ندوة الحج والإعلام بجامعة أم القرى


دعا المجلس الأعلى للإعلام وجامعة أم القرى ممثلة في مركز أبحاث الحج إلى ندوة علمية بعنوان الإعلام في الحج في الفترة من 28جمادىالآخرة حتى الأول من رجب 1415هـ من هذا العام، وهي ندوة ظهر فيها تنوع في خلفيات الجهات التي شاركت، كما ظهر فيها جهد كبير في البحوث وأوراق العمل.

ونظراً للأهمية الكبرى التي يحظى بها الإعلام في حياتنا، فلا بد أن يكون له أهمية خاصة في موسـم الحج الذي كان موضوع الندوة. فالحج هو ركن الإسلام العظيم الذي تجتمع خلاله الأركان الخمسة جميعها من توحيد وصلاة وصيام وصدقة. ويقدم الحج البرهان العملي على أن الأمة الإسلامية أمة وحدها من دون الناس كما جاء في الصحيفة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم حين مقـدمه إلى المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار وبين غيرهم من سكان المدينة ممن لم يكن قد دخل الإسلام حينها. وهذا ما تؤكده الآية الكريمة {وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}

وقد نال هذا الموضوع اهتماماً خاصاً في بحث الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد الموسوم (العمل على إشاعة روح الأخوة بين الحجاج والانتماء للأمة الواحدة). وقد أورد الدكتور حميـد العديد من الشواهد والأدلة على وحدة الأمة الإسلامية وكيف يمكن تنميتها من خلال برامج خاصـة. وقد أفاض الشيخ حفظه الله في الاستشهاد بأقوال بعض المستشرقين في كيفية تحقق الوحـدة الإسلامية في الحج. وكان من توصيات هذا البحث القيم قول الشيخ: "التنسيق بين فئات الحجاج لتبادل الزيارات فيما بينهم، وأعني بذلك عينات من أعيانهم ووجهائهم ومثقفيهم وأصحاب الفكر ليقابلوا إخوانهم من الجنسيات الأخرى في مواقعهم ومخيماتهم حسب برامج وأهداف محددة."

وهذا الأمر وإن كان يتم في الوقت الحاضر -فيما أعلم- ولكن في حدود ضيقة وبدون برامج محددة فإن توصية الشيخ تستحق الاهتمام بها من الجهات الداعية لهؤلاء الحجاج حيث يمكن تبادل المعلومات قبل موسم الحج بوقت كاف، كما ينبغي أن يطلب من السفارات حين تصدر التأشيرات الخاصة لبعض كبار الشخصيات العلمية والفكرية أن تتولى إشعار إدارة العلاقات العامة في وزارة الحج، فحتى لو كان الشخص لا يرغب أن يكون ضيفاً على أحد لكن ينبغي لنا الاحتفاء بهؤلاء وهو في الحقيقة هدي نبوي بالاحتفاء برؤساء القبائل وأشرافهم وذوي الأحلام منهم. بل ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصلاة: (ليلني أولي الأحلام والنهى)

وكم سررت حين عدت لمقالة الأسبوع الماضي فوجدت أنني تقدمت باقتراح قريب لاقتراح الشيخ وإن كان اقتراح الشيخ أعم في أن يكون اللقاء بين العلماء من مختلف البلدان التي يقدم منها الحاج، لكن يبقى من المهم أن يكون لنا استفادة خاصة في هذا البلد وكان مما جاء في اقتراحي الذي أعيده باختصار بأن تطلب الجهات المستضيفة للحجاج أو العلاقات العامة في وزارة الحج بالطلب من أساتذة الجامعات، وأضيف وغيرهم من المفكرين والمثقفين في هذه البلاد بمرافقة هؤلاء الحجاج بعض الوقت إما بمقابل أو تطوعاً. فكم نحن بحاجة ماسّة إلى مثل هذه اللقاءات العلمية بين القيادات الفكرية في العالم الإسلامي برعاية هذا البلد المضياف الذي منّ الله عليه بالأمن والاستقرار. فمثل هذه اللقاءات ستسهم بإذن الله في وضع الخطط المناسبة لعل دول العالم الإسلامي تخرج من التصنيف الذي وضعت فيه وهو (دول العالم الثالث) أو (الدول النامية) وهي مصطلحات غربية قبلناها أم رفضناها ولكن قوة الإعلام الغربي فرضها علينا.

