راسلنا أضفني للمفضلة ضع مركز المدينة موقعاً إفتراضياً لجهازك
       
   

- تعريف الاستشراق
- نشأة الاستشراق
- وسائل الاستشراق
- أهداف الاستشراق
- مناهج الاستشراق
- أساليب الاستشراق
- آثار الاستشراق
- الظاهرة الاستشراقية
- حقيقة نهاية الاستشراق
- أزمة الاستشراق
- السعودية والاستشراق

- المدرسة الإيطالية
- المدرسة الهولندية
- المدرسة الفرنسية
- المدرسة الإنجليزية
- المدرسة الأمريكية
- المدرسة الألمانية
- المدرسة الإسبانية
- المدرسة الروسية
- دول أوروبا الأخرى
- في العالم الإسلامي
- طبقات المستشرقين

- المؤتمرات
- نموذجان للمؤتمرات العلمية
- المؤتمرات الاستشراقية الحديثة
- نظرة إلى المؤتمرات في بلادنا
- ندوة صحيفة عكاظ حول الاستشراق
- ندوة الحج والإعلام بجامعة أم القرى
- قراءة ثقافية في تاريخ دورات الجنادرية
- المهرجان 12- الإسلام والغرب
- المهرجان 17: الإسلام والشرق
- المناشط الثقافية في الجنادرية 18
- المؤتمر الدولي الثاني
- المؤتمر العالمي 1 حول الإسلام والقرن 21
- مؤتمر حول الإسلام في هولندا
- الاستشراق والدراسات الإسلامية -المغرب
- المؤتمر الدولي 35
- الرحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية
- ندوة إعلامية في جامعة نيويورك
- المؤتمر6 لجمعية القراءة العربية
- المؤتمر24 لجمعية أهل الحديث
- المؤتمر8 لكلية الإعلام بجامعة القاهرة
- المؤتمر العالمي1 بألمانيا
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي
- المؤتمر العالمي37
- مؤتمر التغيّر الديني في سياق متعدد بجامعة ليدن
- المؤتمر الدولي عن التغيرات الدينية في سياق متعدد بجامعة ليدن أغسطس 2003م
- ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل
- ندوة عن الاستشراق في تونس ، 22-24فبراير 2005م
- ملتقي الجزائر الدولي العلمي الإسلام والغرب
- مؤتمر حول الاستشراق وحوار الثقافات في عمّان بالأردن أكتوبر 2002م
- برنامج المؤتمر الثاني والعشرين الاتحاد الأوربي للمستعربين والمتخصصين في الإسلام كراكو- بولندا29 سبتمبر -2 أكتوبر 2004م.

- القرآن الكريم
- الاستشراق والحديث
- المستشرقون والفقه
- الاستشراق والسيرة النبوية
- الاستشراق والتاريخ الإسلامي
- الاستشراق والأدب العربي
-

- القضايا المعاصرة

- بليوغرافيا
- رسائل علمية
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا بحث زين الدين من الجزائر
- ببليوغرافيا عن الاستشراق الفرنسي زين الدين بوزيد
- مُرَاجَعَاتٌ فِي نَقْدِ الاِسْتِشراق مُقَدِّمَاتٌ لِرَصْدٍ وِرَاقِيٍّ (بِبْلِيُوْجْرَافِيٍّ)

- موقف الغرب من الإسلام
- موقف المسلمين من الغرب
- الإسلام والغرب حوار أم مواجهة؟

- الاستغراب
- معرفة الآخر
- مصطلح الاستغراب
- دعوة لدراسة الغرب
- كيف ندرس الغرب؟
- نماذج من دراستنا للغرب
- الرد على منتقدي دراسة الغرب
-
- وَحدة دراسات العالم الغربي والدراسات الإقليمية
- متى ينشأ علم الاستغراب؟؟

- المرأة المسلمة في نظر الغرب
- المرأة المسلمة وقضاياها
- المرأة الغربية وقضاياها المختلفة
- الطفل

الباحثون

اسم الباحث :الأستاذ الدكتور / مهدي رزق الله أحمد

الجنسية : سوداني

.: معلومات إضافية :.


مزاعم وأخطاء وتناقضات وشبهات بودلي
في كتابه " الرسول ـ حياة محمد "
دراسة نقدية


إعداد
الأستاذ الدكتور / مهدي رزق الله أحمد
أستاذ الدراسات الإسلامية بقسم الثقافة الإسلامية


البحث
التعريف ببودلي وكتابه
" الرسول ـ حياة محمد "

هو المستشرق البريطاني R.V.C. BODLLY. التحق بالجيش البريطاني عام 1908م، وتدرج في رتبه إلى أن وصل رتبة كولونيل. عمل في وحدة الجيش البريطاني بالعراق، ثم في شرقي الأردن عام 1922م، ثم مستشاراً لسلطنة مسقط عام 1924م.
كان أول من عبر الربع الخالي، وكشف عن أسراره المجهولة بين عامي 1930-1931م.
عندما ترك الخدمة الحكومية ذهب ليعيش بين عرب الصحراء، لأنه
-كما يقول في مقدمة كتابه- كان ضجراً من التعقيدات التافهة التي جاءت عقب الحرب العالمية الأولى، وبقي مع الأعراب سبع سنين، وسمع عن محمد الرجل الذي وحَّد حفنة من القبائل المتنافرة المتنافسة، وجعلهم دعامة إمبراطورية من أعظم إمبراطوريات العالم قوة، وسمع عنه أنه الرجل ذو القلب الحار الذي حَوَّل الوثنيين وعبدة الأصنام إلى مؤمنين صادقين، يؤمنون بإله واحد وباليقين وبالموت والبعث في الحياة الأخرى. هذا ما قاله في مقدمة كتابه: "الرسول".
لم أقتنع بتحليل بودلي وسبب مجيئه من عاصمة الضباب –لندن- ليعيش سبع سنين مع بدو الصحراء. والراجح عندي -والله أعلم- أنه كان يقوم بمهام استخباراتية استعمارية تنصيرية لمصلحة التاج البريطاني، وهي ظاهرة معروفة في الدوائر الاستشراقية والاستعمارية والتنصيرية.
والمثال الأول على هذه الظاهرة:
جون اسبنسر درمنجهام المستشرق البريطاني الذي أرسلته جمعيتان تنصيريتان بريطانيتان إلى إفريقية لدراسة مجتمعاتها الإسلامية وغيرها في إفريقية. وكان نتيجة عيشه وسط الشعوب الإفريقية كتابة مؤلفاته الكثيرة التي شملت معظم أنحاء إفريقية، أشهرها: الإسلام في غربي إفريقية، تاريخ الإسلام في غربي إفريقية، الإسلام في شمالي إفريقية، الإسلام في السودان، الإسلام في إثيوبيا، الإسلام في شرقي إفريقية، وأثر الإسلام في إفريقية. هذا ما كشفه لنا، أما التقارير السرية المبنية على دراساته المذكورة فذاك سر من أسرار المهنة لا يعطى إلا لمن انتدبه من أجله.
والمثال الثاني:
الرحالة والمستشرق الألماني زيتزن ZEETZEN، الذي انتحل شخصية طبيب مسلم يدعى الحاج موسى، وتظاهر بأداء الحج عام 1809م.
والمثال الثالث:
المستشرق السويسري الأصل والبريطاني بالتجنس بوركهارت، الذي اختلف الكتاب في إسلامه: أحقيقي أم ادعاء؟، تسمى بإبراهيم عبدالله، وأدى مناسك الحج مع المسلمين عام 1814م.
والمثال الرابع:
الرحالة الإسباني المستشرق دومينغو بديا، الذي اتخذ اسم علي بك العباسي ليزور مكة عام 1807م.
والمثال الخامس:
المستشرق الإنجليزي السير ريتشارد برتون (1821ـ1890م)، الذي انتحل شخصية طبيب مسلم ـ الشيخ عبدالله.
والمثال السادس:
المستشرق الهولندي الشهير سنوك هرجرونيه (1857- 1936م)، الذي ادعى الإسلام، وتسمى بعبدالغفار عام 1884م، ومكث بمكة خمسة شهور، ولكن انكشف أمره قبل أن يشهد الحج مع المسلمين في ذلك العام.
وعندما عاد بودلي من الصحراء، انقطع للدراسة والكتابة بصفة خاصة عن المنطقة التي عاش فيها. ومن مؤلفاته: "الرسول ـ حياة محمد "، وهو موضوع بحثنا هذا، و " عاصفة في الصحراء"، [ Wind in the Sahara]، و" دراما محمد الصحراوية ".
ترجم كتابه "الرسول.." إلى العربية: محمد محمد فرج وعبدالحميد جودة السحار، عام 1945م، في 439 صفحة مع مقدمتين، وطبعته الإنجليزية في 355 صفحة. ويتكون من أربعة وعشرين فصلاً، وخاتمة. ذكر في الخاتمة شيئاً يسيراً عن سير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي  وسراريه، وشرح بعض الكلمات الواردة في كتابه، مثل كلمة عبد وأبو وال وأمير وحج.. إلخ. وذكر في نهاية كتابه المراجع التي اعتمد عليها، وعددها ثمان وعشرون، ليس فيها من المراجع العربية سوى ثلاث ترجمات لمعاني القرآن الكريم، بأيدي مستشرقين، وعمل فهرساً للأعلام الوارد ذكرها في كتابه( ).
أهداف البحث:

لم يهتم مترجما كتاب بودلي بالتصحيح اللازم لأخطائه وشبهاته، لذا كان لزاماً على أحد أبناء الأمة الإسلامية أن يقوم بالتصحيح اللازم، ودحض شبهاته ومزاعمه، التي تشوه سيرة الرسول ، وتخدم أهداف وأغراض أعداء الإسلام، ولا سيما أن الكتاب أصبح متداولاً بين الناس باللغتين: الإنجليزية والعربية. ومنه نسخة بالعربية وأخرى بالإنجليزية بمكتبة جامعة الملك سعود.
وقد نَوَّه بالأخطاء الكثيرة في هذا الكتاب مختصون في دراسة الظاهرة الاستشراقية، ومثاله ما جاء في كتاب: " الإسلام والمستشرقون" تأليف نخبة من العلماء، (ص 230).
"ومن نماذج كتب المستشرقين المليئة بالأخطاء والشبهات في سيرة الرسول  كتاب المستشرق (ز. ف. بودلي)، الذي ترجم إلى العربية دون الاعتناء بإجراء التصحيح اللازم لأخطائه.." وما جاء في كتاب " المستشرقون " لنجيب العقيقي: ".. وقد آمن في مقدمة كتابه "الرسول" بسلامة العقيدة الإسلامية، وضلَّ من بعدُ في تفسير الزكاة والجنة والنار والقضاء والقدر".
ودراسة مثل هذا الكتاب تبصر طلاب الحقيقة من المستشرقين المنصفين بحقائق الإسلام ومناهج المغرضين من المستشرقين في تناول سيرة الرسول . وتبصر أبناء الأمة الإسلامية الذين ينخدعون بكتابات المستشرقين ويعتمدون عليها في أبحاثهم عن الإسلام وتاريخه وحضارته.

