متى ينشأ علم الاستغراب؟؟


متى ينشأ علمالاستغراب؟
بقلم د.مازن صلاح مطبقاني



وَحدة دراسات العالم الغربي
بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
www.madinacenter.com


الاستغراب يمكن تعريفه باختصار أنه العلم الذي يهتم بدراسة الغرب (أوروبا وأمريكا) من جميع النواحي العقدية، والتشريعية، والتاريخية، والجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية ..الخ. وهذا المجال لم يصبح بعدُ علماً مستقلاً، ولكن لا بد أن نصل يوماً إلى المستوى الذي تنشأ فيه لدينا أقسام علمية تدرس الغرب دراسة علمية ميدانية تخصصية في المجالات العقدية والفكرية والتاريخية والاقتصادية والسياسية.

ولعل سائلاً يتساءل: لماذا ندرس الغرب؟ وكيف لنا أن ندرس هذا العالم الذي سبقنا بمراحل عديدة أو بعدة قرون؟ الأمر ليس صعباً أو مستحيلاً؛ فإننا إذا رجعنا إلى بداية الدعوة الإسلامية وجدنا أن المسلمين الأوائل حينما خرجوا لنشر الدعوة الإسلامية في العالم كانوا على معرفة بعقائد وعادات وتقاليد الأمم الأخرى، وكانوا يعرفونها سياسياً واقتصادياً وجغرافياً.
ولذلك فإن المسلمين الأوائل لم يجدوا صعوبة في تعرُّف على الشعوب الأخرى والتفاعل معها وأخذ ما يفيدهم مما لدى الأمم الأخرى من وسائل المدنيّة، إذ أخذوا الديوان والبريد وبعض الصناعات المهمة مثل صناعة الورق (الكاغد) التي طورّها المسلمون حتى أصبحت صناعة إسلامية.
وقد تجددت الدعوة لدراسة الغرب في منتصف هذا القرن في أحد مؤتمرات المستشرقين الدولية، فقد أشار رودي بارت في كتابه المهم (الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية) (ص15) إلى أهمية أن يتوجه العالم الإسلامي لدراسة الغرب أسوة بما يفعله الغرب في دراساته للعالم الإسلامي. وقد تناول هذا الموضوع الدكتور السيد محمد الشاهد، ثم ظهر كتاب الدكتور حسن حنفي (مقدمة في علم الاستغراب)، وإنني أحب أن أقتطف منه عبارة عن أهداف دراسة الغرب جـاء فيها أن من أهـداف دراسة الغرب: "فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس…"
كيف ندرس الغرب؟ لا بد من التخطيط الفعّال في هذه القضية إن أردنا أن ننجح حقاً في معرفة الغرب والإفادة من المعطيات الإيجابية للحضارة الغربية. ويحتاج هذا الأمر إلى عشرات اللجان في العديد من الجامعات العربية والإسلامية لوضع الخطط اللازمة لهذه الدراسات. ولكن حتى يتم ذلك لا بد من التفكير في الطريقة المثلى لهذه الدراسات.
وبعد البدء في برامج اللغات العربية استعانت الجامعات الأمريكية بعدد من أساتذة الجامعات البريطانيين بخاصة، والأوروبيين بعامة، لتدريس الاستشراق في الجامعات الأمريكية، كما بدأت الاستعانة ببعض أبناء المنطقة لإنشاء أقسام دراسات الشرق الأدنى، كما فعلت جامعة برنستون حينما كلّفت فيليب حِتّي لإنشاء القسم في الجامعة. ثم بدأ التعاون بين أقسام دراسات الشرق الأوسط والمؤسسات العلمية الأخرى مثل مؤسسة الدراسات الاجتماعية والإنسانية وغيرها من المؤسسات العلمية والأكاديمية.
وفي العالم الإسلامي يكاد لا ينقصنا دراسة اللغات الأوروبية، ولكننا بحاجة إلى من يتعلم هذه اللغات ليصل إلى مستوى رفيع في التمكن من هذه اللغات، وبالتالي الدراسة في الجامعات الغربية والتركيز في قضايا الغرب وليس دراسة موضوعات تخص العالم الإسلامي. كما أننا بحاجة إلى من يتعمق في علم الاجتماع الغربي ليعرف مجتمعاتهم كأنه واحد منهم. ولم تعد هذه المسألة صعبة؛ فإن في الغرب اليوم كثيراً من المسلمين من أصول أوروبية وأمريكية يستطيعون تعرف بيئاتهم معرفة حقيقية ولا يعوقهم شيء في التوصل إلى المعلومات التي يرغبون في الحصول عليها. ولا بد من التأكيد على أن دراستنا الغرب يجب أن تستفيد من البلاد التي سبقتنا في هذا المجال، ومن ذلك أن عدداً من البلاد الأوروبية قد أنشأت معاهد للدراسات الأمريكية، فهناك معهد الدراسات الأمريكية التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن.

ودراستنا الغرب لا شك ستختلف عن دراسة الغرب لنا، ذلك أن الغرب بدأ الاستشراق فيه منطلقاً من توجيهات وأوامر البابوات لمعرفة سر قوة المسلمين وانتشار الإسلام في البلاد التي كانت خاضعة للنصرانية. وكان القصد ليس فقط معرفة الإسلام والمسلمين، ولكن كانت أيضاً لهدفين آخرين: أحدهما تنفير النصارى من الإسلام، والثاني إعداد بعض رجال الكنيسة للقيام بالتنصير في البلاد الإسلامية.
أما نحن فحين نريد دراسة الغرب ومؤسساته وهيئاته فأولاً نحن بحاجة للأخذ بأسباب القوة المادية التي وصلوا إليها، أليس في كتابنا الكريم ما يؤكد هذا{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}(الأنفال 60)
والأمر الآخر أننا حين ندرس الغرب فليس لدينا تطلعات استعمارية، فما كان المسلمون يوماً استعماريين. ولكننا نريد أن نحمي مصالحنا ونفهم طريقة عمل الشركات المتعددة الجنسيات التي ابتدعها الغرب وأصبحت أقوى نفوذاً من كثير من الحكومات.
والأمر الثالث وهو أمر له أهميته الخاصة، أن هذه الأمة هي أمة الدعوة والشهادة؛ فإن كان الأنبياء قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يُكَلّفون بدعوة أقوامهم بينما الدعوة الإسلامية موجهة إلى العالم أجمع، وقد كلّف المسلمون جميعاً بحمل هذه الأمانة قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن، وجاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها؛ فربّ مُبَلّغٍ أوعى من سامع أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). ونحن أمة الشهادة فكيف لنا أن نشهد على الناس دون أن نعرفهم المعرفة الحقيقية؟!
ولن يكون علم الاستغراب لتشويه صورة الغرب في نظر العالم، ذلك أننا ننطلق من قوله تعالى {ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله}، ولنا أسوة في ذلك بما ورد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في وصف الروم بقوله: "إنّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك".
فمتى ينشأ علم الاستغراب؟!






تاريخ الطباعة : 23/11/2017

مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق

http://www.madinacenter.com