم الملية والجنسية، ويعدونهم ليكونوا عبيداً أذلة للأجانب عنهم. وإذا قيل لهم لماذا لا تؤسسون لأنفسكم مدارس كمدارس هؤلاء الرهبان والمبشرين؟ أو الملاحدة الإباحيين؟ قالوا: إننا لا نجد من المال ما يقوم بذلك. وإنما الحق أنهم لا يجدون من الدين والعقل وعلو الهمة والغيرة ما يمكنهم من ذلك، فهم يرون أبناء الملل الأخرى يبذلون للمدارس والجمعيات الخيرية والسياسية ما لا يوجبه عليهم دينهم، وإنما أوجبته عليهم عقولهم وغيرتهم الملية والقومية ولا يغارون منهم، وإنما يرضون أن يكونوا عالة عليهم. تركوا دينهم، فضاعت بإضاعتهم له دنياهم (نسو الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون) انتهى، ونحوه (ص/410).
9-10- وقال الاستاذ أبو الحسن الندوي –رحمه الله تعالى- في كتابه: "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية": (ص/184-185): ونقله عنه مقراً له الأستاذ محمد أمين المصري –رحمه الله تعالى- في كتابه: "المسؤولية": (ص/128-130) نقلاً عن محاضرة لأبي الحسن الندوي –رحمه الله تعالى- مع زيادات مهمة منها:
"لذلك ليس من المعقول ولا من الجائز أن تستورد أمة لها شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها، ولها محيطها الخاص وظروفها الخاصة، أن تستورد نظاماً تعليمياً من الخارج، ولا أن تكل وظيفة التعليم والتربية وتنشئة الأجيال، وصياغة العقول إلى الناس –مهما بلغوا من البراعة في التدريس، وإتقان اللغات والفنون- لا يؤمنون بهذه الأسس والعقائد، ولا يتحمسون لشرحها وتعضيدها. يقول الأستاذ الأمريكي الدكتور ج.ب كونكن في كتابه: التعليم والتربية: (إن عملية التعليم ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكبر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنجليزية أو الأوروبية إلى بلادنا الأمريكية".
وعلى هذا الأساس يتفق المعسكران الشرقي والغربي، وقد دل ما سبق من أقوال خبراء التعليم وقادة الفكر في أوربة وأمريكا على وجهة نظر هؤلاء إلى التربية، وإنها ليست إلا أداة مؤثرة لترسيخ العقيدة ونظرة الأمة إلى الحياة والكون، وتعميق جذورها في قلوب الناشئة ونفوسها، ونقل التراث العقلي والعقائدي والاجتماعي إلى الأجيال القادمة، وإقناعها بضرورة الاحتفاظ بها والمثابرة عليها، والجهاد في سبيلها. أما المعسكر الشرقي الذي اشتهر بالثورة على جميع الأسس والقيم، ونقد القديم وبلبلة الأفكار، فإنه شديد التمسك بهذه النظرية للتوفيق بين التربية والعقيدة التي يختارها والفلسفة التي آمن بها، وإخضاع علم التربية لهذا الغرض وصياغته في قالبه صياغة دقيقة متقنة. يقول عالم من كبار علماء الطبيعة في البلاد السوفيتية: (إن العلم الروسي ليس قسماً من أقسام العلم العالمي يدرس في البلاد السوفيتية، ولكنه قسم منفصل قائم بذاته يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف، إن سمة العلم السوفيتي الأساسية: أنه قائم على فلسفة واضحة متميزة.. إن أساس علومنا الطبيعية الفلسفة المادية التي قدمها ماركس وأنجلز وستالين).
ومن المآسي التي تحيِّر العقل وتجرح القلب أن تظل الأقطار الإسلامية وحدها في فوضى وتعارض وغموض والتباس بين الحقائق التي تؤمن بها، وبين نظام التربية الذي تطبقه. ولا تفكر في التوفيق بين الإيمان بهذه الحقائق وبين التربية التي تنفق عليها أكبر جزء من إمكانياتها... وكانت حَرِيّة أن تكون أبعد الناس عن تلك الخطة التي تعيش فيها متطفلة على مائدة الأمم الأجنبية، وكانت حَرِيّة أن تزيل جميع العقبات في سبيل الوئام والتعاون بين العلم والدين..