المقدمة:

لا تخلو مقدمة بحث عن الاستشراق عامة أو عن مستشرق بعينه من ذكر أهداف الاستشراق ووسائله ودوافعه، المنحصرة في الأهداف والدوافع: الدينية والسياسية والاستعمارية والعلمية والتجارية والشخصية.
وتجنباً للتكرار، فالراجح عندي من خلال سيرة بودلي أن الأهداف السياسية هي التي جاءت به ليعيش مع بدو صحراء الحجاز، ليقدم لبلاده المعلومات الاستخباراتية التي تريدها؛ لرسم سياستها الاستعمارية في هذه المنطقة الاستراتيجية؛ وذلك بدليل أن كتابات بودلي لا تحمل الطابع العلمي في أدنى مستوياته، والذي نلحظه في كتابات المستشرقين الذين استقى منهم معلوماته عن سيرة النبي ؛ وبقائه تلك المدة الطويلة في البادية - سبع سنوات. لأن من يريد أن يكتب عن سيرة محمد  لا يحتاج إلى البقاء في مهد الإسلام هذه المدة، بل يحتاج إلى قضاء نحو خمس هذه المدة فقط، وقضاء أربعة الأخماس الباقية في المكتبات، حيث مصادر السيرة النبوية الأصلية.
إن علاقة مثل هذه الشخصيات التي تعد استشراقية بدوائر الاستعمار، من الظواهر البارزة في تاريخ الاستشراق. ولعل الدور الاستعماري لبودلي بالذات هو دراسة حياة الناس الذين يعيشون في هذه المنطقة وطبيعتهم وخصائصهم، وهل بالإمكان استعمارهم؟! ومعرفة الاتجاهات والحركات المناهضة للاستعمار في المناطق المجاورة في آسية وإفريقية.
أما تفكير بودلي في تأليف الكتب التي أشرنا إليها عن هذه المنطقة، فهو كما يبدو مشروع لاحق، فكَّر فيه عندما رجع واستقر في بلاده، واستهوته شخصية محمد  التي وجد تأثيرها العميق في هذه المنطقة.
لقد اتبعت المنهج التحليلي في دراسة كتابه المذكور، إذ أوردت آراءه، ثم نقدتها في ضوء مصادر السيرة الأصلية. وإلى القارئ أبرز مزاعمه وأخطائه وتناقضاته وشبهه:
1- التشكيك في الوحي:
يزعم بودلي( ) أن محمدا  كان يعرف القراءة والكتابة، ثم يبني على هذا الزعم أن القرآن من تأليف محمد . جاء هذا في معرض كلامه على عمه أبي لهب وزوجته أم جميل، إذ يقول عن النبي : ((ولم يكن في استطاعته أكثر مما احتمل، ففارقه طبعه الكريم، فلعن عمه وزوجته في صوت عال واضح النبرات، وأضاف إلى اللعن أن أم جميل ستحمل حطب الجحيم. وقد وصف الجحيم وصفاً مروعاً، وقد عنى كل ما قاله، وجاءت هذه اللعنة فيما بعد في سورة (101) من القرآن:       
[سورة المسد:1]. ولما كان العرب بطبعهم قوماً يتطيرون، ولما كانت لعنة محمد في غاية من الحبكة والبلاغة، فقد انسحب أبو لهب وأم جميل من مجلسه، فانسحب القرشيون في أثرهم.. ))( ).
وجاء ذلك في معرض كلامه عن عطف زوجته خديجة عليه في مراحل الوحي الأولى، فيقول: (( .. وإن هذا العطف قد دفع محمداً فيما بعد أن يكتب هذه الآيات كجزءٍ من القرآن:                                                     [سورة الضحى: 1ـ11]( ).
وجاء في معرض كلامه على القرآن: "ولكَمْ حاسب نفسه لكي لا يكون في رسالته أثر لإنسان، فكان يفضل أن تكون الآيات التي يأتي فيها ذكر الله مبتدئة بـ  قُلْ "( ).
ويقول: ".. وقد كتب محمد في السورة الثانية، ثم في الســورة الخامسة:  •                    
[سورة المائدة: 69] "( ).
ويقول أثناء كلامه عما دار من لغط حول أحداث نتائج سرية عبدالله بن جحش - سرية نخلة -: ".. فلما هدأت الضجة الأولى، لجأ إلى شيء كان يفعله كلما وجد حرجاً، وهو أنه يوحى إليه، وأن هذا الوحي يحمل إليه رأي الله في الأمر الذي يقلق رسوله، قال:        الآية" [البقرة: 217]( ).
ويقول في تحليلاته لحديث الإفك: ".. وعرف محمد أنه الوحيد الذي يلام، فإن الفضيحة ستستمر ما دام مترددا، فمن واجبه أن يحكم ببراءة عائشة أو إدانتها، فقام بعمل حاسم كما هي عادته في المعارك.."( ).
ويصور عقوبة الإفك بأنها تشريع من محمد، فيقول: "فلما انتهى أمر تنفيذ العقوبة التي شرعها الآن في حسان وحمنة ومسطح، وكان مسطح صديقاً لأبي بكر( )، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة"( ).
وقال عن مسألة حرمة الزواج من الوثنيات وجوازه من الكتابيات: "وأكد ذلك محمد في القرآن بقوله:                          " [المائدة: 5] ( ).
ويقول في معرض كلامه على جمع القرآن: ".. فلما جمع زيد كل كلمة كتبها محمد.."( )، و: "لقد عمل زيد بإخلاص لا يمكن تصوره حتى إنه لما انتهى من نشر القرآن، كان الكتاب من عمل مؤلفه خالصاً، ومؤلفه فقط"( ). ويعني بمؤلفه هنا الرسول محمد .
لولا كثرة ترديده مزاعم نسبة تأليف القرآن إلى الرسول  لقلنا إنه ربما يعني في هذه العبارة أن المؤلف المعني هنا هو الله سبحانه وتعالى.
وقال عند كلامه على غزوة تبوك: ".. وكان يعلق على أقوال هؤلاء الذين جاؤوا إليه يعتذرون في سخرية جارحة. قال للذين اعتذروا بحرارة شمس جزيرة العرب في الصيف:        " [التوبة: 81] ( ).
ويقول أثناء مزاعمه حول الإسراء والمعراج: "..وإن كل ما جاء فعلاً عن هذه الرحلة الإلهية على لسان محمد، هو ما ذكر في سورة الإسراء.."( ).
ويقول عند تعرضه وتحليله لأحداث غزوة حنين: ".. فكتب في السورة التاسعة عشرة.."( ).
ويقول في فصله الذي عقده عن القرآن: "وقد كتب محمد القرآن بمفرده، وقد استغرق ذلك منه ما يقرب من عشرين سنة.."( ).ويقول: "..وضع محمد قوانين محكمة للطلاق..وقد ختم ضرورة معاملة المطلقة معاملة عادلة:ففي السورة الثانية من القرآن نجد:                  " [البقرة: 229]( ).
ويقول في أثناء كلامه على محمد  في قومه: ".. وقلما فكرت فيه كمؤلف للقرآن.."( ).
ومن أقواله الدالة كذلك على تشكيكه في الوحي، قوله عن القرآن الكريم عند تقديمه لكتابه هذا: ".. إنه انعكاس هذا الفكر الثاقب.."( ).
وحقيقة الوحي عنده مجرد احتمال، إذ يقول في معرض الكلام عن نقاط التشابه بين محمد وعيسى عليهما السلام: "فقد كانا يعتقدان اعتقاد اليقين أن الله يوحي إليهما، ومن المحتمل أن يكون ذلك صحيحاً"( ).
ويقول مرة عن موضوعات القرآن الكريم: ".. ربما كانت جميعها وحياً سماوياً"( ). ويقول مرة أخرى عنها: ".. وإنها لتعطي فكرة عن نوع العقل الذي كان يتمتع به محمد، وإنها لتجعل المرء يعجب كيف عرف كل هذا، ومتى فكر في كل هذا، وأين تعلم نظم الشعر المرسل الرنان؟"( ).
وتلاحظ في هذه العبارة أنه يردد زعم كفار قريش بأن القرآن شعر، كما في الآيات                 [الأنبياء: 5]. و:         [الصافات: 36]. و:          [الطور: 30]. وقد رد الله عليهم في هذا بقوله:          [الحاقة:41]. و:         [يس: 69].
إن الزعم بأن محمدا  كان يعرف القراءة والكتابة، وأنه هو مؤلف القرآن الكريم، مما ردده كثير من المستشرقين. وواضح أن بودلي قد تأثر بأشد أساتذته تعصباً ضد الإسلام، وهو المنصر المستشرق هنري لامنس، الذي أفردنا له بحثاً عن افتراءاته على السيرة النبوية، وآخر عن افتراءاته على التاريخ الإسلامي.
والغريب في الأمر أن شيخه آرفنج لم يتعرض لمسألة معرفة محمد  القراءة والكتابة، وأن شيخه درمنجهم أقر بأن أبا طالب حين كفل محمداً بعد وفاة جده، لم يكن غنياً، وكذا لم يتح له تعليم الصبي الذي بقي أمياً طوال حياته( ).
وقبل أن نخوض في الكلام لدحض هذه المزاعم والافتراءات، نقرر حقيقة واضحة هي أن بودلي متناقض في مزاعمه مثل غيره من كثير من المستشرقين المغرضين، فهو يقول –مثلا- عن القرآن الكريم: ".. فبين أيدينا الآن كتاب معاصر، فريد في أصالته وفي سلامته، لم يشك في صحته كما أنزل أي شك جدِّي"( ). ويقول: "إن ورقة بن نوفل قد مات قبل أن يبدأ محمد في تدوين ما أوحى به إليه جبريل، وقبل أن يبدأ محمد في تنسيق القرآن بكثير"( ).
ويقول في ثنايا كلامه عن المنافقين في غزوة تبوك: "فقد نزل الوحي يتبعه الوحي في القرآن"( ). ويقول: "ينفرد محمد في تاريخ الديانات بأنه كان يوحى إليه جميع ما كان يفعله.."( ).
وعلى الرغم من تناقض بودلي في موقفه من القرآن الكريم، فهو يتهم القرآن بالتناقض حين قال عنه:".. فهو أحياناً غير فني، ويناقض نفسه.."( ).
فهو يردد هنا بلا وعي فرية أسلافه من مشركي مكة، ويهود المدينة. فقد جاء في كتب التفسير المعتمدة أن سبب نزول قول الله سبحانه وتعالى:              [البقرة: 106].
و:                   [النحل: 101]، أن المشركين قالوا:ألا ترون محمداً، يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً يرجع عنه غداً. ما هذا إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً( ).
لا يخفى على أحد من طلاب العلم أن زعم بودلي وغيره من المستشرقين المغرضين بأن محمداً لم يكن أمياً، الغرض منه الوصول إلى الطعن في الوحي، أصل العقيدة والشريعة الإسلامية، أو التشكيك فيه، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه ليقول من شاء إنه من وضع محمد وليس من الله.
إن أول من أثار هذه الفرية أو الزعم هم كفار مكة، الذين استخدموا شتى الوسائل والأساليب لمحاربة الرسول ، والتشكيك في رسالته وفي شخصه. وفي القرآن الكريم ردٌّ لكل مزاعمهم. ومما قاله سبحانه بشأن معرفة الرســول  القراءة والكتابة:                               [العنكبوت: 48ـ49]. وتواترت أقوال المفسرين من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين على أن الله سبحانه وتعالى قد نفى عن نبيه محمد  صفة القراءة والكتابة في هذه الآية المحكمة( ).
ووصف الله سبحانه وتعالى رسوله ونبيه محمداً  بأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، مثل ما جاء في قوله:                    [الأعراف:157]. وفي قوله:  •             [الأعراف: 158]. ورويت أحاديث وآثار تدل على أمية الرسول .
فمن الأحاديث، قوله : "إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، .."( )، وقوله: "أنا محمد النبي الأمي ـ قالها ثلاثاً ـ ولا نبي بعدي.."( ). ورحب به موسى عليه الصلاة والسلام في خبر الإسراء والمعراج، قائلاً له: "مرحباً بالنبي الأمي"( ).
ومن الآثار المروية بهذا الشأن، قول علي : "والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي  إليَّ ألاّ يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق"( ).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه روي أثر يدل على نفي أمية الرسول ، فرح به المستشرقون والمتفيهقون، وهو من رواية ابن أبي شيبة وغيره، ولفظه: "ما مات رسول الله  حتى كتب وقرأ"، وهو أثر موضوع كما حققه الشيخ الألباني( ).
واستدل بعض العلماء بعبارات وردت في بعض أحداث السيرة النبوية، فسروها على غير حقيقتها، على أن الرسول  عرف الكتابة والقراءة في أواخر سني عمره. ولما لم يُثر بودلي هذه المسألة، فقد آثرنا عدم الخوض فيها. ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الكتابات التي ردت عليهم، من ذلك كتاب الأستاذ علي شواخ إسحاق: "ماذا حول أمية الرسول " وكتاب الدكتور قحطان عبدالرحمن بن علي: "الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر".
أما الأدلة النقلية والعقلية التي تدحض مزاعم بودلي ومن دار في فلكه المتعلقة ببشرية القرآن الكريم فقد ذكرناها في بحثنا الآخر الموسوم
