الاستشراق والحديث

تقديم

صوّب المستشرقون سهامهم أو سهام بحوثهم ونقدهم تجاه السنّة النبوية المطهرة يطعنون فيها وفي حجيتها وفي جهود العلماء المسلمين من سلف هذه الأمة في حفظها وتدوينها وقد تولى كبر الطعن في السنة الشريفة بعض كبار المستشرقين من أمثال المستشرق اليهودي المجري اجناز جولدزيهر وجوزيف شاخت وجيمس روبسون وغيرهم.

وفي هذا القسم نقدم عدداً من البحوث التي قدمت في الندوة التي عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.



تدوين السنّة

من أبرز الطعون في هذا المجال أن اختار المستشرقون الوقوف إلى جانب الرأي القائل بأن السنة لم تلقى أي تدوين، واحتجوا لذلك بوجود بعض الأحاديث التي تسمح بكتابة الحديث بينما يعارض بعضها الكتابة، وقد وصل العلماء المسلمون إلى أن المنع عن الكتابة كان في أوائل الدعوة الإسلامية حتى لا تختلط السنة بالقرآن الكريم، وأن السماح بالكتابة هو الأغلب وقد وجد من الصحابة الكرام y من قام بالكتابة، ووجدت عدة صحف تحتوي على عدد كبير من الأحاديث.

وأضاف المستشرقون سبباً آخر لفقدان الحديث أو وقوع الوضع فيه أو التزييف كما يقولون هو الصراعات السياسية بين فئات المجتمع بحيث لجأت بعض الفرق -وهم يزعمون أن كل الفرق فعلت هذا- إلى الوضع في الحديث، كما إن تطور الظروف الاجتماعية ودخول ثقافات أخرى إلى حياة المسلمين كالتأثر بالفرس والرومان والثقافة اليونانية والنصرانية واليهودية أدى إلى دخول كثير من الأفكار الدخيلة إلى الحديث النبوي الشريف.

وزعم المستشرقون أيضا أن الوضع في الحديث قد تأثر بتطور الحياة واحتياج المسلمين إلى تشريعات تواجه هذه التطورات فلجأوا إلى الوضع، ويزعمون أن الحديث الشريف لم يكن له حجية كاملة في بداية الدولة الإسلامية حيث اكتفى المسلمون بالقرآن الكريم، ولكن هذه التطورات جعلتهم يلجأون للحديث الشريف، فإن لم يجدوا رواية لحديث في المجال الذي يريدون قاموا بوضع الحديث. وقد أضاف بعض المستشرقين أن الوضع يكون أحياناً لأهداف شخصية.

ويمكن الرد على مزاعم المستشرقين من جهتين:

1- rبيان جهود العلماء المسلمين لحفظ حديث الرسول.

- ذكر بعض الدراسات الحديثة للرد على شبهات المستشرقين في العصر الحديث.

أما جهود علماء الحديث في المحافظة على حديث رسول الله r فمبسوطة في كتب علم الحديث، ويكفي أن نذكر أسماء العلوم التي وضعها علماء هذه الأمة الخاصة بالحديث الشريف ومنها علم مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم مشكل الحديث، وأسباب ورود الحديث، والناسخ والمنسوخ في الحديث الشريف وغيرها. فهذه العلوم بما تحويه مكتباتنا من مجلدات ضخمة فيها تدل دلالة واضحة على الجهود العجيبة التي بذلها المسلمون للمحافظة على الحديث الشريف.

أما مسألة الحفظ هذه المدة الطويلة فقد أوتي العرب ملكة الحفظ حيث كانوا يحفظون آلاف الأبيات من الشعر، ويحفظون الأنساب، ويحفظون أيام العرب وتواريخهم، وهذه الملكة تقوى مع الاستخدام والتدريب، ولمّا كانت العرب في الغالب أمة أمية فقد لجأوا إلى الحفظ، وقد أثبت التاريخ هذا الأمر في مجال الحديث بصفة خاصة وحتى يومنا هذا، فكم عدد النصارى الذين يحفظون كتابهم "المقدس" في مقابل الأعداد الغفيرة من المسلمين الذين يحفظون القرآن الكريم وكتب الحديث النبوي الشريف.

أما في الماضي فقد كان عالم الحديث الذي ينال لقب "حافظ" وكانوا كُثراً، فكان يحفظ آلاف الأحاديث بأسانيدها، ولو رجعنا إلى الاختبارات التي دخلها بعض علماء الحديث في مسألة الحفظ لذهلنا من هذه القدرة العجيبة، فقد قرأ على الإمام البخاري رحمه الله تعالى مئة حديث مقلوبة الأسانيد فأعاد كل حديث إلى سنده، وقد روي أن الإمام أحمد بن حنبل كان يجعل ابنه يحفظ الأحاديث الموضوعة أولاً ثم يقول له هذه موضوعة فابدأ الآن بحفظ الأحاديث الصحيحة.

وبالإضافة إلى هذه القدرة العجيبة في الحفظ فثمة مسألة أخرى وهي تمسك المسلمين بدينهم وحبهم لحديث رسول الله r. والدليل على ذلك أن كثيراً من علماء الحديث أنفقوا أعمارهم في دراسة الحديث والرحلة في طلب الحديث، وقد اعترف بعض المستشرقين بهذه الجهود، وكيف لا يحرص المسلمون على حديث رسول الله r وهو الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية،والحديث هو حديث نبيهم وحبيبهم r.

وأما ما يدعوه أن مسألة تطور الحياة الاجتماعية في الدولة الإسلامية مما أدى إلى الحاجة للحديث فبدأ المسلمون في البحث عن التشريعات في القرآن الكريم فإن لم يجدوا بحثوا عن الحديث فإن لم يجدوا حديثاً وضعوه فهذا والله منتهى السخف من المستشرقين، فقد كان الحديث موجوداً دائماً، والترتيب في البحث عن أدلة الأحكام إنما هو بترتيب أهمية هذه الأدلة، ولو لم يكن الحديث موجوداً لما عرفنا الحديث الذي يقول (عليكم بكتاب الله وسنتي، لا يزيغ عنهما إلاّ هالك) وفي حديث آخر (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).

ومن افتراءات المستشرقين على الحديث الشريف زعمهم أن علماء الحديث اهتموا بالسند أكثر من اهتمامهم بمتن الحديث، وأضافوا أنه من السهل على أي شخص أن يأتي بالسند الذي يرغب ويضيف له ما يشاء من كلام.

ويقول ساسي سالم الحاج في الرد على هذه الفرية "يبدو للباحث منذ الوهلة الأولى اهتمامهم بسند الحديث أكثر من اهتمامهم بمتنه، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فهم عندما قسّموا الأحاديث إلى صحيحة وحسنة فإنهم في الحقيقة تناولوا السند والمتن معاً أو السند دون المتن أو المتن دون السند000 وعند حديث العلماء عن الحديث المعلل فإنهم لم ينفوا تعليل المتن، فقالوا "لايطلق الحكم بصحة حديث ما لجواز أن يكون فيه علة في متنه، وقد جاءوا بشواهد كثيرة على ذلك"

- الظاهرة الاستشراقية1/2،ص 603-604

تاريخ الطباعة : 21/11/2017

مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق

http://www.madinacenter.com