إن المنقذ الوحيد للعالم من النهاية الأليمة التي ترتقبه هو وجود نظام للتربية يقوم على التوفيق بين العقيدة والثقافة، بين قوة العاطفة والتهاب جذوة الإيمان، وبين العلم الواسع والفكر النيّر، ومعرفة أحدث ما وصلت إليه الأجيال البشرية من تجربة واكتشاف.
واقدِّم لكم العناصر التي تنافي الغاية وترزأ هذه الأمة في شخصيتها:
1- استيراد المناهج الدراسية والمواد التعليمية من الخارج.
2- استيراد الأساتذة والمعلمين من أوروبا وأمريكا الذين أقل ما يقال فيهم أنهم لن يخلصوا في إنشاء الجيل الجديد على عقيدة الأمة.
3- الاهتمام الزائد باللغات الأجنبية وإعطاؤها أكثر من حقها، فإنها تنمو على حساب اللغة العربية. إن تدريس عدة لغات في وقت ما قد أصبح موضع بحث عند خبراء التعليم خصوصاً في المراحل الإبتدائية والمتوسطة.
4- وجود مدرسين لا يؤمنون بأهداف الأمة ونظرتها إلى الحياة. وكيف يصح أن يكون أمثال هؤلاء أساتذة مربين وقادة موجهين، هذا شيء لا يقبله عقل ولا منطق (انتهت كلمة الاستاذ الندوي بتصرف) انتهى.
ولعدد من علماء المملكة العربية السعودية ورجال التعليم فيها، كلمات مضيئة في تحريم المدارس الأجنبية، لما سمعوا عنها في العالم الإسلامي قبل افتتاحها في هذه البلاد عام 1419 نعوذ بالله من الغواية:
11- قال الشيخ حسن مشاط –رحمه الله تعالى- وهو من علماء المسجد الحرام في رسالته: "حكم الشريعة الإسلامية في تعليم المسلمين أولادهم في المدارس الأجنبية": (ص/31-32).
"أفيقوا أيها الأولياء استيقظوا من نوم الغفلة وارجعوا إلى إلى ربكم الجليل ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار واعلموا أنكم إذا سمحتم لأولادكم بدخول تلك المدارس فقد سمحتم لهم بدخول الكنائس وشهود طقوس الكفر وسماع الطعن في دين الإسلام وبكل ما تنهى عنه الشريعة الغراء وتأباه الفضيلة الإنسانية.
وتنبهوا إلى أنكم بذلك آثمون في حق الله تعالى وحق دينكم وأمتكم وحق أولادكم وعشيرتكم عاصون لله ولرسوله أشد العصيان مخالفون بذلك ما أوجبه الله عليكم نحو أولادكم من تعليمهم التعاليم الإسلامية وصونهم من كل ما يخالف ذلك.
واعلموا أن في الحفاظ على الدين والأخلاق الخير والسعادة وأن ما تتوهمونه من الجاه والمال نتيجة للتعلُّم في المدارس الأجنبية لا وزن له بجانب المحافظة على الدين والأخلاق الفاضلة (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) [آل عمران: 14-15]. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قلنا يا رسول الله أمِن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكنكم غُثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوِّكم ويجعل في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" ويقول عليه الصلاة والسلام: "أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" انتهى.
12- وقال الشيخ عبدالرحمن الدوسري –رحمه الله تعالى- في "خاتمة كشف الشبهات" (ص/15) في بيان مظاهر الوثنية الجديدة، ما نصه:
"ولا يزال خريجوا المدارس الاستعمارية يركزون هذه المفاهيم في طبقات الأمة الإسلامية، وعلى الأخص في المدارس التي هي أول فرصة فرض الاستعمار علينا ثقافته بواسطتها، وأخذت تعمل الأصابع الخفية التي يحركها في هذا السبيل" انتهى.
13- وقال القاضي الشيخ عبدالله بن سليمان بن حميد –رحمه الله تعالى- في كتابه: "الهدية الثمينة فيما يحفظ به المرء دينه" (ص/121-122).
"ومثل هؤلاء الذين يتعلمون في مدارس الإفرنج، فإن التلميذ على عقيدة أستاذه ودينه وأخلاقه، فهو أضر شيء على المجتمع الإسلامي، ولا يغتر بهم إلا جاهل..." انتهى.