بـ" افتراءات المستشرق هنري لامنس على السيرة النبوية".
2- الزعم بأن زيد بن حارثة كان نصرانياً وقبيحاً، تأثر به محمد:
يقول بودلي( ): "وكان زيد بن حارثة نصرانياً، اختطفه قريب لخديجة في غارة على الشام.. وكان زيد شديد السمرة، قبيح الشكل..".
في هذا النص عدة مزاعم أو أخطاء تابع فيها بودلي غيره من المستشرقين استناداً إلى روايات لا تثبت أمام الحقائق التاريخية المقبولة. فهل كان زيد نصرانياً كما يزعم بودلي؟
لقد تبنى فرضية نصرانية زيد مستشرقون آخرون من قبل ومن بعد بودلي، أشهرهم كايتاني( )، شيخ المستشرق الفرنسي المشهور هنري لامنس، الذي تبنى فرضية شيخه، ليزعم أن محمداً تأثر بزيد، أي أخذ عنه مبادئ النصرانية ليضيفها إلى مصادره المكونة لإسلامه( )، والراجح عندي أن بودلي أخذ هذه الفرضية عن شيخه لامنس في كتابه: "جمهور مكة التجارية"، لأنه من بين مراجعه التي ذكرها.
ولمزيد من الأدلة على دوران فرضية نصرانية زيد في كتابات المستشرقين، اقرأ مادة زيد بن حارثة في دائرة المعارف الإسلامية - النسخة الإنجليزية القديمة( ) - بقلم المستشرق ف.قاكا.
وما يمكننا قوله باختصار شديد هو أنه لم تَرِدْ رواية قوية أو ضعيفة في مصادر تاريخنا الإسلامي الموثوقة تشير من قريب أو بعيد إلى أن زيداً كان نصرانياً( ). ولا يعدو الأمر كونه فرضية استنتجها المستشرقون من الشواهد التي تشير إلى وجود نصارى من قبيلة كلب التي ينتمي إليها والد زيد، ومن قبيلة طيئ التي تنتمي إليها والدة زيد( ).
وهل اختطف زيداً قريب لخديجة في غارة على الشام؟
المعروف في مصادر التاريخ الإسلامي الموثوقة أن سعدى بنت ثعلبة بن عامر، والدة زيد بن حارثة بن شرحبيل بن عبدالعزى بن امرئ القيس، زارت قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على منازل بني معن، رهط سعدى، فاحتملوا زيداً وهو يومئذ غلام يافع، فوافوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله  وهبته له( ).
وهكذا تظهر لنا منهجية بودلي في التعامل مع حقائق تاريخنا الإسلامي والجهل أو التزييف واضحة في هذه المسألة، مما يغني عن الإطالة.
وهل كان زيد شديد السمرة قبيح الوجه كما يزعم بودلي؟!
تذكر مصادرنا الحديثية والتاريخية المعتمدة أنه لم يكن كما وصفه بودلي. فقد قال أبو داود( ): وسمعت أحمد بن صالح يقول: كان أسامة بن زيد أسود شديد السواد مثل القار، وكان زيد والده أبيض من القطن. وفي رواية: كان أسامة أسود وكان زيد أبيض( ).
وروى البخاري ومسلم( )، من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: "إن رسول الله  دخل عليَّ مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تريْ إلى مُجزَّز نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض"". وفي رواية: ".. ألم تري أن مجززاً المدلجي دخل عليَّ فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض"( ).
قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة، لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال مع اختلاف اللون سر النبي  بذلك لكونه كافًّا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك.
وقد أخرج عبدالرزاق من طريق ابن سيرين أن أم أسامة، وهي أم أيمن مولاة النبي  كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود. وقد وقع في الصحيح عن ابن شهاب أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة لعبدالله والد النبي ، ويقال كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبدالمطلب، فوهبها لعبدالله، وتزوجت قبل زيد عبيد الحبشي، فولدت له أيمن، فكنيت به.. قال القاضي عياض: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة، لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود. قلت - أي ابن حجر -: يحتمل أنها كانت صافية، فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك( ).
قلت: فما دام قد ثبت أن أم أيمن كانت من أصل حبشي، فهذا يعني عدم استبعاد أن يكون سواد بشرة أحد أجدادها من جهة الأم أو الأب مثل سواد الحفيد أسامة. وهذا أمر ملاحظ ومعروف جداً في إفريقية، وبخاصة في المناطق التي اختلطت فيها أعراق العرب بأعراق الزنوج أو الحاميين الأفارقة، مثلما في السودان. وهذا من بدهيات علم الوراثة أو الجينات. وبذلك لا حجة لمن يستنكر شدة سواد بشرة أسامة.
إن الذي يهمنا من هذا كله أن زيداً لم يكن شديد السمرة قبيح الوجه كما يزعم بودلي وغيره، بل الذي كان شديد السمرة ابنه أسامة ، لأن أم أسامة  كانت حبشية. ويبدو أن بودلي اعتمد على أساتذته المستشرقين الذين اعتمدوا على رواية الواقدي عند ابن سعد( )، حيث يقول: "وكان زيد رجلاً قصيراً آدم شديد الأدمة، في أنفه فطس". وربما أخذ هؤلاء رواية الواقدي بطريق غير مباشر، وبخاصة من ابن عبدالبر( ).
والواقدي لا يحتج به، فهو "متروك مع سعة علمه" كما يقول ابن حجر في التقريب( ). ومن العيب المنهجي الواضح الاحتجاج بالروايات الضعيفة جداً مع وجود الروايات الصحيحة.
ولو افترضنا جدلاً أن زيداً كان كما وصف بودلي وغيره استناداً إلى رواية الواقدي، فإن في هذا دليلاً من الأدلة الكثيرة على عظمة الرسول  الذي أحبه هو وابنه أسامة وهما بهذا الشكل. فقد عرف زيد بأنه حِبُّ رسول الله  وكذلك ابنه أسامة.
روى البخاري( ) ومسلم( ) وغيرهما( ) أن الرسول  عندما أمَّر أسامة على الجيش الذي أمر بتجهيزه في مرض وفاته، طعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي : "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل [يعني عندما أمره على سرية مؤتة]، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده".
وآخى الرسول  بينه وبين عمه حمزة، وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر في سرية مؤتة( ).
3- زعمه أن مراعي ديار بني سعد كانت خصبة ممتدة( ):
إن هذا القول من بودلي ليس صحيحاً على إطلاقه، وذلك بدليل أن السنة التي قدمت فيها المرضعات البدويات إلى مكة وأخذت فيها حليمة السعدية محمداً  لترضعه، كانت سنة شهباء، كما قالت حليمة السعدية( ) أي سنة جدب وقحط، لأن الأرض تكون فيها بيضاء. وقالت كذلك: "ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها". وكان من بركات الرسول  عليها ـ كما روت ـ أن أغنامها تجد ما تأكله من العشب فتشبع وتحلب كثيرا بينما أغنام الآخرين لا تجد ما تأكله، فترجع جوعى، وليس في ضرعها قطرة لبن لإنسان.
ففي هذا الخبر دليل على أن مراعي بني سعد لم تكن خصبة ممتدة كل عام كما يزعم بودلي، وبخاصة العام الذي قدم فيه الرسول  إليهم مسترضعاً.
ولأن بودلي وغيره من المستشرقين لا يؤمنون بالمعجزات والكرامات والبركات والخوارق( )، فنراهم لا يأبهون لها ولو ثبتت بنص قرآني.
4- زعمه تحرك غرائز الرسول  الجنسية في أواخر أيامه:
يزعم بودلي( ) أن غرائز الرسول  الجنسية كانت خامدة، ثم تحركت في أواخر أيامه. وهذا الزعم في أصله لشيخه إميل درمنجهم( )، ونصه: "شعر محمد في العقد الأخير من عمره بميل كبير إلى النساء..".
يستنتج بودلي ومشايخه من المستشرقين( ) مثل هذه المزاعم من حقيقة تعدد زوجات الرسول  بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، حيث كان عمره حينها خمسين عاماً. ولو كان هؤلاء موضوعيين أو منصفين لنظروا أولاً في سيرة كل واحدة من زوجاته والظروف والبواعث التي أحاطت بزواجه من كل واحدة منهن، قبل أن يروِّجوا لتلك المزاعم. وهذا ما فعلناه في كتابنا "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية( )".
وخلاصة ذلك:
(1) زواجه  من خديجة بنت خويلد رضي الله عنها:
إن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج – كغيره – هو عدم اهتمام الرسول  بأسباب المتعة الجسدية، بدليل أنها كانت أكبر منه سناً بخمس عشرة سنة، ولم يتزوج عليها إلا بعد وفاتها عن خمس وستين سنة، وكان عمره حين وفاتها خمسين عاماً، وكانت ثيباً عندما تزوجها، إذ تزوجت بعتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له بنتاً، وتزوجت أبا هالة بن النباش ا لتميمي، فولدت له ابنها هنداً وبنتاً. وكانت هي التي سعت للزواج من الرسول ( ).
(2) زواجه  من سودة بنت زمعة:
كانت من المؤمنات المهاجرات إلى الحبشة في سبيل الله مع زوجها السكران بن عمرو، الذي توفي عنها، فخشي النبي  أن يبطش بها قومها الكفار لعدم رضائهم بهجرتها، فتزوجها على الرغم من كبر سنها( )، وعندما طعنت في السن، وذهبت حاجتها في الفراش، خشيت أن يطلقها الرسول  وتحرم بذلك من الحشر في أزواجه، وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها( ).
(3) زواجه  من عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما:
رأى رسول الله  في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن رجلاً يحملها إليه في قطعة بيضاء من جيد الحرير، قائلاً: (هذه امرأتك)، فيكشف فيراها، فيقول: "إن كان هذا من عند الله يمضه. ( )" وكفى بهذا دليلاً على انتفاء الشهوانية، ولم يتزوج بكراً غيرها( )، وكان لوالدها دور كبير في نصرة الإسلام، فحرص الرسول  في مصاهرته لتوثيق عرى المحبة بينهما.
(4) زواجه  من حفصة بنت عمر رضي الله عنهما:
تزوجها للحكمة ذاتها التي تزوج من أجلها عائشة وسودة رضي الله عنهما، وإضافة إلى رغبته في تخفيف حزنها لفقد زوجها خُنَيس بن حذافة البدري وصاحب الهجرتين( )، الذي استشهد نتيجة جراح يوم أحد( )، وحزن والدها لحزنها، فعرضها والدها عمر رضي الله عنه على صاحبيه أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، فاعتذر الثاني وسكت الأول لعلمه برغبة النبي  في مواساتها بالاقتران بها( )، وعندما طلقها الرسول  أتاه جبريل عليه السلام، وقال له: "راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة"( ).
(5) زواجه  من زينب بنت خزيمة الهلالية رضي الله عنها:
قيل: إن زوجها عبيدة بن الحارث استشهد يوم بدر( )، وقيل: إنه عبدالله ابن جحش الذي استشهد يوم أحد( )، وكانت قبلهما تحت الطفيل بن الحارث بن عبدالمطلب، فطلقها( )، وقيل: كانت عند جهم بن عمرو بن الحارث( ).
ودعيت في الجاهلية بأم المساكين لرحمتها بهم( ).
إن امرأة تعاقب عليها هذا العدد من الأزواج، وما عرف عنها من الصلاح والرأفة على المساكين، لجديرة بتكريم الرسول  لها بالزواج.
(6) زواجه  من أم سلمة المخزومية رضي الله عنها:
كانت من شهيرات المجاهدات يوم أحد والحديبية، والمهاجرات إلى الحبشة والمدينة.
استشهد زوجها إثر إصابة يوم أحد، وترك لها أربعة من الذرية، فأراد الرسول  أن يواسيها بجبر مصابها ورعاية أيتامها.
( 7) زواجه  من جويرية بنت الحارث رضي الله عنهما:
كانت من بين سبايا غزوة بني المصطلق، وهي ابنة زعيم القوم الحارث ابن أبي ضرار، فتنازل له عنها من وقعت في سهمه، فأعتقها وتزوجها ترغيباً لأبيها وقومه في الإسلام، فكان أن جاء والدها مسلماً وأسلم معه قومه، وإكراماً لمصاهرة الرسول  قومها أعتق المسلمون سبي قومها.

