المدرسة الفرنسية

تعد المدرسة الفرنسية من أهم المدارس الاستشراقية وبخاصة منذ إنشاء مدرسة اللغات الشرقية الحية سنة 1795م 1والتي رأسها المستشرق المشهور سلفستر دي ساسي، وكان هذا المستشرق يعد عميد الاستشراق الأوروبي في النصف الأول من القرن التاسع عشر دون منافس.[1]

ويقول السامرائي عن كتاب ساسي في قواعد اللغة العربية إنّه "قد لوّن الاستشراق الأوروبي بصبغة فرنسية، "أما اهتمامات دي ساسي فقد تنوعت حيث شملت اللغة العربية وآدابها والتاريخ والفرق والجغرافيا، وهي فترة كما يقول السامرائي افتقدت إلى التخصص حيث كان المستشرق بمجرد دخوله هذا المجال يظن أنه يستطيع أن يكتب في كل ما يخص الإسلام والمسلمين، ولكن هذا النمط استمر كثيراً بعد هذه الفترة حتى يومنا هذا .[2]

ونشط الاستشراق الفرنسي قبل الحملة الفرنسية على مصر وبعدها، فقد اصطحب نابليون معه عدداً كبيراً من العلماء في المجالات المختلفة ليحدث هزة انبهار لدى المسلمين وعلمائهم بالحضارة الغربية، وليزيد في دراسة أوضاع المجتمعات الإسلامية، وقد صدر عن هذه الحملة كتاباً ضخما بعنوان (وصف مصر) كما إن نفوذ الاستشراق الفرنسي استمر بعد وصول محمد علي سرششمة إلى السلطة حيث بدأت البعثات العلمية في عهده وكانت تحت إشراف المستشرق الفرنسي جومار، وقد أرسلت تركيا وإيران والمغرب الأقصى بعثات مماثلة، ويقول الأستاذ محمد الصباغ في كتابه عن الابتعاث ومخاطره أن السبب في أن أولى البعثات العلمية قد توجهت إلى فرنسا أنها كانت أول الدول الأوروبية التي اتخذت العلمانية منهج حياة، وان الفساد الأخلاقي كان ينتشر فيها أكثر من غيرها من الدول الأوروبية.

ويذكر المنوني في كتابه المهم (يقظة المغرب العربي الحديث) أن المشرف على البعثة المغربية كتب إلى السلطات الفرنسية لتسمح للمبتعثين بالبقاء في فرنسا مدة من الزمن بعد انتهاء مهمتهم ليتشبعوا بالحضارة الفرنسية وعظمة فرنسا، ويقول المستشرق الإنجليزي برنارد لويس أن المعلمين الفرنسيين الذين بعثتهم فرنسا لتدريب الجيش التركي حملوا معهم كتبا مختارة في الأدب والفكر، كما إن الطلاب المبتعثين شُجّعوا على قراءة كتب الأدب والثقافة.

وأنشأ الفرنسيون في العصر الحاضر الكثير من مراكز الدراسات الاستشراقية والأقسام العلمية في جامعاتهم ومنها جامعة السوربون في باريس وجامعة ليون وجامعة مارسيليا وجامعة اكس ان بروفانس وغيرها، ومن المراكز المهمة معهد دراسات المجتمعات المتوسطية، ومركز دراسات وبحوث العالم العربي والإسلامي بإكس، وتستضيف فرنسا حالياً عدداً من الباحثين المسلمين الذي انحرفوا عقديا وفكرياً وتهيئ لهم الفرص لبث فكرهم، ولا تكاد تفتح إحدى الصحف المهاجرة إلّا وتقرأ أسماء هؤلاء كأن العالم الإسلامي لم ينجب إلاّ المنحرفين.



من أعلام المستشرقين الفرنسيين
1- سيلفستر دي ساسي Silvester de Sacyء (1758م-1838م)

ولد في باريس عام 1758م، وتعلم اللاتينية واليونانية ثم درس على بعض القساوسة منهم القس مور والأب بارتارو، ثم درس العربية والفارسية والتركية. عمل في نشر المخطوطات الشرقية في مكتبة باريس الوطنية، وكتب العديد من البحوث حول العرب وآدابهم وحقق عدداً من المخطوطات.