14- وللعلامة الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد –رحمه الله تعالى- رسالة مطبوعة في ذلك نشرت في جريدة حراء في 27/5/1378 وطبعت في الجزء السادس عشر من: "الدرر السنية": (ص/21-27).
15- وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي –رحمه الله تعالى- في رسالته: "نصيحة مختصرة في الحث على التمسك بالدين والتحذير من المدارس الأجنبية": (ص/11-16):
"فصل: ومن الأصول العظيمة المهمة لصلاح الدين والدنيا: السعي في إصلاح التعليم، وإصلاح الأخلاق، لهذا يجب العناية التامة في جميع المدارس والمعاهد والتعاليم الابتدائية والنهائية في تعاليم الدين، وفي تطبيق أخلاق الدين على المعلمين والمتعلمين، فلهذا أثره الفعال في حسن نتائج التعليم، وحصول ثمراته الدينية والدنيوية.
فتعاليم الدين إذا جعلت هي الأساس والأصل في التعليم، ثم طبقت التعاليم الأخرى عليها، وأنها من وسائلها ومما يعين عليها، وكلها ترجع إليها، فإن الدين يهدي ويرشد للتي هي أقوم واصلح من جميع العلوم التي تفيد الناس في دينهم ودنياهم، ويستغنون بها عن الأجانب.
ويعلم بذلك غلط من قصر نظره وعلمه وضعفت بصيرته، حتى قدح في علوم الكون، وفي العلوم العصرية النافعة، وأعظم منه غلطاً من قبل جميع ما قيل أنه علوم عصرية نافعها وضارها، خيرها وشرها، فإن الواجب التمييز بين العلوم العصرية النافعة التي لا تؤثر في العقائد الدينية آثاراً ضارة، وبين العلوم العصرية التي سلكت ما لا سبيل لها إليه من النظريات الخاطئة الباطلة، المبنية على الجهل والضلال، وعلى خلاف المعلوم من دين الرسل، فكم لهذه العلوم الضارة من الآثار والنتائج القبيحة، وكم أهلكت من ضعفاء البصائر، ومن لا معرفة لهم بالدين من أمم، وكم كان المشتغلون بها أعداء لدينهم وقومهم وأوطانهم، وسلاحاً للأعداء عليهم.
ولهذا يجب الحذر والتحذير من دخول المدارس الأجنبية التي تدرس فيها هذه العلوم الضارة، وخصوصاً لمن لا معرفة لهم تامة في الدين، ولا بصيرة لهم فيه، فكيف يرضى من عنده دين وعقل أن يضع ولده وفلذة كبده ويسلمه لمدارس أجنبية قد عُلِمَ عداؤها لدين الإسلام، بل لجميع الأديان، ولم تؤسس إلا لصدّ الناس عن دين الله وتوحيده؟ كيف يُسْلِم العاقل موليه وهو خالي الذهن من التعاليم الدينية، ومن الأخلاق المرضية، إلى هؤلاء الذين يحشون ذهنه بالإلحاد والتشكيكات؟ والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) [التحريم: 6] أي بتعليمهم ما ينفعهم، وتهذيب أخلاقهم، فمن لم يعلمهم العلوم الدينية، ولم يقومهم بالأخلاق والآداب المرضية، فإنه لم يمتثل ما فرض الله عليه من جهتهم، فكيف مع هذا إذا سعى في تعليم العلوم الضارة، والأخلاق الرذيلة، فهذا من أعظم الناس جرماً، وأقلهم ديناً وأكبرهم إثماً، بل ومن أضعفهم عقلاً، فإن الأولاد أكبر مغنم ومكسب للإنسان، فكيف يرضى عاقل أن يفوِّت هذا المغنم، ويخسر أولاده خسارة لا تجبر، فإن الإنسان إنسانٌ بدينه وأخلاقه فإذا ذهب الدين والأخلاق صار أضل من الأنعام، وربما وجد هؤلاء الآباء الذين رضوا لأولادهم التعلم في المدارس الأجنبية نموذج ما عملوه معهم معجلاً: ربما احتقروا آباءهم كما احتقروا غيرهم، فإن قلوبهم مملوءة كبراً وتيهاً واحتقاراً لغيرهم، كما قال تعالى في مثل هذه العلوم: (إن الذي يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) [غافر: 56]،

 

جميع الحقوق ©  محفوظة لـ مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق 2005

تصميم و تطوير : Aziz.fm