(8) زواجه  من زينب بنت جحش رضي الله عنها:
هي ابنة أميمة، عمة الرسول ، زوجها الرسول  لمولاه زيد بن حارثة، الذي أعتقه وتبناه، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يطلقها ليتزوجها النبي  لإبطال عادة التبني، ونزل في هذا قرآن كما في الآية:                          ( ) [الأحزاب:37].
(9) زواجه  من أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما:
هاجرت إلى الحبشة، فارتد زوجها هناك، فأراد الرسول  أن يكرمها لثباتها، ولكيلا يشمت بها الكفار، على رأسهم والدها، الذي كان يتزعم معارضة الدعوة الإسلامية بضراوة، وأراد  أن يكسر حدة عداوة والدها وقومه بني أمية( ).
(10) زواجه  من صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية:
كان في زواجه منها ذات الحكمة في زواجه من جويرية رضي الله عنها؛ فهي ابنة زعيم يهودي، مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضد الرسول ( )، فكان لا بد من أن تكون من الصفي بإثر سقوط خيبر، ليتزوجها، فيكسر ذلك حدة عداوة اليهود، وإعطاء الدليل العملي على نفي تهمة العنصرية ضد اليهود.
(11) زواجه  من ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها:
كان عمه العباس حريصاً على هذا الزواج، لمعرفته بتقواها، فهي أخت زوجته أم الفضل( )، ومما يدل على تقواها قول ضرتها عائشة رضي الله عنها: "أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"( ).
وفي الاقتران بمثلها تحبيب لقومها في الإسلام.
(12) تسرّيه  مارية القبطية:
أهداه إياها مقوقس مصر، فقبلها( ) حرصاً على ترغيب القبط في الإسلام، وعندما ولدت له ابنه إبراهيم أعتقها، وقال في هذا: "أعتقها ولدها"( ).
وأصبح هذا الحديث من أدلة الحكم الفقهي في أمهات الأولاد( ).
(13) زواجه  من ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة:
قيل إنها من بني النضير، وقيل من قريظة، اصطفاها لنفسه فأعتقها وتزوجها( ). ويقال عن حكمة زواجه منها ما قلناه عن حكمة زواجه من صفية وجويرية ومارية.
إن هذا الإصهار من قبائل شتى وأعداء ألداء يحمل في طياته حكمة بالغة يعرف قريباً منها المستشرقون من تاريخ ما عرف بالزواج الدبلوماسي في تاريخ الأسر المالكة في التاريخ الغربي وغيره.
5- الزعم بأن النبي  كان فاشلاً في التجارة:
يزعم بودلي( ) أن الرسوللم يكن من أمراء التجارة، وأنه كان فاشلاً فيها.
وينقض بودلي هذا الادعاء في مكان آخر من كتابه، فيقول:"عرف محمد بالأمانة والجد، فما تخطى الخامسة والعشرين من عمره حتى كان من أكبر تجار القوافل وأنشطهم غربي بلاد العرب، فعهد إليه كثيرون غير عمه بأمر تجارتهم.."( ).
ويعتدل أحياناً فيقول: "ولم يجمع مالاً كثيراً لنفسه، فقد كان يعمل أجيراً، ويتقاضى نصيباً من الأرباح، وعلى الرغم من ذلك لم يصبح غنياً، وما أثرت المادة في نفسه.."( ).
إن هذا التناقض في كلام بودلي يدل دلالة واضحة على عدم فهمه لطبيعة شخصية محمد . فمن أول مفاتيح شخصية النبي محمد التجارية هو أنه كان يكسب المال وينفقه في أوجه الخير؛ لأن روحه كانت فوق الماديات الأرضية، فهو غني النفس طوال حياته، حتى عندما فتح الله له أبواب الرزق من كل مكان..وقد جاءته الأموال من كل مكان من دولته، فكان يوزعها في أبوابها الشرعية التي حددها الله سبحانه وتعالى على الفور. وقصته مع زوجاته في أمر الإنفاق مشهورة وثابتة بالقرآن وصحيح السنة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
6- يزعم أن أتباع محمد  كانوا في الغالب من التجار المخفقين( ):
لم يكن أتباع محمد  كما يزعم، بدليل سير أصحابه الكبار الذين كانوا تجاراً، أمثال: أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف. فمثلاً: أبوبكر  كان تاجراً ناجحاً، ولكنه كذلك أنفق كل ماله في سبيل الله، كما هو مشهور معروف مذكور في المصادر التاريخية الموثوق بها. فهو الذي قال عنه الرسول : "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر"، فبكى أبوبكر  عندما سمع هذا الحديث، وقال: "وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله"( ). وأعتق من ماله مجموعة من الأرقاء( ) لوجه الله، منهم بلال( ).
ومن المشهور الذي روي عنه أنه خرج بنفسه وكل ماله في سبيل الله عندما أراد الهجرة إلى المدينة( ). وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: "فخرت بمال أبي في الجاهلية، وكان ألف ألف أوقية ـ وفيه ـ فقال النبي : "اسكتي يا عائشة، فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع"( ). وقال ابن حجر( ) في الإصابة:"وأخرج أبو داود في الزهد بسند صحيح عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أسلم أبوبكر وله أربعون ألف درهم، وقال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك ديناراً ولا درهماً"، وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبوبكر وله أربعون ألفاً فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالاً، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس.
والغريب أن بودلي( ) يناقض نفسه حين قال عن أبي بكر: إنه كان من أصحاب الملايين في مكة. ثم إن إميل درمنجهم( ) ـ أحد مراجع بودلي الرئيسة - يقول إن أبابكر كان من ذوي الغنى واليسار بما قام به من التجارة.
وهكذا يتضح لنا أن بودلي يناقض نفسه في المسألة الواحدة وينتقي من مصادره المعلومات التي تساعده على فكرته، وهو منهج يتبعه كثيراً غلاة المستشرقين( ).
وكان عمر بن الخطاب  تاجراً ناجحاً، ولكن بعد إسلامه أصبح مضرب الأمثال في الزهد كذلك. فقد ثبت أنه أراد أن يسابق أبابكر في التصدق، عندما حثهم الرسول  على الصدقة، فجاء بنصف ماله للرسول  صدقة، وجاء أبوبكر بكل ماله، ولذا أقسم عمر  ألا يسابق أبابكر إلى شيء بعد هذا( ). وتصدق بمائة أوقية لتجهيز جيش غزوة تبوك( ).
وكان عثمان بن عفان  تاجراً ناجحاً، ويكفي ما رواه البخاري( ) والترمذي( ) وغيرهما من أنه جهز جيش العسرة، جيش غزوة تبوك. وروى أحمد( ) والترمذي( ) والحاكم( ) أن رسول الله  قال عن عثمان في ذلك اليوم: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم"( ). وأخباره في الإنفاق في سبيل الله وعلى أقاربه وأرحامه كثيرة، تجدها مبسوطة في كتب مناقب الصحابة التي أشرنا إليها في الحواشي، وذكرنا بعضها حين الكلام عن إنفاقه يوم تبوك في كتابنا السيرة النبوية..( ).
وكان طلحة بن عبيد الله  تاجراً ناجحاً، ولكنه أيضاً كان سخياً. ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد( ) من أن طلحة باع أرضاً له [من عثمان]( ) بسبعمائة ألف، فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقاً من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه.
روى ابن سعد( ) عدة آثار تدل على كثرة ماله وجوده وسخائه، كلها من طريق شيخه الواقدي، ما عدا الرواية المذكورة آنفاً، أي التي فيها أنه باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبعمائة ألف، ورواية أخرى من حديث الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة ذات يوم، فقلت: مالي أراك، أرابك شيء من أهلك فَنُعْتِبَ؟ قال: نعم، حليلة المرء أنت، ولكن عندي مال قد أهمني أو غمني، قالت: اقسمه. فدعا جاريته، فقال: ادخلي عليَّ قومي. فأخذ يقسمه، فسألتها: كم كان المال؟ فقالت: أربعمائة ألف( ).
وروى المحب الطبري( ) كذلك آثاراً في كثرة ماله وجوده، منها ما ذكرناه من مصادر أخرى، ومنها ما لم نذكره، فليراجع لزيادة الفائدة. ورحم الله من قال:
لولا المشقة ساد الناسُ كلُّهم الجود يُفْقر والإقدامُ قَتَّال.
وعرف بطلحة الخير وطلحة الفياض لكثرة إنفاقه في سبيل الله( ).
قال ابن عبدالبر( ): إن طلحة اشترى مالاً بموضع يقال له بيسان، فقال رسول الله  ما أنت إلا فياض، فسمي الفياض.
وروى أبو نعيم( ) أن طلحة نحر جزوراً وحفر بئراً يوم ذي قرد، وسقاهم، فقال النبي : يا طلحة الفياض، فسمي طلحة الفياض.
وروى المتقى الهندي( ) من حديث سلمة بن الأكوع  أن طلحة بن عبيد الله ابتاع بئراً بناحية الجبل، وأطعم الناس، فقال الرسول : "يا طلحة الفياض"( ).
وروى ابن سعد( ) والطبراني( ) وابن عساكر( ) وأبو نعيم( ) من حديث قبيصة بن جابر، قال: "صحبت طلحة فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل مال من غير مسالة منه".
وكان الزبير بن العوام تاجراً ناجحاً. قال ابن عبدالبر( ): كان الزبير تاجراً مجدوداً( ) في التجارة، فقيل له يوماً: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ قال: لأني لم أشتر معيباً، ولم أرد ربحاً، والله يبارك لمن يشاء.
ويروى أنه كان له ألف مملوك يؤدون الخراج، ما يدخل بيته من خراجهم درهم( ).
وروى أبو نعيم( ) أن الزبير ترك أربع نسوة [حين استشهد يوم الجمل ] فورثت كل امرأة منهن ربع الثمن ألف ألف درهم، وخلَّف عشرين ولداً: عشرة ذكوراً، وعشرة إناثاً.
وكان كريماً جواداً، ينفق من ماله على أبناء أصحابه الذين يوصونه بهم، وممن أوصى إليه: عثمان والمقداد وابن مسعود وابن عوف ومطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع( ). ومن هؤلاء من كان من أثرياء تجار الصحابة، وهم: عثمان وابن عوف وأبو العاص بن الربيع.
وروى المحب الطبري( ) أن ابن إسحاق السبيعي قال: سألت أكثر من أربعين رجلاً من أصحاب النبي : من كان أكرم الناس على عهد رسول الله ؟ قالوا: الزبير وعلي رضي الله عنهما.
وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكور في صحيح البخاري( ).