فليجتمع في ظلال الحج الرياضيون، والفيزيائيون، والكيميائيون، وعلماء الأحياء، والأطباء، والمهندسون، وليجتمع الأدباء والكتّاب، وليجتمع علماء الفقه، والحديث والسنة. ولتكن فرصة لاجتماع أرباب الصناعة والتجارة، فإن التبادل التجاري والصناعي بين البلدان الإسلامية ما زال أقل بكثير مما هو بين بعض البلاد الإسلامية وغيرها من البلدان غير الإسلامية.

أن هذه الأمة دستورها القرآن الكريم الذي جاء فيه عن الحج {ليشهدوا منافع لهم} وأي منافع بعد مغفرة الله ورضوانه أفضل من انتشال الأمة الإسلامية من حالها التي هي فيه إلى حال أفضل لتنطلق في تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم أجمع، و لتنتقل من حال الضعف إلى القوة، ومن حال الشتات إلى حال الوحدة. وقد قال القرطبي في تفسير هذه الآية:" ليشهدوا أي ليحضروا والشهود الحضـور،{منافع لهم} أي المناسك؛ كعرفات والمشعر الحرام, وقيل المغفرة وقيل التجارة.، وقيل هي عموم؛ أي ليحضروا منافع لهم أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة؛ قاله مجاهد و عطاء واختاره ابن العربي فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى. وأضاف الإمام القرطبي- رحمه الله توضيحا بقوله:" ولا خلاف في أن المراد بقوله { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} التجارة." أ.هـ.

ولئن سبقني كل من الدكتور عبد القادر طاش والدكتور عاصم حمدان والدكتور محمد خضر عريف وغيرهم في الكتابة حول وسائل الإعلام وأدائها في موسم الحج وغيره من المواسم، لكنني شعرت أن النقاش الصريح حول مدى وصـول الرسالة الإعلامية إلى المستقبلين كان ينبغي أن يتطور إلى الدعوة إلى عقد ندوة خاصة لمناقشة أداء وسائل الإعلام عموماً ليس في موسم الحج وحده بل على مدار العام أيضاً.

لقد اهتمت حكومتنا الكريمة بمجال الإعلام فأنشأت لذلك العديد من أقسام الإعلام في عدد من الجامعات - ربما آن الأوان ليتحول بعضها إلى كليات للإعلام- كما ابتعثت العديد من الطلبة المتفـوقين للحصول على الدرجات العليا في مجال الإعلام من الولايات المتحدة وبريطانيا. ولقد أصبح لدينا عدد كبير من الإعلاميين المتخصصين الذين يعد وجودهم دعماً مباركاً لجهود الإخوة العاملين في هذا المجال وقد تمرسوا فيه على مدى سنوات خبرتهم الطويلة.

ومن الأفكار الممتازة التي عرضها أحد الإخوة في بحثه ضرورة استعانة وسائل الإعلام بالمتخصصين وببيوت الخبرة الإعلامية لقياس درجة الاستجابة لدى الجمهور المستقبل، وأكد أن مثل هذه الدراسات التي قد تكلف من الناحية المالية لكن مردودها سيكون أكبر من الاستمرار في الإنفاق دون هذه الدراسات وبالتالي ستوفر كثيراً من النفقات على المدى القريب والبعيد.