عين أستاذا للغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية الحية عام 1795م وأعد كتاباً في النحو ترجم إلى الإنجليزية والألمانية والدنمركية، وأصبح مديراً لهذه المدرسة عام 1833م، وعندما تأسست الجمعية الآسيوية انتخب رئيساً لها عام 1822م. ومن أبرز اهتماماته "الدروز" حيث ألف كتاباً حولهم في جزأين، أصبحت فرنسا في عهده قبلة المستشرقين من جميع أنحاء القارة الأوروبية ويقول أحد الباحثين إنّ الاستشراق اصطبغ بالصبغة الفرنسية في عصره، عمل دي ساسي مع الحكومة الفرنسية وهو الذي ترجم البيانات التي نشرت عند احتلال الجزائر وكذلك عند احتلال مصر من قبل حملة نابليون عام 1797م.[3]



2- لوي ماسنيونLouis Massingon ء (1883م-1962م)

ولد في باريس وحصل على دبلوم الدراسات العليا في بحث عن المغرب، كما حصل على دبلوم اللغة العربية من مدرسة اللغات الشرقية الحية (فصحى وعامية) زار كلاً من الجزائر والمغرب وفي الجزائر انعقدت الصلة بينه وبين بعض كبار المستشرقين مثل جولدزيهر وآسين بلاثيوس وسنوك هورخرونيه ولي شاتيليه.

التحق بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة عدة أعوام (1907م-1908م) وفي عام 1909م عاد إلى مصر وهناك حضر بعض دروس الأزهر وكان مرتدياً الزي الأزهري، زار العديد من البلاد الإسلامية منها الحجاز والقاهرة والقدس ولبنان وتركيا، عمل معيداً في كرسي الاجتماع الإسلامي في معهد فرنسا (1919م-1924م) وأصبح أستاذ كرسي (1926م-1954م) ومديراً للدراسات في المدرسة العلمية العليا حتى تقاعده عام 1954م.

لقد اشتهر ماسنيون باهتمامه بالتصوف الإسلامي وبخاصة بالحلاج حيث حقّق ديوان الحلاج (الطواسين) وكانت رسالته للدكتوراه بعنوان (آلام الحلاج شهيد التصوف) في جزأين وقد نشرت في كتاب تزيد صفحاته على ألف صفحة (ترجم الكتاب إلى اللغة الإنجليزية) وله اهتمام بالشيعة والتشيع، وعرف عن لويس صلته بالحكومة الفرنسية وتقديمه المشورة لها.



3- ريجيس بلاشيرR.L. Blacherء (1900م-1973م)

ولد في باريس وتلقى التعليم الثانوي في الدار البيضاء وتخرج باللغة العربية من كلية الآداب بالجزائر، تولى العديد من المناصب العلمية منها أستاذ اللغة العربية في معهد مولاي يوسف بالرباط، ومدير معهد الدراسات المغربية العليا (1924م-1935م)، وأستاذ كرسي الأدب العربي في مدرسة اللغات الشرقية الحية بباريس وأستاذاً محاضراً في السوريون ثم مدير مدرسة الدراسات العليا والعلمية، ثم أستاذ اللغة العربية وحضارتها في باريس.

من أبرز إنتاجه ترجمته لمعاني القرآن الكريم وكذلك كتابه (تاريخ الأدب العربي) في جزأين وترجمه إلى العربية إبراهيم الكيلاني، وله أيضاً كتاب (أبو الطيب المتنبي: دراسة في التاريخ الأدبي).



4- مكسيم رودنسونMaxim Rodinson ء 1915م.

ولد في باريس في 26 يناير 1915م، وحصل على الدكتوراه في الآداب ثم على شهادة من المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية والمدرسة العلمية العليا، تولى العديد من المناصب العلمية في كل من سوريا ولبنان في المعاهد التابعة للحكومة الفرنسية هناك، تولى منصب مدير الدراسات في المدرسة العلمية للدراسات العليا قسم العلوم التاريخية واللغوية ثم محاضراً فيها قسم العلوم الاقتصادية والاجتماعية، نال العديد من الأوسمة والجوائز من الجهات العلمية الفرنسة والأوروبية.

له العديد من المؤلفات منها (الإسلام والرأسمالية) و(جاذبية الإسلام) و(محمد)r و(إسرائيل والرفض العربي)، وله العديد من الدراسات التاريخية والتاريخ الاقتصادي للعالم الإسلامي.

وهناك العديد من المستشرقين الفرنسيين البارزين مثل هنري لاوست وكلود كاهن وشارل بيلا وإميل درمنجهم والأب لويس جارديه والأب البلجيكي الأصل الفرنسي الجنسية الأب لامانس. وأندريه ريموند ، وروبير مانتران. وغيرهم.

[1] -السامرائي، الفهرس الوصفي للمنشورات الاستشراقية في جامعة الإمام ،1408 ،ص 15

[2] - المرجع نفسه س 9

[3] -Said. Orientalism, p129.

تاريخ الطباعة : 23/10/2017

مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق

http://www.madinacenter.com