وكان عبدالرحمن بن عوف تاجراً ناجحاً، فقد روى البخاري( ) أن الرسول  عندما آخى بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، طلب ابن الربيع من ابن عوف أن يشاطره ماله، فرفض ابن عوف أخذ شيء من مال أخيه سعد، وطلب منه فقط أن يدله على سوق المدينة، فدله على سوق يهود بني قينقاع. فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن؛ ثم أخذ يتردد إلى السوق، يبيع ويشتري، حتى استغنى بماله عن مال أخيه سعد وغيره، وتزوج، وكثر ماله.
قال أبو عمر - ابن عبدالبر( ) -: "كان تاجراً مجدوداً في التجارة، وكسب مالاً كثيراً، وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع.."، وروي أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً( ). وروى أبو عمر( ) أثراً من حديث الإمام أحمد وغيره بأسانيدهم إلى أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهما، قالت: دخل عليَّ عبدالرحمن بن عوف، فقال: يا أمه، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالاً، قالت: يا بني: أنفق، فإني سمعت رسول الله  يقول: إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه.." الخبر.
ليت بودلي تابع إميل درمنجهم ـ شيخه ـ في إقراره بحذق ابن عوف التجارة وما ناله من ثراء( ).
وروى ابن أبي عاصم( ) بسنده إلى أبي هريرة ، قال: قال رسـول الله  "خيركم خيركم لأهلي من بعدي، قال: فباع عبدالرحمن بن عوف حديقة بأربعمائة ألف، فقسمها في أزواج النبي ".
ورويت عنه أخبار كثيرة في الإنفاق في سبيل الله منها الضعيف والقوي، فقد روى الطبري( ) - مثلاً - عدة آثار، في بعضها أنه تصدق يوم تجهيز جيش تبوك بأربعين أوقية من ذهب، وفي بعضها مائة أوقية من ذهب، وفي بعضها أربعة آلاف دينار، وفي بعضها ألفي دينار، وفي بعضها أربعمائة أوقية، وفي بعضها أربعة آلاف درهم.
وروي أن الرسول  قال له: "تسمى في السماء أميناً، يسلطك الله على مالك بالحق"( ).
لا عجب أن يكون من هذا حاله مضرب الأمثال في الإنفاق. فهو الذي روى حديث الرسول : " قال الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث: أغدو عليه بهن، وأروح بهن، أخذه المال من غير حله وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه"( ).
وروى ابن سعد( ) من حديث شيخه الواقدي أن عبدالرحمن أوصى أن يعطى من ماله في سبيل الله خمسين ألف دينار، وفي رواية ثانية له - كما سبق ذكرها - أنه ترك ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً، وكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة( ). وفي رواية ثالثة أن نصيب زوجته تماضر بنت الأصبغ كان مائة ألف.
وروى ابن سعد( )، من غير طريق الواقدي، أنه عندما توفي كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مَجَلَتْ [أي كَلَّت] أيدي الرجال منه. وترك أربع نسوة، فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألف. وفي الرواية الثانية: أنه ترك ثلاث نسوة، فأصاب كل واحدة مما ترك ثمانون ألفاً ثمانون ألفاً.
كان هؤلاء التجار الذين ذكرناهم من أوائل السابقين إلى الإسلام في مكة، ويتضح من الأمثلة التي ذكرناها عن سيرهم أنهم كانوا من علية أغنياء الصحابة.ويعجب المرء أن يتابع بودلي أساتذته الذين يقلبون الحقائق، ويهمل الرجوع إلى مصادر الإسلام المشهورة المختلفة ويعتمد على دراسات المغرضين شيوخه المستشرقين. والروايات الضعيفة والقوية فيها تشير إلى أن ما ذكره بودلي يجافي الحقائق التاريخية والمنهجية العلمية في الدراسات التاريخية.
7- يزعم بودلي أن غالب أصحاب النبي  كانوا كذلك من الساخطين على أوضاعهم( ):
جاءت هذه الفرية مقرونة بالصفة المزعومة السابقة التي تناولناها. فنقول في دحضنا لهذا الزعم أو الفرية: إن المتتبع لسير أصحاب الرسول ، خاصة السابقين منهم إلى الإسلام، يلحظ عكس ما زعم بودلي. فقد كان أغلبهم من أبناء قريش وغيرها من قبائل العرب، لا كما يزعم بودلي وغيره من المستشرقين ومن تأثر بهم من الكتاب المسلمين أن غالبية أو معظم أصحاب الرسول  الأوائل كانوا من المستضعفين أو الموالي والأرقاء الساخطين على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، فاعتنقوا الإسلام للتخلص منها.
قام الأستاذ صالح أحمد الشامي( ) بدراسة هذه المسألة، وخلص إحصائيا إلى أن من مجموع السبعة والستين الذين سبقوا إلى الإسلام، كان منهم ثلاثة عشر فقط من الموالي والأرقاء، أي نحو الخمس، وما كان كذلك لا يقال عنه "أغلبهم" أو "عامتهم". ثم إن السخط لم يكن دافعاً للموالي والأرقاء في أن يسبقوا لاعتناق الإسلام، وذلك بدليل أن عدد الموالي والأرقاء في مكة كان أضعاف أضعاف عدد من سبقوا إلى الإسلام. وقد جعلهم لامنس( ) ـ أحد مشايخ بودلي ـ جيشاً جراراً خاضت به قريش حروبها ضد المسلمين.
وخطأ بودلي المتكرر هو أنه لا يأخذ معلوماته عن المصادر الأصلية مباشرة، بل يأخذ عن أصحاب الأغراض والأهواء من أساتذته المستشرقين كما قلنا أكثر من مرة.
8- إهمال التنبيه على التفريق بين مرويات الروافض ومرويات أهل السنة في السيرة النبوية:
اعتمد بودلي( ) على الزيادة التي أقحمها الروافض على خبر اجتماع الرسول  بشيوخ رهطه بني هاشـم، عندما نزل قول الله سبحانه وتعالى:      [الشعراء: 214].
إن مضمون الرواية الصحيحة أنه قال لهم: "من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟" فقال رجل:
يا رسول الله، أنت كنت بحراً، فمن يقوم بهذا؟ وسكتوا جميعاً، فأعاد الرسول  القول، ولكن ظل القوم سكوتاً، وهنا خرج علي من صمته، وقال: أنا.
هذا هو القدر الذي رواه أئمة الحديث والمغازي والسير من عدة طرق، وعلى رأسهم الإمام أحمد( ) وابن إسحاق( ) والطبري( ).
أما الزيادة التي ذكرها بودلي على هذا الحديث، فهي: فلف محمد ذراعه حول ابن عمه، وقال: "فأنت..وصيي ووارثي وخليفتي من بعدي".
فهذه الزيادة المتعلقة بالوصية ووراثة الخلافة من بعده من مزاعم الروافض وافتراءاتهم على الرسول . فهي من رواية عبدالغفار بن القاسم أبي مريم( )، وهو متروك الحديث كذاب شيعي. اتهمه علي بن المديني( ) وغيره بوضع الحديث، وضعفه أئمة آخرون، يرحمهم الله.
فلو كان بودلي منصفاً لذكر الروايات المختلفة في الموضوع، ثم يرجح ما يراه صواباً حسب قواعد المنهج العلمي في الترجيح والرد والقبول، بل كان عليه أن يتابع شيخه إميل درمنجهم، الذي استشهد بالرواية التي فيها: فوضع محمد يده على عنق الغلام علي، وقال: "هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم [أي بني عبدالمطلب]، فاسمعوا له وأطيعوا"( ).
9- جَعْلُه عدد المهاجرين المسلمين إلى الحبشة مائتي شخص بزعامة عثمان بن عفان رضي الله عنهم، سنة 615م( ).
وهذا خطأ تاريخي واضح، لأن المعروف أن عدد من هاجر من المسلمين إلى الحبشة في الهجرة الأولى كانوا اثني عشر رجلاً وأربع نسوة( )، وفي رواية ثانية أحد عشر رجلاً وأربع نسوة( )، وفي رواية ثالثة: عشرة رجال وأربع نسوة( ). وكان عدد الذين هاجروا في الهجرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة، سوى أبنائهم الذين خرجوا معهم صغاراً أو ولدوا بالحبشة( ). وفي رواية: نحواً من ثمانين رجلاً، بدون ذكر النساء( ). وفي رواية ثلاثة وثمانين رجلاً وإحدى عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب( )، وفي رواية نيفاً وثمانين رجلاً وست عشرة امرأة سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم، أو ولدوا بها( ).
وخلاصة الأمر أن عددهم لم يتعد المائة واثنين من الجنسين في الهجرة الثانية، وخمسة عشر رجلاً وامرأة في الهجرة الأولى، فكيف أوصلهم بودلي إلى مائتي شخص؟!!
والغريب أن شيخه آرفنج( ) يذكر أن عدد المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية كان ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة من النساء غير الأطفال، وهذه رواية إمام المغازي محمد بن إسحاق عند ابن هشام.
فلا هو تابع شيخه آرفنج كعادته، ولا تابع المصادر التي أخذ عنها آرفنج، بل تابع تخميناته العشوائية!!
هكذا يكتب المستشرقون السيرة النبوية، ونتحمس لترجمتها إلى لغة القرآن دون التنبيه العلمي لما فيها من طامَّات. وليتنا نشرناها بلغتها الأصلية - أي كتاباتهم - مع دحض مزاعمهم وتصحيح أخطائهم، وبيان فساد منهجهم في التأليف والاستدلال والفهم.
10- ترديده فرية الغرانيق وبعض أخطائه التاريخية:
يردد بودلي قصة الغرانيق التي لا يكاد يخلو منها كتاب مستشرق( )؛ فهو يقول عنها: ولكنه ـ محمداً  ـ على الرغم من تلميحه لهم ـ أي كفار قريش ـ يوماً أن اللات والعزى ومناة قد يُرجى نفعها مع الله، إلا أنه قد عاد ونقض ذلك، فقد فطن إلى أن الأمر الذي يضطلع به لا يقبل مساومة، وأنه لن يجد مخرجا سهلاً..( ).
وقد دحضت هذه الفرية في كتابي: "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية"( )، مما لا شك فيه أنه قد سبقني آخرون إلى هذا، أفدت منهم كثيراً على رأسهم الشيخ ناصر الدين الألباني ـ يرحمه الله ـ، الذي ألف فيها كتابه: "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق".
يقول في معرض كلامه على هجرة الرسول  إلى المدينة إن عبدالله بن أبي بكر وأخته عائشة أقبلا إلى غار ثور، حيث كان يستخفي الرسول  وأبو بكر، ومعهما راحلتان ودليل يثقون فيه( ).
وهذا خطأ تاريخي، لأن المصادر التي بين أيدينا تذكر أن الذي أتاهما بالراحلتين في الغار هو الدليل عبدالله بن أريقط، وأتاهما في ذات اليوم عامر ابن فهيرة مولى أبى بكر؛ وتحرك الأربعة صوب المدينة( ).
ثم إن عائشة رضي الله عنها لم يرد لها دور في الهجرة، لأنها كانت صغيرة السن حين ذاك، لم تتعد التاسعة من العمر( ). فمن أين لبودلي هذه المعلومات المغلوطة؟! وأين المنهج العلمي هنا لتدوين التاريخ؟!.