ومن الأفكار التي طرحت أن مواكبة وسائل الإعلام لدينا للمناسبات العالمية مواكبة لا تليق بخبرتها وسمعتها والإمكانات الهائلة المتوفرة لها، وأهم من ذلك أنها وسائل إعلام تعمل وفقاً للنظام الأساسي للإعلام في المملكة الذي يؤكد على الطبيعة الدعوية لهذه الوسائل. وفي حديث مع الأخ الدكتور عايض الردادي (مدير عام إذاعة الرياض سابقا) أشرت إليه بما حدث في إذاعة لندن من الاهتمام بمؤتمرات الأمم المتحدة الثلاث: مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة، ومؤتمر التنمية الاجتماعية في كوبنهاجن ، المؤتمر العالمي للمرأة في بكين. فقدمت وجهة نظر الغرب وثقافته عقب المؤتمر الأول في برنامج (عن الجنس بصراحة) وقدمت خلال مؤتمر المرأة العلمي الرابع وعقبه أضخم جهد إعلامي (كما زعموا، وقد يكون صحيحا) هو برنامج (نون النسوة) الذي حشدت له إذاعة لندن إمكانات كبيرة ومقابلات على مدى العالم العربي كله. فماذا فعلنا نحن، وبخاصة أن القيم الإسلامية هي المستهدفة من هذه المؤتمرات أو المؤامرات.

وأشرت إلى أن إذاعة لندن تهتم بما يكتب عنها وتقوم بالرد عليه وبسرعة ومن ذلك أنني انتقدت برنامجا في تلك الإذاعة بعنوان(عالم الكتب) فجاءني الرد خلال ثلاث أيام بالفاكس من لندن. ولكن كم من مرة كتبت فيها عن الإذاعة أو التلفاز(حتى ظن البعض أنني متخصص في الإعلام) ولم أتلق حتى اليوم رداً واحداً.

وثمة نقطة مهمة عن إعداد البرامج فإن في إذاعتنا نفراً تخصصوا في كل شي: في الإخراج وفي التقديم وفي الإعداد وحتى الآثار، وقد صرح أحدهم -لم يعتقد أنني سأحتاج هذا التصريح - أن أمر الإعـداد لا يحتاج أكثر من بضعة كتب وتنقل فقرة من هنا وفقرة من هنا..الخ. وقد لا يصدق مثـل هذا إلاّ على برامج قليلة ولكنه حدث. والأمر الآخر ما ذا فعلنا بشأن المكافآت فقد كتب أحد الكتاب أن هذه التسعيرة لم يتم تعديلها منذ إنشاء الإذاعة. ولكن ما هو أهم من هذا طريقة تقديم هذه المكافآت أو الأجور عليك أن تراجع الأستاذ أمين الصندوق عدة مرات حيث يكون منتـدباً أحياناً أو يكون مشغولاً وتبدأ أنت وهو في البحث في الكشوف أو البيانات فقد يكون اسمك وصل أو لم يصل. فما هذه الطريقة. ألا يمكن أن تصل المكافأة إلى صاحبها على عنوانه بعد أن نكون قد نظرنا في زيادتها بما يناسب حجم الجهد المبذول وقيمة المشاركة. وقد رأيت العشرات أو المئات من أصحاب المكافآت قد تركوها لأنهم ملوا من السؤال (المرمطة).

قد يقول قائل: " وهل نملك إمكانات إذاعة لندن؟" ولن أجيب عن هذا السؤال ولكن ما أعـرفه أن الإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام تلقى رعاية مباركة من حكومة المملكة لأننا بلد تحملنا مسؤولية الدعوة إلى الله فهذا هو ما تفيده قراءة النظام الأساسي للإعلام.

لقد كانت ندوة مباركة أتاحت الفرصة لعدد كبير من الأكاديميين للالتقاء، وهذه الندوات هي روح الحياة الجامعية،ولا يمكن للأستاذ الجامعي أن يحقق ذاته دون حضور الندوات والاحتكاك بزملائه من شتى التخصصات. فشكر الله للمجلس الأعلى للإعلام وجامعة أم القرى ممثلة في مركز أبحاث الحج على الدعوة إلى هذه الندوة.

لقد كانت ندوة مباركة أتاحت الفرصة للمتخصصين أكاديمياً والعاملين في المجال العملي أن يتحاوروا في جو علمي ملؤه المحبة والحرص على مصلحة هذا البلد الطيب

تاريخ الطباعة : 21/11/2017

مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق

http://www.madinacenter.com