11- إضفاء صفات غير حقيقية على النبي  وكبار الصحابة ( رضي الله عنهم ):
ومثال ذلك وصفه أبا بكر وعمر وعليا رضي الله عنهم بأنهم كانوا أعراباً - بدواً - لم يثقفوا( ). ويصف كذلك الرسول  بأنه كان أعرابياً( ).
ففيما يتعلق بوصفه الرسول  بأنه كان أعرابياً، يكفينا رده على نفسه حين يقول في مكان آخر من كتابه: إن محمداً لم يكن بدوياً( ). وفي هذا دليل على تناقضه في كثير من أقواله، وقد وقفنا على بعضها سابقاً.
أما أبوبكر وعمر وعلي رضي الله عنهم فقد كانوا من أهل مكة، وهي من الحضر، ولم يعرف عنهم أنهم عاشوا في الصحراء مع البدو ولو لفترة قصيرة في أي مرحلة من مراحل حياتهم. ويقول بودلي نفسه عن مكة: وكانت مكة من أعظم بقاع تلك المنطقة حضارة، على الرغم من موقعها المنعزل، وجوها البغيض، وكانت تتمتع بكل الترف، فقد كانت صنوف الحرير والأقمشة والجواهر والعطور ترد إليها، فكان المكيون يحسبون أنهم في نعيم مقيم، فما كانوا يرون من سبب لتبديد رخائهم( ). ويصفها كذلك بأنها كانت من أعظم المراكز الدينية والتجارية في بلاد العرب.. إلخ من عبارات الإعجاب بثرائها وترفها( ).
وإذا كان أبوبكر ـ مثلاً ـ في نظره بدوياً، فلماذا يقول: إنه لم يألف حياة التقشف! وإنه من أصحاب الملايين في مكة( ). إنه التناقض الذي يلازمه، فهو ينقض ما يثبته ولو بعد صفحة واحدة.
12- المبالغة في صفات بعض أزواج النبي :
يقول بودلي( ) - مثلا- عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما بالذات، إنها كانت جميلة، ويبدو هنا أنه أخذ معلوماته عن شيخه درمنجهم، الذي وصف حفصة رضي الله عنها بالجمال والحسن( ). ولكن الحقيقة التي تذكرها مصادر السيرة هي أن حفصة لم تكن كما زعم بودلي وغيره، وتكفينا هنا شهادة أبيها عمر  حين رآها تقف في صف عائشة رضي الله عنها في قصة اعتزال الرسول  زوجاته، فقال لها كما روى البخاري( ): "يا بنية، لا يغرنك هذا التي أعجبها حسنها حبُّ رسول الله  إياها - يريد عائشة رضي الله عنها". وقال في رواية مسلم( ): "ولا يغرنك أن كانت جارتك ـ أي ضرتك ـ هي أوسم وأحب إلى رسول الله  منك - يريد عائشة". وفي لفظ إحدى روايات مسلم( ) زيادة، هي: ".. والله: لقد علمت أن رسول الله  لا يحبك. ولولا أنا لطلقك رسول الله ".
ويصف كذلك جميع زوجات النبي  بأنهن كن جذابات جميلات( ). ويناقض نفسه حين يقول عنهن: "وكان منهن خمس دميمات"( )، ولم يوضح من منهن - في زعمه - كانت دميمة، ومن كانت جميلة جذابة.
ولا يخفى على العالمين بمناهج المستشرقين المغرضين ما يسعون إليه بكل وسيلة للانتقاص من الرسول  والتشكيك في صدق رسالته ونبوته. ومن ذلك تهمة تعدد الزوجات لأهداف حسية جسدية مادية أو شهوانية، ويريد بودلي هنا أن يعزز هذه الفرية بالكلام عن حسن أو جمال أو جاذبية زوجاته.
13- الزعم بأن حب الوحدة هو الغالب على حياته:
يزعم بودلي( ) أن محمداً كان في أغلب أوقاته يميل إلى الوحدة، ولما لم يتيسر له الفراغ لذلك لفقره عمل راعياً أجيراً.
والصواب أن عمله راعياً كان في صباه، وعندما بلغ مبلغ الرجال عمل بالتجارة. والميل إلى الوحدة في غار حراء كان قبيل البعثة، ولفترة محدودة، وليس في مرحلة الصبا التي مارس فيها الرعي، وعصمه الله من ممارسة اللهو الذي عرفه مجتمعه في زمانه، مثل الاستماع إلى الغناء( ). ثم إن بودلي كعادته يقول كلاماً ثم ينقضه أحياناً في الصفحة نفسها، مثل ما حدث في هذا الزعم. فهو يقول مرة: إن محمداً كان ميالاً إلى معاشرة الناس( )، ويقول مرة أخرى: "فإن نفسه لم تمل إلى فكرة اعتكاف الرجال وعزلتهم.."( ).
وهنا التناقض، كيف يكون ميالاً إلى معاشرة الناس وعدم الميل للاعتكاف والاعتزال وميالاً إلى الوحدة في أغلب أوقاته؟!
الثابت في مصادر السيرة النبوية أن الرسول  كان ميالاً إلى معاشرة الناس. وكان يحث على هذا، كما في مثل قوله : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم"( ). وفي مثل قوله: "المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس"( ). وسيرة الرسول  كلها نموذج عملي لمعاشرة كل من حوله من الناس صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، بل ألفته الحيوانات والنباتات والجمادات. وقد ذكرنا أمثلة لهذا كثيرة في الفصل الذي عقدناه عن معجزات الرسول  من كتابنا: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، الطبعة الثانية.
أبعد هذا يحق لبودلي وغيره أن يتهم حتى القرآن الكريم بالتناقض وفقدان خاصية الفنية فيه( )؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
14- الزعم بأن الإسلام تأثر باليهودية والنصرانية:
يزعم بودلي -وغيره من غلاة المستشرقين- أن الإسلام تأثر بالديانة اليهودية والنصرانية، عن طريق أشخاص بأعيانهم، ولفظه: ".. وأما حقيقة القوى النابتة في الديانتين القديمتين ظاهرة في كل وجه من وجوه الديانة الجديدة، فترجع إلى ما سمعه محمد في رحلاته، وتعود إلى تعاليم بحيرى وورقة ابن نوفل وقس بن ساعدة حبر نجران، . وحالة محمد هي حالة وثني تحوَّل إلى التوحيد، وقد امتص نظرياته وتطبيقاته من حلقات العابدين والإنصات إلى الوعاظ المرشدين، وما درس سطراً واحداً مكتوباً من كتاب مقدس"( ).
ويقول في مكان آخر من كتابه: ".. وكان معظم ما عرفه محمد عن التوراة والتلمود والإنجيل نتيجة محاوراته ورقة بن نوفل وما التقطته أذناه في رحلاته، وإن هذه المعلومات مجتمعة، لهي التي جعلت محمداً يشرد بذهنه أثناء عمله، ويتكاسل فوق راحلته.."( ).
ويقول: ".. وما نعلمه عن بداية المسيح جد قليل، ولكن هذه البداية تتشابه عموماً مع حالة محمد، فقد كان المسيح غلاماً ذكياً تعلم سريعاً، واحتمال حصوله على عمل في يسر، كما حدث لمحمد، احتمال كبير، فقد كان يتميز مثله بالروح الواعية، التي تنبت فيها الأفكار دون وعي. وقد بقيت هذه الأفكار نائمة سنين طويلة، كما حدث لمحمد، ولم تبد هذه الأفكار في جلاء لكلا الرجلين حتى ظهرا كأصحاب وحي، فأصبح من المتعذر على كل من محمد والمسيح التعرف على ذكرياتهما التي تطورت إلى أفكار جديدة. فقد كانا يعتقدان اعتقاد اليقين أن الله يوحي إليهما، ومن المحتمل أن يكون ذلك صحيحاً "( ).
ويقول في مكان آخر: ".. وقد اختلف محمد عن زملائه من التجار، فإنه بعد أن ينقضي يومه يقضي وقته في السوق أو في دار صديق، حيث يجتمع المغنون ورواة القصص والشعراء، ولطالما أنصت هناك إلى الفلاسفة ورجال الأديان يتلاحون في أمور دينهم وعقائدهم.."( ).
ويقول عن لقاء النبي محمد  بالراهب بحيرى، عندما سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام تاجراً وهو صغير: ".. فأخبر بحيرى محمداً بعقيدة عيسى، وسفه عبادة الأصنام، أرهف محمد إلى ما ينطق به الرجل، إذ كان غريباً يخالف ما نشأ عليه واعتقد فيه.."( ).
ويعلق مترجما كتاب بودلي إلى العربية على هذا بقولهما: "يمهد المؤلف بهذا لأن يقول في الفصول الأخيرة: إن محمداً قد تعلم من بحيرى ما جاء في القرآن من نصوص تتفق مع نصوص الكتاب المقدس، على الرغم من أن محمداً لم ير الكتاب المقدس، وإن هذا التعليل واه، فقد كان محمد في العاشرة من عمره( )، ومن غير المعقول أن مقابلة واحدة بين بحيرى ومحمد وهو في سن العاشرة تترك كل هذا الأثر. وإن من حظ بحيرى أن قابل محمداً. فلولا هذه المقابلة لاندثر كما اندثر ملايين الرهبان قبله وبعده "( ).
أضيف هنا إلى ما قاله المترجمان: إنه لم ترد معلومات صحيحة أو غير صحيحة في مصادر السيرة النبوية تفيد بأن بحيرى أخبر محمداً بعقيدة عيسى أو سفه ـ أي بحيرى ـ عبادة الأصنام، فكل الذي ذكرته المصادر هو أن الراهب بحيرى عندما قال للرسول : "يا غلام! أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه"، قال له الرسول : "لا تسألني باللات والعزى، فو الله ما أبغضت شيئاً بغضهما"( ).
إن فرية أَخْذ محمد  عن بحيرى متداولة في مؤلفات المستشرقين، ومن مراجع بودلي التي تناولتها بهذه الصورة: آرفنج، في كتابه: "حياة محمد "، ومما قاله بهذا الصدد: ".. وأعجب بحيرى كثيراً بعقلية الصبي محمد ورغبته في الاستزادة من العلم، وبخاصة في المسائل الدينية، وتبادل الراهب مع محمد الحديث في عدة مواضيع.. وينسب الكثيرون معلومات محمد عن الدين المسيحي إلى محادثاته مع ذلك الراهب، وقد لعبت هذه المعلومات دوراً كبيراً في حياة محمد فيما بعد"( ). ومن أساتذة بودلي الذين روجوا لهذا الزعم هنري لامنس( ).
وقد رددنا على لامنس في هذه الفرية في بحث مستقل، بعنوا ن: " افتراءات المستشرق لامنس على السيرة النبوية"، وأنه كله لا يعدو كونه تخمينات وافتراءات وتخرصات لا تسندها نصوص قوية أو ضعيفة.
ومن مراجعه كذلك في هذه الناحية تور أندريه ( Tor Andree)( )، الذي يقول: ".. لاشك أن الأصول الكبرى للإسلام مستقاة من الديانتين اليهودية والمسيحية، وهذه لا يحتاج إثباتها إلى جهد كبير".
إن مزاعم بودلي بأن الرسول  تأثر برجال آخرين أمثال ورقة بن نوفل وقس بن ساعدة الإيادي والفلاسفة..إلخ فما ذكر فيما نقلناه عنه من نصوص، كلها مجرد استنتاجات باطلة لا تستند إلى حقائق تاريخية أو روايات صحيحة أو ضعيفة، ولذا يجب الإعراض عنها، فهي سمة بارزة مشتركة في كتابات المستشرقين من أصحاب الأهواء والأغراض، فهم يريدون أن يوهموا قراءهم بأن محمداً  ألَّف القرآن وفق هذه المعطيات التي يوردونها( ).
ولا يفوتنا أن نذكر أن مزاعم استقاء أصول القرآن الكريم وتلقيها من الديانات السماوية وغير السماوية السابقة قال بها كفار قريش ويهود المدينة، وسجلها القرآن الكريم. ومثال ذلك قول الله سبحانه وتعالى في رده على كفار قريش:                   [النحل:103].

15- الزعم باشتراك غير مسلمين في القتال مع المسلمين يوم بدر:
يزعم بودلي( )بأن جماعة من غير المسلمين اشتركوا في القتال مع المسلمين ضد كفار قريش في معركة بدر الكبرى، وأنهم ما خرجوا إلا للسلب.
ومما يدل على بطلان هذا الزعم ما رواه مسلم( ) من أن الرسول  قال لرجل مشرك أراد أن يشترك مع المسلمين في القتال يوم بدر: "ارجع فلن أستعين بمشرك"، قال له ذلك عندما عرض له في ثلاثة أماكن على الطريق إلى بدر. وعندما أقر الرجل بالإسلام قبله الرسول . ورفض الرسول  كذلك الاستعانة باليهود المشركين يوم أحد( )، وقد أقر بودلي( ) بهذا. علماً بأن رواية رفض الرسول  اشتراك المشرك الكافر يوم بدر وردت في الصحيح، ورواية رفض اشتراكه اليهود الكفار المشركين يوم أحد ليست في الصحيح!! كما تلحظ في حاشيتنا هنا. وهكذا يظل التناقض والجهل يلازمان بودلي في مزاعمه الكثيرة.
وقد أفرد الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ يرحمه الله ـ نحو ست عشرة صفحة من كتابه: " نقد القومية العربية"، لبيان عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب. أما تجويزه لذلك في فتواه ـ مع غيره من العلماء الخاصة بتحرير الكويت، فهو من باب الضرورة التي تبيح المحظور. ولم نقف على رواية قوية أو ضعيفة تؤيد ما ذهب إليه بودلي في زعمه المذكور.
16- تزييف الحقائق التاريخية في سيرة هند بنت عتبة رضي الله عنها:
يزعم بودلي أن هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان بن حرب، ووالدة معاوية رضي الله عنهم، كانت شهوانية، ولها عشاق، ورفضت أن يمسها أحدهم حتى تثأر لموت أبيها يوم بدر، وأنها لم تُسْلم، وماتت كافرة( ).
لم تذكر المصادر المعروفة المعتبرة هذه الصفة في هند بنت عتبة، لأنها كانت من الحرائر، ولها شرف في قومها، وكان زوجها زعيم قريش وقائدها في الحروب، وكان والدها عتبة وعمها شيبة ابنا ربيعة من سادة قريش وزعمائها، ولها موقف واضح من هذه الصفة المذمومة، وهو أنه عندما كان الرسول  يأخذ البيعة من النساء في اليوم الثاني من فتح مكة، وعندما قال ".. ولا تزنين"، قالت هند: وهل تزني الحرة( )؟!.
ولعل بودلي يشير في هذا الزعم إلى قصة طلاقها من الفاكه بن المغيرة المخزومي، حين اتهمها بأبي سفيان( )، يأتي ذكر هذا قريباً.
أما قوله إن هنداً لم تُسْلم وماتت كافرة، فلا أساس له من الصحة. فقد ذكرنا من رواية الطبري( ) أنها كانت ممن بايع الرسول  على الإسلام في اليوم الثاني لفتح مكة، وروى ذلك أيضاً ابن سعد( ).
وروى البخاري( ) ومسلم( ) وغيرهما( ) خبر مجيئها إلى النبي  وقولها له: "يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحبَّ إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك..".
أما زعمه بأنه كان لها عشاق، فلم نقف على مصدر هذه المعلومة. والذي نرجحه أنه يشير هنا إلى حديث مسافر وهند، وخلاصته من رواية ابن حبيب( ) وأبي الفرج الأصفهاني( ) أن مسافر بن أبي عمرو كان يعشق هنداً بنت عتبة، فخطبها إلى أبيها بعد فراقها الفاكه بن المغيرة، فلم ترض ثروته وماله، فوفد على النعمان بن المنذر اللخمي ليستعينه على أمره. فبينما هو عند النعمان، بلغه خبر زواجها من أبي سفيان، فمرض من الغم، فاستسقى بطنه، فكوي، فمات في طريق عودته إلى مكة.
وواضح من هذه القصة أن عشق مسافر لهند لم يكن عشق فجور، بل عشق عذري يفضي إلى الزواج. وهو أمر لا تنكره الشرائع السماوية.
وفي قصة هند مع الفاكه بن المغيرة دليل على أنها لم تكن ممن يتخذ العشاق. وخلاصة القصة أن هنداً كانت زوجاً للفاكه بن المغيرة قبل أبي سفيان، فطلبت منه الطلاق حين اتهمها في شرفها، فتزوجها أبو سفيان بعد طلاقها( ).
إن اتخاذ النساء العشاق وممارسة البغاء في الجاهلية لم يكن من ممارسات الحرائر، بل من ممارسات الإماء، اللائي كن يُكْرهن أحياناً على البغاء كما ذكر الله في القرآن:                        [النور:33]. ولا يعدو هذا الكلام في هند سـوى الإسـاءة إلى أحد رموز الإسلام، معاوية .
وأما زعمه بأن هنداً رفضت أن يمسها أحد عشاقها حتى تثأر لموت أبيها يوم بدر، فهو كذلك زعم باطل. إذ إن الذي تذكره المصادر أنها أقسمت ألا تبكي على أبيها وأخيها وعمها وبقية أهل بيتها الذين قتلوا ببدر، وألا تمس الدهن، ولا تقرب فراش زوجها، حتى تأخذ ثأرها من محمد وأصحابه( ).
فأين هذه الرواية من كلام بودلي؟‍‍! إنه التشويه المتعمد لحقائق التاريخ( ).
17- ويشوه سيرة والدة عمرو بن العاص :
يزعم بودلي( ) أن والدة عمرو بن العاص كانت عاهرة في الجاهلية.
لقد أخذ بودلي هذا الزعم من شيخه درمنجهم( )، واختصره وزاد فيه على الرغم من أن درمنجهم لم يذكر مصدراً أو مرجعاً لروايته هذه. أشار مترجم كتاب درمنجهم إلى العربية ـ زعيتر ـ إلى عدم الوقوف على مصدره. ولم نقف بدورنا على هذه الرواية في المصادر الموثوقة. ولا يعدو هدفه من هذا الزعم سوى الإساءة إلى أحد رموز الإسـلام، عمرو بن العاص .
18- يزعم بودلي أن هنداً بنت عتبة رضي الله عنها وعدت وحشياً الحبشي بالعتق إن هو قتل حمزة بن عبدالمطلب( ).
الثابت في الصحيح أن الذي وعد وحشياً بالعتق إن هو قتل حمزة هو مولاه جبير بن مطعم، ثأراً لعمه طعيمة بن عدي، الذي قتله حمزة بأمر من النبي  صبراً وهو في الأسر، حين العودة من غزوة بدر( ).
وفي رواية للواقدي( ) أن التي وعدته بالحرية إن هو قتل حمزة، هي مولاته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل، ويروي بصيغة التمريض، و بجملة اعتراضية، فيذكر:"ويقال كان جبير بن مطعم".وتقول هذه الرواية نفسها: إن وحشياً عندما أيقن بمقتل حمزة على يده، تذكر هنداً وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها يوم بدر، فشق بطن حمزة، وأخرج كبده، وجاء بها إلى هند، وقال لها:ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ قالت:سَلَبي، فمد إليها كبد حمزة، فمضغتها، ثم لفظتها، ثم أعطته ثيابها وحليها، ووعدته بعشرة دنانير حين رجوعها إلى مكة، وطلبت منه أن يريها مصرع حمزة وجسده، ففعل، فمثلت به( ).
ولم نقف على رواية تشير إلى أن هنداً وعدت وحشياً بالحرية إن هو قتل حمزة يوم بدر، ويبدو أن بودلي قد اعتمد على تخليط أحد أساتذته المستشرقين( ).

19- هل كانت مقاطعة الثلاثة الذين خُلفوا مدة شهر؟!
يزعم بودلي( ) أن مقاطعة الرسول  والمسلمين للمخلفين الثلاثة كعب ابن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، في غزوة تبوك كانت شهراً. والصواب أنها كانت خمسين ليلة كما في حديث كعب بن مالك  الطويل عند البخاري( ) ومسلم( ) وغيرهما( ).
20- هل خضعت الطائف للإسلام بالطريقة التي صورها بودلي؟!
يزعم بودلي( ) أن هناك سرايا أغارت على الطائف بعد رفع حصار المسلمين عنها، وأن الطائف سلمت للرسول  بعد حضور وفدها إلى النبي ، وبعد رفع الحصار عنها.
ولا أساس لهذا الزعم في مصادر السيرة المعروفة، فالرسول  رفع الحصار عن الطائف وعاد إلى المدينة عندما رأى عدم جدوى حصارها( ). ولم يرسل سرايا لتغير عليها بعد ذلك. وعندما جاءه وفد ثقيف معلناً الإسلام بعد نحو عام من رفع الحصار، وأرادوا أن يشترطوا على الرسول  شروطاً منها: إعفاؤهم من أداء الصلاة، بحجة عدم استساغتهم الركوع والسجود، ومن الوضوء بحجة أن بلادهم باردة الطقس، فلم يقبل، وقبل إعفاءهم من الزكاة والجهاد، وقال: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا"( ). ولا توجد شروط تتعلق بتسليم الطائف. فقد تركهم الرسول  وشأنهم منذ أكثر من عام، وكل الشروط المذكورة في المصادر الإسلامية الموثوقة لم تتضمن مسألة تسليم الطائف.
ويزعم أن خسارة المسلمين في حصار الطائف، كانت مروعة، وأن الرسول  فقد بعضاً من أحسن قواده( ).
لم تكن خسارة المسلمين مروعة أيام حصار الطائف، لأن عدد شهداء المسلمين كان حينها اثني عشر رجلاً فقط( )، ولم يفقد الرسول  بعضاً من أحسن قواده. فقد ذكر ابن إسحاق( ) أسماءهم، وليس من بينهم من عرف أنه كان من كبار قادته، ولكن أشهرهم عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما، والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي، وهما من السابقين إلى الإسلام( )، ولكنهما لم يكونا من أحسن القادة.
21- هل حكم سعد بن معاذ بالإعدام على بني قريظة لتسببهم في جرحه؟
يزعم بودلي( ) أن سعد بن معاذ  حكم بإعدام يهود بني قريظة لأنهم تسببوا بطريق غير مباشر في جرحه.
يشير بودلي هنا إلى الجرح الذي أصاب سعداً أثناء حصار المشركين للمدينة في غزوة الخندق ـ الأحزاب ـ وكون بني قريظة تسببوا في جرحه بطريق غير مباشر فليس ببعيد عن الصواب( )، ولكن هل كان هذا سبباً وراء حكمه بإعدامهم؟! من الواضح أن هذا مجرد استنتاج من بودلي ومشايخه، لم تذكره مصادرنا المعتمدة على التحرير، بل ذكرت أن السبب نقضهم العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وأرادوا حرب المسلمين مع الأحزاب( ). وهو حُكْمٌ حَكَمَ به الله عليهم قبل حكم سعد، وهو ما صرح به الرسول  عندما علق على حكم سعد، إذ قال: "قضيت بحكم الله تعالى"( ).
وقد دعا سعدٌ الله ـ حين أصيب ـ بأن لا يميته حتى يقر عينيه من بني قريظة، لأنهم نقضوا العهد، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية( )، ولعل الذي حمل بودلي على هذا الزعم، هو الأثر المروي عنه حين أصيب، وواضح بعد إيرادنا له أنه استنتج منه ذلك الزعم.
ويبدو أن بودلي قد تابع درمنجهم في هذا الاستنتاج، إذا يقول درمنجهم( ): "وكان النبي يعلم أن سعداً الذي جرح في غزوة الخندق جرحاً خطراً، حاقد على اليهود كثيراً لما أدوا إليه من إيقاد تلك الغزوة".
22- يزعم بودلي( ) أن أبابكر  رفض الزواج من حفصة رضي الله عنها، وكذلك عثمان ، والسبب واحد، وذلك عندما فاتحهما في هذا الأمر والدها عمر  إثر تأيمها من زوجها خُنَيس بن حذافة السهمي.
فالصواب أن عثمان  اعتذر عن زواج حفصة رضي الله عنها بحجة عدم حاجته في النساء في تلك الأيام التي توفيت فيها زوجته رقية بنت النبي ، وسكت أبوبكر لعلمه أن للرسول  رغبة في الاقتران بها لمواساتها، ولم يشأ إفشاء سر رسول الله ( ). أهكذا تكتب حقائق السيرة النبوية؟!
23- زعم بودلي( ) أن الهدايا التي أرسلها هرقل - ملك الروم - إلى محمد قد أرضته.
والذي وقفنا عليه في المصادر الأصلية أن هرقل عندما كتب إلى الرسول  رداً على رسالته إليه، قال: إني مسلم، وبعث إليه بدنانير، فقال رسول الله : "كذب عدو الله، وهو على دين النصرانية"، وقسم الدنانير على المحتاجين( ).
نعم كان الرسول  يقبل هدايا المشركين من أهل الكتاب ويرد هدية مشركي العرب( ). فأن يكون الرسول  قد قبل هدية هرقل أو قيصر الروم، فلا يستنكر، ولكن الذي يستنكر زعم بودلي بأنها أرضته. ولم يرد نص تاريخي يفيد بأن ذلك قد حدث.
24- زعم بودلي( ) أن الرسول  طلب من القبائل غير المسلمة الخروج معه إلى عمرة الحديبية.
يلحظ الناظر في الروايات المتعلقة بهذا الشأن أن الرسول  قد استنفر العرب ومن حول المدينة من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه مخافة أن تعرض له قريش بحرب عن البيت الحرام. ولم تذكر الروايات أن الذين استنفرهم كانوا غير مسلمين( ). وفي رواية الواقدي( ) أنه كان يمر بالأعراب فيما بين مكة والمدينة، فيستنفرهم، فيتشاغلون عنه بأموالهم وأبنائهم وذراريهم، ثم ذَكَرهم، وهم: بنو بكر ومزينة وجهينة. وواضح من هذه الرواية، إذا سلمنا بصحتها، وهي ليست بصحيحة عند المحدثين؛ لأن إسنادها غير متصل، ومن رواية الواقدي المتروك مع سعة علمه، يستنتج منها أنه كان يعني المسلمين منهم، وذلك بدليل أن الرواية ذاتها تذكر أن الرسول  عندما أصبح بالروحاء، لقي بها جماعة من بني نهد، معهم نعم وشاء، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا له وانقطعوا من الإسلام، وعندما أهدوا إليه لبناً لم يقبله منهم، وقال: "لا أقبل هدية مشرك"، وابتاع منهم( ). فكيف يجوز عقلاً أن يرفض هديتهم ويقبل خروجهم معه؟ وقد بينا في مكان سابق من هذا البحث أن الرسول  رفض في كل المناسبات أن يستعين بالمشركين في الحرب، وكان مستعداً للحرب إذا فرضت عليه في تلك السفرة.
ثم إن الروايات تشير إلى أن من خرج معه من الأعراب كانوا قليلين. وأوضح دليل على أن كل من خرج معه من المدينة أو لحق به من الأعراب كانوا مسلمين هو ما جاء في خبر بيعة الرضوان. فقد جاء في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عنهم لاستعدادهم للجهاد مع الرسول  ومنازلة قريش بالسيف حتى الموت، ماعدا الجد بن قيس لنفاقه، حين حبسوا عثمان بن عفان  في مكة( )، فقـال:                      [الفتح:18]. ورضي عنهم الرسول  ووعدهم الجنة، كما في قوله  "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها"( )، وقال عنهم: "إنهم خير أهل الأرض"( )؛ فما دام الاستثناء قد جاء للجد بن قيس فقط لنفاقه، فمن باب أولى أن يأتي استثناء للكفار إن كانوا فعلاً في أصحابه من أهل الحديبية.
ولو كان الأعراب الذين استنفرهم من الكفار ما عاتبهم الله سبحانه وتعالى وكشف عن نياتهم وحقيقة مواقفهم من الاستنفار، إذ قال:                                       [الفتح:11]. فمن يطلب الاستغفار لتقصير منه؟ لابد أن يكون من المسلمين.
25- يذكر بودلي( ) أن هاجر طردت من خيام إبراهيم عليه السلام بتحريض من سارة، وهامت على وجهها في الصحراء.
إن قصة هاجر كما تروي مصادرنا ليست كما ذكر، نعم تقول مصادرنا إن الغيرة اشتدت بسارة عندما ولدت هاجر إسماعيل عليه السلام، فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء( ). ولذا هربت هاجر مع زوجها إبراهيم عليه السلام( )، ولم تطرد كما يدعي بودلي. وسار بها في الصحراء إلى أن وصل مكان بئر زمزم الحالية بمكة، وليس بها يومئذ أحد، لا ماء ولا طعام، ووضع عندها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم رجع إلى موطنه، فتبعته وهي تقول حينها مراراً: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ وهو لا يلتفت إليها، وأخيراً قالت له: آالله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا"، ثم رجعت إلى حيث أنزلها. فانطلق حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرى، استقبل بوجهه البيت الحرام، ثم دعا ربه قائلاً:                             [إبراهيم: 37]. ثم كان ما كان من بقية القصة ومجيء إبراهيم عليه الصلاة والسلام مرتين أخريين إليها، وبنى الكعبة بمساعدة ابنه إسماعيل بأمر الله سبحانه وتعالى في رواية طويلة عند البخاري( )، وغيره.
وكان الأمر كله بتدبير الله، لا بتدبير البشر، لحكمة أرادها ويعلمها، ولكن لا يريد أن يعلمها أمثال بودلي.
26- يزعم بودلي( ) أن الرسول  أمَّ الناس في صلاة شكر في اليوم الذي انتهت فيه معركة أحد.
الذي حدث أن الرسول  عندما فرغ من دفن شهداء غزوة أحد، ركب فرسه ومعه أصحابه، فلما كانوا بأصل أحد، قال: "اصطفوا حتى أُثني علي ربي عز وجل"، فاصطف الرجال خلفه صفوفاً، خلفهم النساء، فأخذ في الدعاء للمسلمين والدعاء على المشركين( ).
ولم يثبت أن الرسول  صلى يوماً صلاة شكر جماعة، لا يوم أحد ولا غيره، بل الثابت سجود الشكر، وفي غير هذا الموطن. ولم نقف على أصل لصلاة شكر جماعية كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية اليوم.
27- يذكر بودلي( ) أن مسطح بن أثاثة كان صديقاً لأبي بكر.
الذي ثبت في الصحيح أنه كان قريباً لأبي بكر( )؛ وحدد ابن إسحاق( ) هذه القرابة، فروى أنه ابن بنت خالته. ولا يستبعد أن يكون القريب صديقاً، ولكن لم نقف على رواية تفيد بأنه كان صديق أبي بكر.
28- يزعم بودلي( ) أن حسان بن ثابت  أحب مارية القبطية رضي الله عنها، ولذا وهب له الرسول  سيرين أختها.
لم تذكر مصادرنا هذا الزعم. بل الذي تذكره أن الرسول  عندما وصلته هدية المقوقس، حاكم مصر حينها، وفيها مارية وأختها سيرين، تسرَّى بمارية، وأهدى أختها سيرين إلى صاحبه حسان بن ثابت ( ) وفي رواية أن الرسول  منح حساناً سيرين عوضاً له عن الضربة التي ضربه إياها صفوان ابن المعطل عندما هجاه( ).
29- يزعم بودلي( ) أن من أسباب فتح خيبر أن محمداً شاء أن يعوض خيبة الأمل التي فرضها على أصحابه في الحديبية، ورغبته في استخدام جيشه الجديد.
لم نقف على هذا الزعم في المصادر التي بين أيدينا، بل ذكرت ما ذكره بودلي( ) في مكان آخر في هذا الصدد، وهو أن يهود خيبر ظلوا يؤلفون خطراً أمنياً لدولة الإسلام الناشئة، وبخاصة عندما نزل بعض كبار زعماء بني النضير بخيبر، بعد إجلائهم عن المدينة: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق وحيي بن أخطب. فلما نزلوها دان لهم أهلها. نزلوها بأحقادهم القديمة ضد المسلمين، ولذا كانوا يتحينون الفرص للانتقام، ووجدوا في قريش وبعض قبائل العرب المشركة مطية ذلول للوصول إلى هدفهم، فحملوهم على غزوة الخندق، وسعوا في إقناع بني قريظة للانضمام إليهم والغدر بالمسلمين. وقد وجد حيي بن أخطب داخل حصن بني قريظة حين حاصرهم الرسول ، وأخرج، فقال له رسول الله  "هل أخزاك الله؟"، قال: قد ظهرت عليَّ، وما ألوم نفسي فيك، فأمر به الرسول  فقتل( ).
وكانت هدنة صلح الحديبية فرصة أمام المسلمين لتصفية هذا المصدر الخطير، ووعد الله المسلمين بمغانم كثيرة يأخذونها إذا فتحوا خيبر، كما أشارت الآية الكريمة:                                         •                       [الفتح: 18ـ21]. ومما ورد في تفسير:      ، ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر ومكة وسائر البلاد عليهم( ). وقال مجاهد في تفسير قوله:      يعني فتح خيبر( )، وقال العوفي عن ابن عباس  أن المقصود من قوله تعالى:         ᠄

 

جميع الحقوق ©  محفوظة لـ مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق 2005

تصميم و تطوير : Aziz.fm